سينما الممثل أم سينما المخرج.. صراع طويل خاضته السينما المصرية

سينما الممثل أم سينما المخرج.. صراع طويل خاضته السينما المصرية

لقط من فيلم العزيمة انتاج عام 1939

في السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1927، شهدت صالة سينما متروبول القاهرية عرض أول فيلم مصري طويل، بحضور نخبة من صفوة المشهد الثقافي والسياسي والاقتصادي. الفيلم هو "ليلى"، والذي شهد طاقم عمله قيام أفراده بعديد المهام أمام ووراء الكاميرا، فتولّى الإخراج كل من عزيزة أمير وستيفان روستي ووداد عرفي، وثلاثتهم شاركوا بالتمثيل أيضًا، فيما كتب السيناريو أحمد جلال وستيفان روستي، بينما قام بالمونتاج عزيزة أمير وستيفان روستي.

في تشرين الثاني/نوفمبر 1927، شهدت صالة سينما متروبول القاهرية عرض فيلم "ليلى" أول فيلم مصري طويل

وما إن انتهى عرض الفيلم، وصافح رجل الاقتصادي المصري طلعت حرب عزيزة أمير، حتى بادرها قائلًا: "إنك يا سيدتي حققت أمرًا يعجز عنه الرجال"، ويقال إنه كان يرمي إلى البُعد الاقتصادي خلف ظهور الفيلم، والذي ساعد على إنجازه، إلى جانب شغف عزيزة أمير بفكرة السينما، كونها زوجة لأحد العُمداء الأقوياء، أحمد الشريعي، عمدة سمالوط وأحد أثرياء الصعيد.

ربما بزغت الفكرة في عقل طلعت حرب في تلك الليلة، ربما حديثه المتبادل مع الفاتنة المصرية المسحورة بضوء الشاشة الكبيرة هو ما شجعه على خوض غمار الإنتاج السينمائي وإرسال البعثات إلى فرنسا وألمانيا لتشرّب أصول المهنة من أصحابها.

اقرأ/ي أيضًا: مهرجان فينيسيا السينمائي.. من يفوز بالأسد الذهبي هذا العام؟

المهم أنه وبعد 8 سنوات فقط من تلك الليلة، كانت مصر على موعد مع تدشين أول ستوديو برأس مال مصري مئة بالمئة، لصحبه طلعت حرب. وفي افتتاحه للاستديو، ألمح طلعت حرب إلى أركان منهجه في المزج بين الاستفادة اقتصاديًا من وسيط ترفيهي مثل السينما وبين تزويد المجال المصري برافد جديد يغذّي خياله ويساعده على طرح الأفكار "التنويرية" على نطاق واسع.

قال طلعت حرب: "إننا نعمل بقوة اعتقادية، وهي أن السينما صرح عصري للتعليم، لا غنى لمصر عن استخدامه في إرشاد سواد الناس". وأغلب الظن أن "الإرشاد" هنا ليس كلمة سيئة المعنى في المطلق، بل ربما جاءت متناسبة مع انطلاقة الصناعة الجديدة والاستديو السينمائي الوطني الأول والمناخ السائد في تلك الفترة من تريخ مصر، حيث تعمل القوى الوطنية على طرح مشروع نهضة وطني للخلاص من الاحتلال الإنجليزي واكتساب بعض الحقوق الدستورية.

ولهذا، حمل ستوديو مصر على عاتقه الترويج للمنتج الوطني، من خلال إنتاج أفلام قصيرة للإعلان عن المنتجات المصرية، كما أنتج نشرة أخبار أسبوعية عن الأحداث في مصر تُعرض في الصالات قبل بداية أي فيلم. والأهم من ذلك، ما سعى إليه الاستديو من خلق وتأسيس كوادر سينمائية مصرية قادرة على قيادة مسيرة يُكتب لها النجاح والاستمرار.

وهكذا، سافر أحمد بدرخان وموريس كساب إلى أوروبا لتعلم فنون الإخراج السينمائي، ومثلهما حسن مراد ومحمد عبد العظيم لتعلم التصوير، ومصطفى والى (صوت)، وولي الدين سامح (ديكور)، نيازي مصطفى (مونتاج).

إذن، ربط "أبو الاقتصاد المصري" ما بين ازدهار الاقتصاد والثقافة، واستوعب ما تعجز عنه عقول جاءت بعده بعقود طويلة، من أنه لا تجديد لشرايين الاقتصاد دون ثقافة رفيعة ومعرفة، بل إنه عمل وفقًا لرؤية تضع الثقافة والفن في أعلى أولويات الاستثمار، وتعتبرهما جناح الوعي القادر على بناء الاقتصاد في مصر.

وعلى ذلك، كان التوازي في إنشاء بنك مصر وشركة مصر للتمثيل والسينما لإنتاج أفلام مصرية لفنانين مصريين مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. من نافل القول الإشارة إلى أن مصر كانت ثاني بلد في العالم يعرف العرض السينمائي، عندما قدّم الأخوان لوميير أول عرض سينمائي تجاري في الإسكندرية يوم 5 تشرين الثاني/نوفمبر 1896، بعد عام واحد من تقديم أول عرض في فرنسا.

