سيِّدُ القوارِض العجوز

سيِّدُ القوارِض العجوز

من تظاهرات ثورة 11 فبراير 2011 في صنعاء (الأناضول)

إبان زيارته لليمن عام 2002، وفي لقاءٍ محدود بعدد من المثقفين، ردّ الروائي الألماني غونتر غراس على سؤالٍ حول مقترحاته للكتابة بأن على الأدباء اليمنيين أن يكتبوا عن الفأر! أثارت الإجابة الساخرة، تحفظ المترجمة العراقية الحريصة على عدم إدلاء غراس بتصريحات قد تتداولها الصحافة، وتتسبب بأزمة سياسيَّة، واستغراب الحاضرين آنذاك.

كانت إعادة بناء سدّ مأرب وسمًا رمزيًّا وفعليًّا
 لمسعى إعادة بناء الدولة اليمنيَّة

نظرياً، كان غراس يتحدث عن فأر سدّ مأرب القديم، القارض الذي دمَّر "معجزة عرب الجزيرة" كما يصفه الأنثروبولوجيون. سدُّ مأرب عنوان الرخاء لبلدٍ عرف السدود والسعادة قبل أكثر من 6 آلافِ سنة، قبيل انهياره الذي أدخل اليمنيين عصر الشتات والهجرات، تاركين "القوارِض" منهمكة في إخراج بلدهم من الحضارة والتاريخ.

قبل 40 عاماً، كان بناء السدّ مجددًا، وسمًا رمزيًّا وفعليًّا لمسعى إعادة بناء الدولة اليمنيَّة، في تلك الأثناء، كان الضابط علي عبد الله صالح ما يزال في تعز، المدينة التي قدم إليها قبل سنواتٍ طوال، ليعمل حارسًا في منزل القاضي الربيع.

كان صالح الذي لا يعرف الكثير عن والديه، ينتمي إلى طبقة فلاحيّة فقيرة، وقبيلةٍ صغيرة، كانتا "القبيلة والطبقة"، قبل ربع قرنٍ من ذاك الزمان، محل استخفاف لدى نظام الحُكم. لكن الحمدي الذي نظر إلى صالح كيمني بمكانته المُجرَّدة من الامتيازات، والمُهمشة، صاحِبُ حق وفُرصة. اندفع لترقية صالح ليُصبح قائداً للواء تعز، ضمن المرحلة الثانية من حركته التصحيحية في تمكين الضباط المهنيين من تولي مناصب عُليا في الجيش وتفتيت مراكز النفوذ التقليدية في الدولة و"المشائخ" خصوصاً.

في ذات الآن، كان صالح الذي أصبح "تيس الضباط" كما يُقال، بفضل حركة التصحيح التي منحته الفُرصة، يضحك ساخراً كلما سمع عبارة "التصحيح"، وهو كامتداد لقائد الجيش أحمد الغشمي، عرابُهُ إلى السُّلطة، وسلفُه في الرئاسة، قد شكل بمعيته ذيلًا انتهازيًا لثقافة المُضطهِد، فكان سعيهما للسُّلطة، بخبث الجلادين، لا بحالميَّة مظلومين.

شهورٌ قليلة بعد صعود الغشمي للسلطة على جثَّة رفيقه وسلفه الحمديّ، حتى اغتيل هو الآخر في تفجيرٍ غامض، ليصعد صالح إلى الحُكم بثنائية المسدس وحقيبة المال، ضمن تحالفٍ عصبويّ جديد، مُشبعٌ بعُقد الجغرافيا والتاريخ. ورث صالح إبان وصوله للسلطة يمنًا قويًا، يملكُ احتياطًا نقديًّا يزيد عن ثلاثة أمثال الاحتياطي النقدي المِصري. يمنًا مزدهرًا اقتصاديًا، ولديه مؤسسة ضخمة ومبتكرة، تقود تنميةً شامِلة ودؤوبة، معتمدة على مبادرات المواطنين التعاونيَّة وإدارتهم التنفيذية للمشاريع.

