سيكولوجية مراقبة الخطاب

سيكولوجية مراقبة الخطاب

حدث تحول نوعي عند السلطة من فرض سلطتها جسديًا إلى فرضها نفسيًا (The Daily Beast)

نلاحظ عادةً أنّهُ من الممكن نقد أي فكرة أو شخص أو مؤسّسة، في مكان بعيد عن مفعول النّقد، أي في مكان/سياق خارج، غير مرتبط بفعالية النّقد، ما يعني تَشكُّل المقولة النقديّة خارج سياقها أو بيئتها الملائمة.

 من الممكن نقد أي فكرة أو شخص أو مؤسسة في سياق غير مرتبط بفاعلية النقد، ما يفقد المقولة النقدية أهميتها وقوتها

يجعل ذلك المقولة النقدية، بطبيعة الحال، تفقد أهميّتها وقوّتها، بسبب استجابة القائل والمقولة لقواعد ما يسمّيه المفكّر الفرنسي ميشيل فوكو: "شرطة فكريّة" تُراقب كلّ منطوق ومكتوب. وقد يتّسع المجال لجملة عاديّة جدًّا ضمن هذا السّياق، وهي أنّ الاتّصال هُنا غير عفويّ بين مبدأ مراقبة إنتاج الخطاب بشكل عام لدى السّلطة، أي سلطة، مُستلهم، من حيث المبدأ، من الشُّرَطية.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| فيصل دراج: المثقف قائم في النقد 

إذًا، وبهذا الرّبط المؤسّساتيّ الوظائفيّ، بين الشّرطة الفكريّة والشّرطة، يُمكن قراءة سير المؤسّسة الرّسميّة في تتبّعها للخطاب النّقدي، وتعاملها مع نتاجهِ.

لقد بات واضحًا لقارئ فوكو هذا الرّبط القائم على تفكيك العلائقيّة بين مختلف المؤسّسات الفاعلة في الدّولة، وبين سلطة الدّولة ذاتها، وإعادة صياغة هذه العلاقة من منظور سلطة أفقيّة دائريّة.

بل باتت هذه القراءة العرضيّة للمشهد النّقدي توضّح عدم اتّصال السّلطة فكريًّا مع المنتوج الفكري النقدي، ما يجعله ببساطة، يُشكّل قلقًا لها على الدّوام، الأمر الذي يجعل عمليّة مراقبة هذا الخطاب عمليّة عشوائيّة، دافعًا إيّاها للتورّط بردع هذا الخطاب النّقدي بطريقةٍ تعكس سذاجة غير مسبوقة في أفعالها الشُّرطيّة على المقولة النّقدية المُتشكّلة ضدّها، أو ليسَ بالضّرورة ضدّها.

إنّ ما يحدث عمليًّا مع سلطة قامعة، لأي خطاب نقدي، هي بوضوح عمليّة عدم اتّصال مع الواقع. لا تستطيع السّلطة تذويب الدلالات في الخطاب النّقدي، وليست بطبيعة الحال، قادرة على خلق خطاب عقلاني يردّ على النّقد بمنهجيّة. 

لذا، يبقى لدى السّلطة مجموعة من الحلول، ضمنها مثلًا، وهو الأسهل: سدّ الطّريق على هذا النّقد بشيء يشبه مسير الأنظمة الديكتاتوريّة الّتي تستوجب من أي نتاج أنْ يكون صديقًا للأنظمة.

وهُنا تحديدًا كان موضع نقد إدوارد سعيد لصادق جلال العظم، وسيرهِ الطّويل تحت ظلّ النّظام السّوريّ، وأنّ أي نتاج نقدي عليه أنْ يكون حُرًّا. و"حرًّا" هذه لا تتوافق وظلّ الأنظمة.

وضمنها كذلك: إنتاج خطاب رسمي مضادّ، وهو في أغلب أو كلّ النّماذج لم يكن سوى من مثقفي البلاط، والذّين غير قادرين على إنتاج سوى بضع كلاشيهات للتقرّب أكثر، أو للتعمّق أكثر في مسيرتهم ضمن السّلطة، وهي ليس سوى إشارة سقوط مشاريعهم الثّقافيّة.