حمل ستوديو مصر على عاتقه الترويج للمنتج الوطني، من خلال إنتاج أفلام قصيرة للإعلان عن المنتجات المصرية

بدأت السينما في مصر صامتة وتسجيلية. أسس الفنان الرائد محمد بيومي عام 1923 أول ستوديو سينمائي في مصر باسم "آمون فيلم"، ومنه بدأت جريدة آمون السينمائية في الصدور، وخُصص أول أعدادها لتوثيق عودة الزعيم سعد زغلول من منفاه في جزيرة سيشل واستقبال الجماهير له بالقاهرة.

بيومي أيضًا كان وراء إنتاج أول فيلم روائي مصري قصير، بعنوان "برسوم يبحث عن وظيفة" عم 1923، وكان كوميديا اجتماعية صامتة عكست تماسًا مع هموم الناس. ومن الأمور اللافتة في نشأة السينما المصرية، والتي تميزها عن بقية سينمات العالم، كونها قامت على أيدي سينمائيات مصريات، استهدفن الوصول إلى فيلم مصري مئة في المئة.

هذه الريادة النسائية لا يمكن فصلها عن تأثيرات ثورة 1919، التي ألقت بظلالها على المنظومة الاجتماعية في مصر في ذلك الوقت، وواكبها نهضة فكرية كان للمرأة فيها حضورها البارز، المرأة التي شاركت في الثورة، بعد أن خلعت برقعها وأطلت بوجهها إلى العالم.

برزت وجوه شغوفات بفن السينما، مثل عزيزة مير وبهيجة حافظ وفاطمة رشدي وأمينة محمد، اللائي قدمن في الثلاثينيات والأربعينيات ما لم يجرؤ رجال على إنتاجه، على حدّ قول طلعت حرب، مثل أفلام "ليلى" و"كفّري عن خطيئتك" و"الزواج" و"الضحايا".

تماس مجتمعي
حاولت السينما المصرية في عقودها الأولى التماس مع تطور السينما العالمية، كما حاولت التعرّض لمشكلات المجتمع ما بين عامي 1927 (ظهور أول فيلم مصري) و1952 (حيث تغيّر وجه الحياة في مصر تمامًا)، فكانت أفلام "لاشين" و"العزيمة" و"العامل" و"السوق السودا" و"بابا أمين" و"لعبة الست".

اقرأ/ي أيضًا: جان شمعون.. طاقة حب توثق الحرب

مع الأربعينيات، أثمرت جهود طلعت حرب، فظهرت أفلام تتناول الواقع المصري بدرجة أعمق، مثل فيلم "العزيمة" لكمال سليم الذي تناول مشكلة البطالة بين المثقفين، أو فيلم "السوق السودا" لصلاح أبو سيف الذي قارب البناء الداخلي للنظام الرأسمالي، وفيلم "العامل" لاحمد كامل الذي يناضل فيه العمال لأجل نيل حقوقهم وتولي إدارة المصنع بأنفسهم، وفيلم "المظاهرة" لكمال سليم عن الصراع بين العمال وأصحاب العمل.

ولا يمكن إغفال العلاقة التبادلية بين نهضة الستينيات وبين الانعكاسات الإيجابية على فن السينما في تلك الفترة التي تميزت بظهور قضايا اجتماعية حقيقية، أبرزت كثيرًا من المفاهيم، كالعلاقة بين السلطة والشعب، كما في أفلام "الزوجة الثانية" و"أدهم الشرقاوي" و"الحرام" و"مراتي مدير عام" و"أرض النفاق".

وليس من التناقض الاعتراف بأن العصر الذهبي للسينما المصرية لم يكن ممكنًا دون مساعدة القطاع العام/الدولة، فرغم كل الانتقادات التي يمكننا كيلها لتلك الفترة من تاريخ مصر، فقد ظهرت خلالها أفلام تعتبر الآن من كلاسيكيات لسينما المصرية، نذكر منها على سبيل المثال "الأرض" و"العصفور" و"يوميات نائب في الأرياف" و"قنديل أم هاشم" و"شيء من الخوف" و"المومياء" و"القاهرة 30".

اشتغلت سينما الستينيات على موضوعات الفقر وإعلاء قيمة العمل والإشادة بالأفكار الإشتراكية، مثل فيلم "اللص والكلاب"، وإدانة الانتهازية والرشوة والفساد.

ويمكن القول بأن الستينيات مثّلت مرحلة انتقال السينما المصرية من سينما "الواقع" إلى سينما "القضية"، وفيلم "العصفور" ليوسف شاهين أبرز مثال على هذا الانتقال، الذي سوف يقود بعد ذلك تيار السينما الذاتية. دفع الجدل والصراع حول الأفكار والقضايا "الكبرى" حينها بالعجلة إلى الأمام، وكانت التجارب السينمائية الجديدة تسعى إلى أن تصبح جزءًا من التيار السينمائي الإنساني عمومًا، وركيزة لاستكمال مصر لمشروعها "الحداثي" بشكل خاص.

