22-نوفمبر-2016

صورة من فيلم ولد في الرابع من يوليو للمخرج أوليفر ستون

حرب فيتنام (1954-1975)، أو الحرب الهند/صينية الثانية، أو كما يعرّفها الفيتناميون، حرب المقاومة ضد أمريكا، تُعد واحدة من أعنف عناوين الحرب الباردة، وأشدها هولًا (إجمالي وفيات يقارب المليون ونصف). وهي، أيضًا، من أقوى أحداث ليل القرن العشرين التي حرّكت شعراء وموسيقيين وسينمائيين وحركات اجتماعية وسياسية.

نعوم تشومسكي، الفيلسوف واللساني والناشط السياسي الأمريكي الشهير الذي كان منخرطًا بعمق في الحركة المناهضة للحرب منتصف السيتينيات، سُئل في حوار عام 1982: هل لديك علم بلحظة تاريخية أخرى عاد فيها الجنود من الحرب إلى الوطن ونظموا أنفسهم ضد حكومتهم، كما فعل العديد من محاربي فيتنام القدامى؟

حرب فيتنام (1954-1975) تُعد واحدة من أعنف عناوين الحرب الباردة

من النادر حدوث ذلك. مثلًا، يجري الآن أمرٌ مماثل إلى حد ما في إسرائيل مع جنود الاحتياط الذين يخوضون أيضًا حربًا ضد السكان المدنيين في لبنان. إنها نفس الظاهرة. إذا شارك عسكريون محترفون فحسب، ربما يُمرر الأمر. لكن جنود الاحتياط يرتبطون بالسكان المدنيين. وهذا هو السبب في أن دول مثل فرنسا وإنجلترا استخدمت، في تنفيذ هذا النوع من الحروب، قوات من المرتزقة.

فيلم ولد في الرابع من يوليو، مأخوذ عن مذكرات جندي البحرية الأمريكية رون كوڨتش، والتي نُشرت عام 1976 تحت نفس العنوان. وقد وردت عبارة "ولِدَ في الرابع من يوليو" أول مرة في أغنية وطنية، من كتابة الفنان الهزلي والشاعر الغنائي الأمريكي جورج م. كوهان عام 1904، هي: يانكي دودل داندي. وفي ذلك محاكاة ساخرة من قِبل كوڨتش.

عاش رون كوڨتش (توم كروز) طفولته، ومراهقته القصيرة جدًا، في بيت تسكنه عائلة بيضاء مسيحية، متزمّتة دينيًا ووطنيًا. وكان شديد الحرص على هذا الإطار، وأكثر أهل البيت طاعة للأم، الصارمة أصلًا، التي تمثِّل "أنا عليا"، بالمعنى الفرويدي، لكل من حولها.

فيما يُشبه شخصًا نَذَرَه القدر لمهمّة محددة، انضمَّ كوڨتش إلى سلاح المشاة بالبحرية الأمريكية، وهو بعد مراهقًا، عديم التجربة، لم تخمشه حبيبته في كتفه ضمن طقوس عبورها إلى اللذّة، ولم يحاول يومًا أن يتملص من مؤامرات أمه. مُخلصًا ومتحمسًا، استجاب لبروباغندا حرب فيتنام.

اقرأ/ي أيضًا: في حب السينما

يا أبي، ألم يبلغ إلى علمك ما يعنيه لي أن أكون أحد أفراد البحرية الأمريكية؟ منذ أن كنتُ طفلًا، أردتُ هذا. أردتُ أن أخدم بلدي.. وها أنا أريدُ الذهاب إلى فيتنام، وإذا كان عليّ أن أموت هناك، سأموت.

الولد الذي يُحب أمريكا، ذهب إلى فيتنام من أجل أن يوقف الشيوعية عند حدها، وعاد مشلولًا. وعلى ما يمثله العجز من مأساة، تكون الطَّامة الكبرى في المجانية؛ أن يضحي الإنسان بأطرافه وخصيتيه بلا ثمن أو مقابل.

الولد الذي يُحب أمريكا، عاد من الحرب بعد أن قاتل أطفال ونساء. بل، عن طريق الخطأ والخوف، قتل زميله. وهو الآن معجون بألف ذنب وألف خيبة.

"فيتنام هي حرب الرجل الأبيض، حرب الرجل الغني"، يقول له ويلي (روكي كارول)، الممرض الأمريكي الأسود، قبل أن يذهب ويُحضر الكرسي المتحرك.

فيتنام هي حرب الرجل الأبيض، حرب الرجل الغني

يعود كوڨتش إلى الوطن ويكتشف أن الحرب، التي فقد فيها شرفه وأطرافه، لم تكن عادلة أو أخلاقية، وإنما هجومًا إمبرياليًا على شعب فقير. أما شعبه، الذي توقع أن يستقبله بالورود والتصفيق، فقد حدَّق فيه شفقة وريبة.

بعد فترة من الانغماس في السُكر و"النوم" في بيوت عاملات الجنس، سينضم كوڨتش إلى مظاهرات الهيبيز والسلاميين المناهضة للحرب.

أنا من محاربي فيتنام القدامى، وأنا هنا، الليلة، لأقول: خطأ هي هذه الحرب. الحكومة هذه كذبت عليّ، وعلى إخوتي. لقد خُدع ناس هذا البلد ليذهبوا مسافة ثلاثة عشر ألف ميل من أجل خوض حرب ضد شعب فلاحي فقير يمتلك تاريخًا مشرفًا من المقاومة، ويناضل، منذ ألف عام، من أجل استقلاله.. لا أجدُ في حوزتي من الكلمات ما أعبر به عن الكيفية التي تجعلني بها قيادة هذا البلد أشعر بالاشمئزاز.. [هذه القيادة] تقتل إخوتنا في فيتنام.. عُدنا، نحن الـ "يانكي دودل داندي" خاصتكم، إلى الوطن.

اقرأ/ي أيضًا:
آخر ملوك اسكتلندا: القراءة من كتالوج الاستبداد!
محمود عبد العزيز.. في محبة الرجل الجميل
دونالد ترامب.. سيرة موجزة لممثل فاشل