وجد صالح نفسه على رأس دولة ذات ثقل سياسي مضطرِد، وعلاقات دوليَّة بناءة، وجيشٍ وطنيّ مُوحد، وبيروقراطيَّة منظمة ونزيهة، وحركة فنية وطلابية وشبابية نشطة، ونخبة سياسية وثقافية واجتماعية نادرة في وطنيتها. لكن، لم يفلح السدّ الذي بناه الحمدي، في عقد القطيعة المتوخَّاة مع الماضي الوسيط، عاد صالح ليُدير مصالح شيوخ القبائل والهاشميَّة السياسية والطفيلية العسكريَّة "التي أصبحت إقطاعًا عسكريًّا".

أصبحت الدولة اليمنية غنيمةً لقطبية شيخ الرئيس ورئيس الشيخ

بشكلٍ ما، أصبحت الدولة اليمنية غنيمةً لقطبية شيخ الرئيس ورئيس الشيخ، على حد وصف صالح وشيخه عبد الله الأحمر، وبينهما حبالٌ سريَّة تغذي متطفلين من بقايا التاريخ، تطوَّع صالح لخدمتها ومعها "مراكز النفوذ التقليدية"، مصوراً هذا بقوله: "كُنت أمسك بقرون البقرة، وغيري يحلُبها". قضى صالح، بقسوة، على حركات الاحتجاج السياسي، استخدم الجماعات الإسلاميّة والمتطرفين في حروبه على التيارات التقدميَّة، واغتيال خصومه السياسيين، قسم المجتمع طائفيًا، والجيش، الذي عزله تدريجيًا عن باقي فئات الشعب، فاقتسمه في إقطاعات، ذات ولاءاتٍ فرديَّة، مع أقطاب حكمه.

رَاكم صالح خبرات ومهارات وثقافة من سبقوه، واستثمرها، فلعب بورقة الدين، والمذهب، والقبيلة، والمدينة، والإقليم، بالكيفيات التي تُناسب تعطُّشه لنهب الثروة، وشغفَه في امتلاك السُّلطة، فحوَّل الفساد إلى أُدلوجَة، لا حيلة من اعتناقها طوعًا وكرهًا، أفرغ المفاهِيم من معانيها، وميَّع القِيَم إلى حد أنَّه لم يعُد مُخجلًا لرئيس وزرائه أن يصرح علانية بالقول: "الفساد ملحُ التنمية"، هكذا ببساطة، ومن يحتاج للتنمية، لا يستغني عن "الملح".

ففي عصر صالح المائع، أصبحت الديمُقراطيَّة مبرراً لتهديدِ شيخٍ ما بتصفية وزير، أو صفعِ عضوٍ في البرلمان، وأصبح الحوار السياسي، رطانةً لاختلاس أموال الاتحاد الأوروبيّ، والدَّعوة للاستثمار، فُرصة للمشائخ وقادته العسكريين، في التناوُب على اقتحام عقارات المُستثمرين وادعاء ملكيَّة الأراضي لنصب "ترضيَّات"، وغالِبَاً، لمناصفتهم في الأرباح بمُبرر حماية الممتلكات من الآخرين.

أما التعددية السياسية، فتعني شقّ الأحزاب واستنساخها، ومُحاربة الإرهاب، إعادة تدجين الجماعات الإرهابيَّة، إما للعمل في القطاعات العسكرية الموالية له، أو للعمل بموجب إملاءاته التخريبيَّة، وبالطبع ابتزاز مخاوف الجيران بالأموال، العمالة للخارِج، خِيانَة، إذا لم يكُن الرئيس في رأس القائمة، ومتلقي أفضل العطاءات ليُدير المؤامرات في البلد بنفسه، صفقات الأسلحة تعني العمولات الباذخة، اكتشاف الغاز وتصديره، بيعه بربع الثمن مقابل عمولة تفوق 10 مليارات دولار، اكتشاف النفط وتصديره، توزيعه كآبار للمشائخ والأقارب، حل النزاعات والحروب الداخلية تعني بيع السلاح للجماعات المُتحاربة، حماية الحدود معناها تهريب السلاح والمخدرات لدول الجوار وخصوصاً الصومال والسعوديَّة وعُمان.

ليس بعد ما عرفه اليمنيون وعاشوه، بل والأعظم الذي خَفِيَ ويخفى، أيُّ سدٍ يُمكنه أن يُعيد مجد هذه الأرض، ولو شيدوا آلاف السدود، ما لَم يُقضَ على قوارِض اليمن المُعاصر، وسيَّدها العجوز.