"سيناريو" لسليم البيك.. الجسَد قربانًا لسؤال الهويّة

سليم البيك (نضال صبح)

يظهر صوت سليم البيك، الروائيّ الفلسطينيّ السوري، كواحد من أشدّ الأصوات الهوياتيّة خصوصيّةً في الأدب المكتوب باللغة العربيّة. تنبع هذه الخصوصيّة من انفتاحها على راهنيّة أزمة سؤال الهويّة وزعزعة مفاهيم التوطين والتهجير والانتفاء واللجوء.

يقارب سليم البيك سؤال الهويّة وانشطاراتها ماديًا عبر تمثّلات الجسد، حضوره، غيابه، وتغييبه

سليم، القادم من عوالم جغرافيّة شديدة المرونة والحساسيّة: سوريا، والمخيّم الفلسطينيّ، والأصول الحيفاويّة، والإقامة الجبريّة-الاختياريّة في بلد غربيّ، يؤطّر صراعه مع سؤال الهويّة ضمن الصراع على الحريّة الفردانيّة المخلوط بقلق الخَوف من زوال الانتماء إلى هويّة جمعيّة مهدّدة بالضياع. من هنا، تُصبح الكتابة عنده كتابة معماريّة مشيدة على أعمدة الذاكرة العنيدة والخوف من فقدان الذاكرة أو تغيّرها بفعل الجغرافيا.

اقرأ/ي أيضًا: سليم البيك.. الجسد مرجعية

في رواية "سيناريو" (الأهلية للنشر والتوزيع 2019)، يقارب سليم البيك سؤال الهويّة وانشطاراتها ماديًا عبر تمثّلات الجسد، حضوره، وغيابه، وتغييبه. تدور رحى حول أربع شخصيّات نسائيّة وبطل، خمسة بورتريهات لخمس ذوات تتأرجح بين الفانتازميّ والماديّ والمعنويّ، أو لنقل، أربعة أجساد أنثويّة: معشوقة ومشتهاة وعارية وراقصة ومهمّشة ودالّة، تُمارَس عليها أقسى الأسئلة الجوهريّة حول الهويّة، ويؤسس البطل من خلالها رؤيته وتصوّراته للذات المهجّرة أبدًا.

شارلوت، كلارا، ميلاني وريما: أربعة أصوات-أجساد تمثّل أربعة تأمّلات جوهريّة لتصوّرات البطل كريم حول هويّته كذات وكجماعة. يتفاوَض البطل مع هذه الأجساد التي تقيم في باريس، في مُحاولةٍ منه ليكتب سيناريو سرعان ما يتحوّل إلى دراما عاصفة تتبدل من حالات الحبّ إلى حالات قلق وجوديّ عن البطل يتجلّى في اندماج البطل تارةً في فقاعة الحبّ والجنس، وهروبه تارةً منها، ثمّ عودته مجدّدًا بتحوّلات نفسيّة سببها اصطداماته المتكررة بسؤال حول هويّته الجوهريّة: لاجئ فلسطينيّ في سوريا، لاجئ مقيم في باريس، حفيد لاجئ فلسطينيّ هُجّر من فضاء حيفا.

ينتهكُ البطل كريم الجسد الأنثويّ احتماءً به من انهيار هويّته.. عبر الجسد الغريب يواجه اغترابه ويمارس سلطة اللاجئ المشتهى في المنفى. على السرير، يتحرّر كريم من عبء سؤال الهويّة الماديّة، ويجدُ أجسادًا نسائيّة "طيّعة" تصبحُ أداةً لتحقيق المتعة من جهة، ولتأسيس سلطة دفاعيّة تحميه من الاغتراب الفعليّ ومن سؤال الاجتثاث الرابض على صدره والذي تفجّر فعليًا بحضور حيفا-الفضاء-الهويّة عبر صوت ريما.