من الجليّ أنّ أي سلطة لا تتقبّل النّقد، هي بالضّرورة سلطة غير قابلة لتطوير ذاتها، بل العكس تمامًا تكون مُستمرّة في محاولات حفظ قوقعة فسادها أو فشل مشروعها السّياسيّ، وأُحاديّة النّظرة.

يُذكّر هذا بشكلٍ مباشر بحدث منع كتب المُفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد عن اتفاقية أوسلو، حيث قامت وزارة الثّقافة والإعلام، في حينهِ، بمنع وجود كتبهِ في الضفّة الغربيّة وغزّة. وهذا إنّما يُحيل بالأساس إلى مدلولات تقول الكثير عن مستقبل هذا المسير ضمن هذه السّلطة.

وبالرّجوع إلى فوكو، الّذي يحيل هذه المدلولات الّتي سأقوم بذكرها للتّاريخ التّقليديّ للأفكار، هذا التّاريخ الّذي تمّ الاتّفاق فيهِ ضمنيًّا على نقطة الإبداع؛ ما يعني بشكلٍ واضحٍ، أنّ السّلطة، وفقط السّلطة، من ستحدد الإبداع وما المسموح منهُ وما الّذي يدخل منه في منطقة الحرام.

أربعة مدلولات إذًا، بحسب فوكو، هي الّتي يُمكن استخدامها كمبدأ منهجي للتّحليل ضمن منهج مراقبة الخطاب لدى السّلطة، وهي:

  1. مدلول هذا الحدث. 
  2. إمكان هذا الحدث. 
  3. سلسلته هذا الحدث. 
  4. انتظام هذا الحدث. 

إنّ هذه المدلولات المُتحقّقة، للأسف، غير دالّة على وعي وبناء على هذا الوعي، حيث من هُنا تمّ اقصاء الشّرط الأساس لإنتاجٍ حُرّ، وبالتّالي الحريّة. وهل نجد نقدًا لكلّ هذا؟ لعلّ النّقطة الأساسيّة، والواجب الوقوف عندها هُنا، هي عدم السّماح للسّلطة، بمنهجها الاستبداديّ، بتحديد مفاهيم واضحة؛ أُطر واضحة يُمكن العمل ضمنها، وأمّا خارج هذه المفاهيم/ الأُطر فهي منطقة ألغام، إنّ دخلتها تُعرّض نفسك للخطر.

كان لدى الدّولة الحديثة عند انتشارها تحدٍّ متمثل في كيفيّة السّيطرة على المواطنين. ويجادل ميشيل فوكو كثيرًا ضمن هذا الإطار، بتحوّل نوعيّ عند السّلطة من فرض سلطتها جسديًّا إلى فرضها نفسيًّا، وتلازم هذه الفكرة مع اختراع الشّرطة والسّجن، حيث بات يكفي وضع برج مراقبة أو كاميرا في السّجن، أو في منطقة معيّنة، حتّى لو كان البرج فارغًا من مُراقبين، أو لو كانت الكاميرا لا تعمل من الأساس، حتّى يفترض النّاس أنّهم مُراقبون ويتصرّفون وفقًا لهذا. 

وهذا النّوع من مراقبة الذّات هو جوهر سلطة الدول الحديثة. إنّ ما تُراهن عليهِ السّلطة في كافّة مناحي الحياة. وبهذا، سينتهي الأمر بسلوكٍ موحّد لدى النّاس يمحو صفة الفرديّة، أي يُشكّل هذا الأثر تحويل النّاس إلى نسخٍ متشابهة في الوظيفة، خوفًا من العقاب.

كان لدى الدولة الحديثة تحد متمثل في كيفية السيطرة على المواطنين، بتحول من فرض السلطة جسديًا إلى فرضها نفسيًا

وذهابًا لنتائج مبسّطة ناتجة عن هذه المراقبة، نجدّ أنّها وضمن تحويلها النّاس جميعًا إلى نسخة، تقضي على الإرادة الحُرّة، والتفكير الخّلاق والمُختلف؛ بكلمات أُخرى، يتمّ تحويل المُجتمع إلى مجموعة من الآليين، غير القادرين على تطوير أفكارهم إنْ سمحت لهم، السّلطة، بالتّفكير من الأساس.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الخطاب السياسي بين الفكر والبلاغة

ميشيل فوكو.. المنظور الفلسفي للسلطة