12-ديسمبر-2015

سينما سورية (لؤي بشارة/أ.ف.ب/Getty)

1983، أنا الولد الهارب بخمس ليرات خضراء إلى دمشق باحثًا عن الفرجة، وأي فرجة، تلك المهووسة بالضوء الكبير الذي يمزق عتمة الصالة ليخرج منها أبطال الحب والقتل والرقص. في تلك الصالة التي يذكرها أغلب شباب دمشق، وحدها "إغراء" هي النجمة. تستعيد ذاكرة آخر الطفولة وأول المراهقة. أبناء دمشق في السبعينيات والثمانينيات يتذكرونها. الذين عرفوا معنى الجسد في تلك العتمة، إذا مرت أمامهم أسماء الأفلام الرخيصة في سينما البورنو عينها. أسماء صارت مضحكة الآن، لكنها من الذاكرة: "أموت مرتين وأحبك، راقصة على الجراح، الفهد". كلها أسماء تعيد الذاكرة إلى حقبة نوستالجية من تاريخ دمشق، وإلى صورة إغراء: عندما تخرج البطلة جسدها للجبل والسرير وللجالسين على المقاعد بخمس ليرات.

في العتمة، وأنت "تمج"، سيجارة الحمراء القصيرة -التي كان سعر علبتها ليرة وربع- ثمة مدخنين كثر أيضًا، تشعر بوجودهم في الصالة، وبأصواتهم. أنفاس العجوز الوحيد تمزق الهواء العفن في سينما غازي، ولا أحد في العتمة يعرف مكانه بعد أن خرج صاحب (البيل) المصباح الذي يحدد لك مكانك، في ذلك السرمد الأسود. كان يحدث تحرش في السينما لكن أحدًا لم يكن يكترث، فالجميع يغرق في المشاهدة، في الهرب من جحيم الخارج.

 المشاهدون في سينما غازي كانوا يحلمون بامرأة مثل إغراء أو نجمة بجمال ناستازيا كينسكي أو مثيرة بهالة جسد ناهد شريف

في الخارج، باعة بوظة جواهر، السكارة الواحدة، كأس الشاي، السندويش بقرصي فلافل، صاحب البيل المنقذ، العساكر الهاربون من خدمتهم، رجل الأمن الذي يقرأ الجريدة في الاستراحة، النيام، أولاد المدارس، العشاق الطامعون بقبلة شبقة وفيلم للمرة العاشرة من شرفة (البلكون) حيث صالة العائلات. مدمنو السينما الذين يقصون عليك حكاية الفيلم دون معرفتهم بك... جمهور أبدًا يتقاسم العتمة والمتعة. كل شيء في سينما غازي.

ينتهي الاحتفال، ثمة دمشق بهوائها تعيد الهواء النقي إلى رئات أتلفها عفن السينما الأبدي، والنضارة لشفاه تشققت في العتمة من التقبيل والسكائر الوطنية الثقيلة، والحلم لبعض المشاهدين بامرأة مثل إغراء أو نجمة بجمال ناستازيا كينسكي أو مثيرة بهالة جسد ناهد شريف في فيلم ذئاب لا تأكل اللحم. حالمون وعشاق ومتشردون وعاطلون من العمل وطلاب في عتمةٍ مقدّس كانوا يسرحون في سينما غازي، أما اليوم فيسرحون في ذاكرتهم أو في الحرب.

لم يبق منه اليوم سوى رائحة السينما العفنة. وجمهور يهرب الآن في لقطة واقعية نحو البحر والقبر والغربة.the end ... أسدلوا الستارة.

اقرأ/ي أيضًا:
التجنيد الإجباري يفرغ دمشق من شبابها
من باب الحديد إلى.. كوخ صغير بهولندا