سيمور هيرش وفضيحة التفوق الأخلاقي للسياسة الأميركية
13 يناير 2026
من مذبحة "ماي لاي" في فيتنام، إلى "ووترغيت"، إلى سجن أبو غريب، وغاز السارين في سوريا، وصولًا إلى غزة. يبدأ سيمور هيرش الحكاية كما يلي: "علّمتني الكتب كيف أفكّر". هي جملة مفتاحية لقراءة شخصية الصحفي الاستقصائي الشهير، الذي نشأ وهو يقرأ في كل شيء: الشخصيات، والمعلومات، والحدث السياسي. يلضم خطوط الأحداث، ويحوّلها إلى عبرة، ويلقيها في وجه الطغيان، مدركًا أن للحقائق ديناميكية آخاذة لا نزوع لها سوى كشفها، بحيث مهما جرى "التستّر على الفضيحة"، فإن المتورطين أنفسهم، ومن ثقل الخزي، سيجدون دربًا مخلّصًا وحيدًا، وهو قول الحقيقة، أو فتح باب موارب لتظهر.
في وثائقي من ساعتين، لا اسم له سوى "التستّر على الفضيحة" (Cover Up)، يلخّص سيمور هيرش أهم محطات حياته، التي لا يظهر فيها ما هو شخصي، سوى تلك الهشاشة، والسمو، والنبل في روح صحفي يجد في داخله دموعًا جاهزة للانهمار كلما ذكر أطفال فيتنام الرضّع الذين قتلهم الأميركيون، لا لسبب إلا لإرضاء المسؤولين هناك في البيت الأم، البيت الأميركي الأبيض.
أميركا ودوار عاصف من الفضائح
ليس هناك ما هو محموم في الوثائقي "التستر على الفضيحة"، فالمادة المعروضة تكفي لأن ترميك في دوّار من الخزي والعنف الممنهج لدولة مهيمنة مثل أميركا، التي لم تفعل شيئًا في تاريخها أكثر من ادعاء التفوق الأخلاقي على خصومها. تفوّقٌ مزعوم لم يمنعها من أن تتجسس على مواطنيها وطلابها وسياسييها ورؤسائها أنفسهم.
في الفيلم، تقول المادة المصوّرة: "هذه أميركا كبيان إدانة جاهز، وكحقيقة عارية تُعرض بلا أن تُزيَّن، بلا موسيقى تصويرية حساسة عالية الفنية تدفعك للانفعال والتماهي العاطفي البكّاء. لكنك، ومن أول اللقطات، تُترك وحدك أمام الوقائع التي تُعرض بلا رتوش، بحيث حين تُقدَّم الحقيقة/الفضيحة، لا كفضيحة بل كمنهج مدروس، مختار ومجرَّب لدولة تعرف ما تفعل".
حين وصل هيرش إلى لحظته الكبرى عام 1969، كان قد نشر تحقيقاته التي كشفت مذبحة "ماي لاي" في فيتنام. ولم تكن المذبحة، برأيه، سوى جنونٍ صافٍ لرجال لا يعلمون ماذا يفعلون سوى القتل، ينشرون موتًا قهريًا بلا سببٍ ملائم
سيمور هيرش ابن مهاجر لم يتقن الانكليزية
وُلد سيمور مايرون هيرش يوم 8 نيسان/أبريل 1937، في بيت يهوديّ من عائلات المهاجرين؛ فوالده مهاجر من ليتوانيا، ووالدته من بولندا. نشأ في جنوب المدينة، يساعد عائلته في محلّ لتنظيف الثياب. درس في جامعة شيكاغو وتخرّج عام 1958، هناك، في مدينة لا حياد فيها، منقسمة بين أشرار وأشرار أكثر؛ مدينة تتناوب فيها العصابات وجهاز الشرطة الفاسد على التهامها.
هذا ما سيعيه هيرش باكرًا في بداياته، حين لمس الحقيقة الأولى للطغيان القادر على أن يرتدي زيّ "السلطة"، بالقدر الكافي من التستّر على الحقيقة.
فيتنام عار أميركي لا يمكن محوه
حين وصل هيرش إلى لحظته الكبرى عام 1969، كان قد نشر تحقيقاته التي كشفت مذبحة "ماي لاي" في فيتنام. ولم تكن المذبحة، برأيه، سوى جنونٍ صافٍ لرجال لا يعلمون ماذا يفعلون سوى القتل، ينشرون موتًا قهريًا بلا سببٍ ملائم. جيشٌ يقطع مئات الكيلومترات ليقتل المدنيين، لأن لا عسكريين أمامه. وحين كُشفت الفضيحة، جرى تحميل الجريمة لأفراد لا لمنظومة.