في هذه الرواية، نشهد رسمًا للجسد كواقعة إيروسيّة ماديّة، وكحدث ثقافيّ. مع شارلوت، التي تتضامن سطحيًا وبلا معرفة مع هويّة كريم كسوري فلسطينيّ، يُمارسُ على جسدها الغريزة المتحررة من عبء الأسئلة الثقافيّة، الأسئلة التي قد تشكّل عائقًا على متعة الجسد الماديّ. فهي تتيحُ له بامتلاك جسده وجسدها معًا دون تحريم.. تقدّم جسدها الأنثويّ قربانًا للغريزة الحرّة، ورمزًا للمعشوق الممتَلك العاري، والذي يشكّل دينامو للخَلق الأدبيّ عند البطل.

أما كلارا، فيشكّل جسدها اللحم المُفرَغ من أيّ محتوى.. قربان هامشيّ في حالة تعادل مع جسد البطل، لا نرى معه أيّ أسئلة أو مآزق تُطرح من قبل كريم، فنمرّ عليه مرّ الكرام لأنه يغدو تعبيرًا عن الجسد أو بالأحرى البدن بصفته فضاء ماديًّا لا يستدعي أيّ تفاوض مع البطل، أو تحرّش بسؤال الهويّة القائم في الرواية.

ولعلّ العبارات المفخّخة في هذه الرواية، تأتي ضِمنَ المساحة القلقة التي يلتقي فيها كريم مع ريما، الحيفاويّة الراقصة القادمة إلى باريس الهاربة من الفضاء الحيفاويّ، والتي يُلقي عليها مقالته، ويتراجع الجسد المشتهى هنا، ويحضر بقوّة الخطاب الهويّاتي وقلقه، لتصير ريما بمثابة الدينامو الذي سيخلخل بارانويا البطل ويرفعه درجة عن الجسد-الغرض نحو الجسد الدلاليّ أو الجسد- الهويّة:

بدأتُ هذه الأسطر بالقول إن الحديث عن المنفى لا يكتمل دون الحديث عن الإقامة، ثم بأن هنالك التباسٌ لدى فلسطينيي سوريا بين الإقامة والمنفى، لأنتهي قائلاً بأني، كواحد من هؤلاء، لا أعرف إن كان المخيمُ أم حيفا، هو الإقامة وما دونه منفى، وأعترف بأنّه سؤالٌ معلّقٌ وقلقٌ ولا إجابة لي عنه، لكنّي أعرف أنّ ابن المخيّم، اليوم، في فرنسا وألمانيا.. إن اختار العودة لمكان ينفي فيه منفاه الأوروبي، سيختار المخيّم (151)

نلاحظ أنّ كريم يجدُ شريكًا فوريًا للشهوة الجسديّة المستثارة مع كلارا وشارلوت، فكلتاهما تبتعدان عن مواطن الضعف التي تثير عند الراوي قلقه الوجوديّ، وبالتالي تغدوان قربانين سَهلَين ولا يتعدّى التفاوض معها، في نهاية الأمر، حدود الجسد. من هنا، يمكن القول إن هذه الأجساد المقدّمة كقربان، زائلة لأنها تظلّ في مستوى العَرَض ولا تلج الرّوح وقلقها، إذ تحافظ على ديمومتها فقط في حدود الشهوة الفيزيقيّة. أما ميلاني، صديقة ريما وشارلوت، فيتأرجح معها سؤال الجسد بين اختلال توازن تعريف البطل لهويّته: اللاجئ الفلسطينيّ السوريّ، الحيفاويّ الأصل، وإعادة توطين القلق من الآخر المهدّد لهذه الهويّة.

