سينُ السؤالِ أو النقطة الفاصلة

سينُ السؤالِ أو النقطة الفاصلة

ماريو سيروني/ إيطاليا

1

في الستين،

لم يبقَ لِي متَّسع كيْ ألومَ الوقتَ،

كي أحاسِبَ الذينَ تذكّرني بهم نُدبُ الطريقِ إلى الآخرة

لم يبقَ على حاجزِ الساعةِ مَن يُصْغِي

حقبةُ المعجزاتِ مضتْ

لا فجرَ سِوى ذاك الذي يطلعُ من وردةٍ في الحوضِ

لا جنّةَ أبهى من حبَقٍ تربّيه أمي على مدخلِ الدارِ

لا فرحَ يُضاهي ضحكةَ امرأةٍ تسكنُ قلْبي

كلّما أرادتْ

لم يعُد هناكَ ما هوَ أكثرُ كرَمًا من كلمةٍ طيّبةٍ تُقالُ لكَ بصدقٍ

في الستين.

 

2

في الستين،

لم يعُد متسعٌ لصداقةٍ واحدةٍ على غشٍّ،

أو رخاوةٍ، أو بينَ بينْ

في ذروةِ الوقتِ يسقطُ الأصدقاءُ بلا دويّ

منْ شدّة البُخلِ،

في الحربِ على حدودِ الهُويّة،

يشكونَ البيارقَ في أعلى البُرجِ أو يقاتلونَ الريحَ

في المعركةِ الخاسرةِ مع المَنطقِ البسيطِ،

يسقطون

في الذهابِ الطوعيّ مع الغيبِ إلى مُنتهاهْ

في لُغةٍ اعتذاريةٍ أورثَها الأبُ للابنِ عن طيبِ قلبٍ

بغيرِ خاطرِ الأم

في اصطيادِ بناتِ الخيالِ كالفراشِ

خوفًا من التحليقِ وفُقدانِ الجاذبيّة،

ويغيبون.

 

3

في الستينَ

برأتُ من آخرِ العقائدِ،

ودّعتُها ومشيتُ

برأتُ من طينِ النصوصِ العالقِ في رئتيّْ،

من قرِّها وقارِها

لم يبقَ بيني وبينَ الأولياءِ حرفُ علّةٍ

حرقتُ الجسورَ إلَى مزاراتِهم وأشعلتُ الشموعَ للغريبِ أن يستدلّ

لم يبقَ لي خيطٌ في حلْفٍ،

فِي أخويّةٍ ناجية أو هالكة،

لا آوي الدُعاةَ

إذا جاؤوا شبّتِ النارُ في اللغاتْ وبانَ الطُغاةُ

في الستين لا أساومُ الآلهةَ على كسرةِ خُبزِي،

على مجازٍ

على اسمِي

على الميزانِ والوحيِ والمعنَى ونُقطةِ البيكارِ

واحدًا واحدًا ـ أعلّقهمْ على سينِ السُؤالْ

لستُ أقسى فاعلِّقَهُم مِنْ رمُوشِهم كَما يتوعّدونَ الخلَائقَ

أو أخسفُ بهمْ أرضَ الكنانةِ

في الستينَ

صفوتُ منْ أطيافِهم وبقيتْ.

 

4

في الستّين

لم يبقَ لي متّسعٌ لأكثرَ من استعارةٍ في القصيدَة

لتسلّقِ نخلةٍ

لرصدِ فراشةٍ أو نحلةٍ تهبُ الحياةَ من أوّلِها

لم يبقَ لي أرضٌ تحنّ على حبّة قمحٍ

على فرخٍ أخطأ حسابَ المسافةِ إلى عُشّهِ

لم يبقَ لي شجرٌ أستعيرُ مِنْه ما يلزمُ لأقواسِ النصرِ

ولا ظلٌّ أحتاجه لتفقّد نُدبي على مهلٍ

لم يبقَ لي بحرٌ يشقُّه اللاجِئُونَ إلَى نِصفيْنِ ويَعبُرونَ مُنتصرينَ

إلى حتوفهمْ.

الفُرصُ الممنوحةُ لنا قبلَ الستينِ.

للنجاةِ

وبعدها ـ للهلاكِ

الستّين ـ هي النُقطةُ الفاصلة!

 

اقرأ/ي أيضًا:

من ديوان العراق

أكوام البطيخ مثل أكاذيب مضحكة