سينما المخرج
على الرغم من أن نسبة ما يمكن وصفه بأنه "سينما المخرج" في الإنتاج السينمائي المصري لا يتعدّي 10% على مدى القرن الذي يشكّل عمرها، وحتى إن شاعت فكرة ذهاب الجمهور لمشاهدة "نجوم" الفيلم، فإنه ليس صحيحًا أن الناس يذهبون فقط إلى السينما من أجل "النجم" الذي تتصدّر صورته الأفيش. لأنه منذ محمد كريم وحتى داود عبد السيد ويوسف شاهين ومحمد خان وخيري بشارة ويسري نصر الله، مرورًا بأفلام الواقعية، فإن المخرج عرف كيف يكون نجمًا في السينما المصرية، كيف يمثّل مرحلة أو تيارًا.

أسس الفنان الرائد محمد بيومي عام 1923 أول ستوديو سينمائي في مصر باسم "آمون فيلم"، ومنه بدأت جريدة آمون السينمائية في الصدور

وليس إصرار حسن الإمام على كتابة عبارة "فيلم من إخراج حسن الإمام" أو "مخرج الروائع حسن الإمام" من قبيل المصادفة، بل دليل على اتجاه بدأ منذ فجر هذه السينما، في إلحاق صفة ملازمة باسم مخرج الفيلم، حتى لو شاب ذلك بعض التجاوز كما في حالة الإمام.

فالتاريخ السينمائي يشهد على تلك العلاقة التي جعلت من المخرج نجمًا يبرع في تقديم في نوع سينمائي محدد، فنجد حسن الإمام (ميلو دراما)، حلمي رفلة (كوميديا)، أحمد ضياء الدين (رومانسية)، الأخوين لاما (مغامرات).

في البداية، لم يكن المخرج "لغة" و"أسلوب" بقدر ما كان يمثل نوعًا سينمائيًا. كانت هناك وتيرة النجوم، وكان المخرج يؤيد صورة معهودة للنجم، فلا تختلف فاتن حمامة في أدائها سواء مثّلت مع حسن الإمام أو هنري بركات، لكن مخرجًا من عينة صلاح أبو سيف كان قادرًا على إخراج "سيدة الشاشة العربية" من دروبها المعتادة إلى حافة التجريب.

صلاح أبو سيف جاء بترسانته الفكرية ليحقق الانطلاقة النوعية في تاريخ الإخراج. مخرجون من طراز محمد كريم وتوجو مزراحي وأحمد جلال وأحمد بدرخان وبركات والإمام وفطين عبد الوهاب، كان لهم حضور التقني الحرفي، بينما استطاع أبو سيف وكمل الشيخ وعز الدين ذو الفقار تحويل المخرج من تقني إلى فنان.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Morvern Callar": الهروب على طريقة ألبير كامو

طوال فترة الأربعينيات والخمسينيات، استمر الصراع بين دورين للمخرج، انتهى بانتصار المخرج كفنان مجدد ومبتكر، يسيطر على عمله تمامًا، وهناك من جمع بين الدورين (بركات والإمام وعاطف سالم). ومن رحم الفهم الجديد، بات تاريخ السينما تاريخ المخرج.

ثم أتت الثمانينيات بتيارين جديدين: تيار السينما النقدية، الذي نهل من صلاح أبو سيف (محمد خان وعاطف الطيب وعلى بدرخان ويسري نصر الله وخيري بشارة)، وتيار السينما الذاتية، ولولا الحضور الاستثنائي لشادي عبد السلام وتوفيق صالح ما كان هذا المخاض.

احتاجت السينما عشرات السنين لتنتقل من ريف "زينب" إلى ريف "الطوق والإسورة"، ومن "عنتر وعبلة" صلاح أبو سيف إلى "السقا مات"

هذا المخاض الذي استولد تبدلًا أساسيًا تمثّل في "حضور المخرج" الذي لا يمكن أن تخطئه عين في أفلام مثل "أهل القمة" و"الكرنك" لعلي بدرخان، و"قلب الليل" و"سواق الأتوبيس" و"الحب فوق هضبة الهرم" و"ضد الحكومة" لعاطف الطيب، "ويوم حار جدًا" و"فارس المدينة" و"سوبر ماركت" لمحمد خان، وكما أفلام داود عبد السيد وخيري بشارة ورأفت الميهي.

احتاجت السينما عشرات السنين لتنتقل من ريف "زينب" إلى ريف "الطوق والإسورة"، ومن "عنتر وعبلة" صلاح أبو سيف إلى "السقا مات" لنفس المخرج. كان هذا "عصر السينما"، أو ربما غروبها، لأن الوهج انطفئ رويدًا رويدًا في التسعينيات حتى صار مألوفًا أن نجد مخرجين متميزين لا يستطيعون إكمال مشوارهم وراء الكاميرا بسبب ندرة التمويل، أو لأسباب أخرى غبية، ثم جاءت الألفية الجديدة، وتغيّرت الدنيا، وأصبح الناس غير الناس، والسينما غير السينما.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "الاعتراف".. الخلطة التي يفضلها النظام السوري

المثلية الجنسية في السينما المغربية.. تابوهات تُطرح على استحياء