في "سيناريو" لسليم البيك، حضر الجسد العاري والمشتهى والمثقّف والمهمّش بشكل موظّف مكّن من الكشف عن أكثر الأسئلة جوهريّة في الرواية

اقرأ/ي أيضًا: سليم البيك.. في مخيمات العالم

في مشهد حيويّ في الرواية، تذكر ميلاني ريما الحيفاويّة، وتقول إنّها قادمة من "إسرائيل" وتلقّت منحة من إحدى المؤسسات هناك. لكنّ كريم الذي يقلقه هذا التعريف يُدرك أنها من عرب الداخل المحتلّ فتعلو نبرته في محاولة منه للدفاع عن هويّته هو بالذات لا هوية ريما أمام خطر تعريف ميلاني الذي يعترف بإسرائيل، وبالتالي يؤسرل المدينة الفلسطينيّة عفويًا ويزيد من بارانويا البطل:

لم تكمل ميلاني حديثها عن ريما، تكهرب الجوّ كلّه، أحسستُ بأنّ دخيل على الامرأتين لحظتها وأن عليّ الذهاب، وقد قدمتا معاً إلى السينما، والتقيت صدفةً بهما، لتغادرا معاً كذلك، ويبدو أنهما ستلتقيان بريما هذه. اعتذرتُ من ميلاني على حدّتي وأخبرتُها أن الأمر فعلاً يهمّني وأني كان يجب أن أقدّر أنها لا تعرف معنى أن تكون حيفا فلسطينية عندي، وأخبرتهما أني من حيفا (49).

يضع حضور ريما في الرواية، في الجزء الثاني منها تحديدًا، رهانًا سجاليّ الطّابع حول الخطاب المخفيّ الذي لفّه البطل بقشرة خفيفة مزّقتها أسئلة ريما ونقاشاتها "الهلاميّة" مع كريم، حول انتمائه الفعليّ لحيفا واتّهامها له بأنّه ليس ابن المكان الماديّ. هذه الأسئلة حول ارتباط البطل ابن الجيل الفلسطينيّ الثالث، المهجّر عن مكانه الأوّل، اللاجئ في حيّزه الثاني، والمقيم أبدًا داخل منفاه الثالث، بحقيقة المكان، فيعترف:

لستُ ابن حيفا لأنّ ريما ابنة حيفا، ببساطة، لأنّها هي التي من هناك ولست أنا. أكثر ما يمكن أن أكونه هو حفيدٌ لابن حيفا، حفيدٌ لرجل هُجّر من المدينة ولم يعد يعرفها من حينها، وما ورثتُه عنه هي المدينة التي عرفها، المدينة التي عاشها، هي المدينة التي توقّفت صورتُها ذلك العام، ولم تعد موجودة (166).

ومن هنا، يتعمّق الاعتراف بأثر المكان، بغيابه، ويتفوّق على حضور المكان واكتماله ماديًا. ومن هنا أيضًا، تتأكّد لنا ازدواجية الهوية عند البطل، أو انشطاريّتها والتي تمنحه فرصة التواجد في "حيّز بينيّ" أو وسطيّ يواجه عبره مآزق سؤال الهويّة. وقد أبدع سليم في وصفه لمفهوم الهويّة المفخّخة والمتراكمة بفعل النكبات المتواصلة المتولّدة من رحم النكبة الأولى:

حيفا المخيّم هي نقصان حيفا المدينة، حيفا المخيّم هي نيغاتيف حيفا المدينة، هي أصلها، هي الحيفا التي عرفها أهلنا حتى عام النكبة، هي التي لم يُدخِل الاحتلال عليها تعديلاته، تشويهاته، المدينيّة الأوروبية. هي المدينة العربية المشرقية الفلسطينية، هي أخت حمص وحلب والشام، وصيدا وطرابلس وبيروت. النقصان في حيفا هناك هو حيفا هنا، في مخيّم حمص الصّغير (163)

في هذه الرواية، ثمّة حشدٌ من التصوّرات والرّؤى المتعلّقة بمفهوم الهويّة، ويلعب الجسد الأنثويّ دورًا بارزًا في تأطير صراعات البطل الداخليّة وتفجير القشرة التي حالَت دون تشريح هذه الهويّة والوقوف عند معضلاتها في البداية. حضر الجسد العاري والمشتهى والمثقّف والمهمّش بشكل موظّف مكّن من الكشف عن أكثر الأسئلة جوهريّة في الرواية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إنهم ينهشون أنقاض اليرموك

هاني عباس.. هل صعد اللاجئون سفينةَ نوح؟