وصلت المعلومات إلى هيرش من أفرادٍ أتوا ليعترفوا له، ربما بالمعنى التطهيري الإغريقي. ضحايا "ربما" لم يعودوا يحتملون ثقل ما رأوا وفعلوا.
ثم تأتي "ووترغيت"، لكن الفيلم لا يجعل هيرش بطلًا لـ"ووترغيت"، ولا بطلًا لفيتنام، بل يرفع سقف بطولته إلى كشف الخراب الأميركي الداخلي. ما فعله هيرش في 22 كانون الأول/ديسمبر 1974، بكشفه عن برنامج التجسس الداخلي لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) المعروف باسم (Operation CHAOS)، جعله يتحول إلى أكثر من صحفي؛ إذ صار شخصية يشتمها الرؤساء، ومرآتهم القاسية التي كلما نظروا فيها رأوا شيئًا لا يريدون الاعتراف به.
وعندما جاءت فضيحة أبو غريب عام 2004، جاءت معها لحظة التحول الحاسمة التي جعلت هيرش، في نظر كثيرين، الصحفي الأكثر قسوة على الضمير الأميركي، كونه أعاد تعريف سؤال الأخلاق في أميركا؛ سؤالٌ هزّ صورة التفوق الأخلاقي المزعوم.
هيرش الذي يخطئ ويعترف
قابلتُ الأسد أربع مرات، ولم أره قادرًا على فعل ما اتُّهم به. بعد هجوم الغوطة الكيميائي في 21 آب/أغسطس 2013، نشر هيرش مقالًا في " لندن ريفيو أوف بوكس" (London Review of Books) بعنوان " Whose Sarin?"، شكّك فيه بالرواية التي اتهمت النظام السوري بالمسؤولية. فتحولت خصومة هيرش مع أوباما من موقف سياسي إلى رؤية رآها تحريفًا للواقع.
لكن ما يميّز هيرش أنه حين يخطئ يعترف؛ نزقًا وعنيفًا، حزينًا ونادمًا، سيعترف. إن غلبته الوثيقة سيخضع. ولهذا، أمام غزة، يعود الرجل إلى ميدان تفكيك الرواية المهيمنة.
عندما جاءت فضيحة أبو غريب عام 2004، جاءت معها لحظة التحول الحاسمة التي جعلت هيرش، في نظر كثيرين، الصحفي الأكثر قسوة على الضمير الأميركي، كونه أعاد تعريف سؤال الأخلاق في أميركا؛ سؤالٌ هزّ صورة التفوق الأخلاقي المزعوم
في كتاباته الأخيرة، يلاحق هيرش تناقض الرواية الإسرائيلية، حين يصبح الدفاع عن النفس لغةً لشرعنة الإبادة. دون تلكؤ، وبسبب المعارف المتراكمة، يعود هيرش ليضع إصبعه في عين العالم، وكأن غزة، بكل فداحتها، أعادت للرجل وظيفة لم يفقدها يومًا، لكنها غامت مع تقدّمه في العمر.
لم يُنجز الفيلم سابقًا لأن سيمور هيرش وعد القائمين عليه بأنه سيتكلم حين يصبح جاهزًا لذلك. وعندما صار كذلك، أتت لورا بويتراس (Laura Poitras) ومارك أوبنهاوس (Mark Obenhaus)، إلى جانب يوني غوليغوف (Yoni Golijov) وأوليفيا سترايساند (Olivia Streisand)، وأنتجوا الفيلم، وأخرجه بويتراس وأوبنهاوس معًا.
وصية الرجل الكبير
يقول هيرش، كجملة ختامية وبنفيٍ مضاعف: "لا يمكن، لا يمكننا أن نعيش في بلد يحصل فيه كل هذا". في نهاية الفيلم، يصبح سيمور هيرش أشبه بناسك؛ لا يستطيع الإفصاح عن مصادره، ولا يمكنه خيانة تضحياتهم. يقلقه في الفيلم أنه حكى كثيرًا عن نفسه، وقد يرتاع من كونه محور العمل، لكن حتى وهو يواجه كارهيه، تظهر رقّته. يقول مدافعًا عن نفسه: أنا أب، ولديّ زوجة وأطفال يحبونني، لكن عليّ أن أكون صادقًا.
يعي هيرش أن الصحافة قد لا تنقذ العالم، لكنها تمنعه من أن يمارس فضائحه براحة، ودون حياء. يعي أنه لا يملك جيشًا ولا دولة، لكنه يملك قدرة استثنائية على جعل الدولة تخجل، ولو للحظة؛ لأن الخزي، عندما يكون علنيًا، يصبح التستّر عبئًا حتى على الذين اعتادوه.