سيكولوجية المصارف في لبنان

سيكولوجية المصارف في لبنان

رفعت الانتفاضة اللبنانية شعار "يسقط حكم المصرف" (MEO)

بعد الأزمات المالية، كيف يمكن للمصارف أن تستعيد ثقة عملائها وإعادة بناء علاقة مع زبائنها من أجل تأمين ضخ السيولة من العملاء إلى حساباتها، لضمان استمراريتها؟ فالمصارف تستمر في العمل بفعل الودائع التي تخول المصرف الاستثمار بها وتحقيق أرباح من هذه الاستثمارات.

بعد الانتفاضة اللبنانية انهارت الشعارت التي كانت البنوك ترفعها فلم تعد راحة بال المواطن مع مصرفه ولم يعد البنك شريكًا بل عدوًا

في حالات الاستقرار في البلدان، تحقق المصارف أرباح هائلة، لكن في أوقات الأزمات حين ينتشر الخوف والهلع بين الناس، يجد المصرف نفسه أمام أزمة، إما أن يتخطاها وإما أن ينهار، في حين أن الزبائن يطالبون بودائعهم دفعة واحدة، وهذا أمر يستحيل على المصرف تأمينه، إذ إن أساس فكرة المصرف قائمة على الاستثمار في أموال المودعين، ما يجعله عرضه للانهيار.

اقرأ/ي أيضًا: أموال اللبنانيين.. في ذمة المصارف والسياسيين

نشأة المصرف

تاريخيًا، تعتبر المعابد أقدم أشكال البنوك، حيث احتلها الكهنة وأصبحت ملاذًا للأثرياء. وأول البنوك النموذجية كان أصحابها عبارة عن تجار كبار قدموا قروضًا لشراء الحبوب وأدوات الفلاحة للمزارعين. بدأ هذا حوالي عام 2000 قبل الميلاد في مدن آشور وبابل، ومن ثم في اليونان القديمة، وأثناء الإمبراطورية الرومانية، حيث قام المقرضون المقيمون في المعابد بتقديم قروض، بينما كانوا يقبلون الودائع التي توضع في أقبية المعابد.

كانت الخدمات المصرفية موجودة منذ أن سُكّت العملات الأولى. وكان لا بد من الاحتفاظ بها في مكان آمن. لم يكن لدى المنازل القديمة خزنة صلبة، وبالتالي فإن معظم الأثرياء كانت لديهم حسابات في معابدهم، للشعور بالأمن والأمان على أموالهم.

ونمت العملات المعدنية نتيجة لرواج مفهوم الضرائب في الممالك، حيث كانت الضرائب تدفع من خلال البضاعة كالحبوب أو المواشي، لكن مع توسع الإمبراطوريات، أصبح دفع بقرة كضريبة أمرًا صعبًا. وعندما كانت الإمبراطوريات بحاجة إلى وسيلة لدفع ثمن السلع والخدمات الأجنبية عبر عملات معدنية بأحجام مختلفة ومعادن، تقدم في مكان الأوراق الورقية الهشة وغير الدائمة.

وتطور النظام المصرفي في العصور الوسطى ومن ثم في عصر النهضة في إيطاليا، وخاصة في المدن الغنية كفلورنسا والبندقية وجنوة. وكان البنك الإيطالي الأكثر شهرة هو "بنك ميديسي"، الذي أنشأه جيوفاني ميديسي عام 1397 ميلادية. ومع نمو الاقتصاديات، وإنشاء المصارف، وازدياد الطلب على الاستهلاك، قامت البنوك بتوفير القروض لعامة الناس، لإجراء عمليات شراء أكبر.

أما الممارسات التجارية الأساسية للمصرف فلم تتغير، حيث يقوم المصرف بإصدار قروض للأشخاص الذين يحتاجون إليها، مقابل فائدة علاوة على سداد القرض. فالغرض الأساسي لوجود المصرف هو تقديم القروض وحماية أموال المودعين، فيما يستثمر هذه الأموال ويتاجر بها. فالمصرف مخصص كي يأخذ الأموال ويقوم باستثمارها مقابل تقديم خدمات للمودعين، لذا لا يمكن للمصرف إعادة دفع كل أموال المودعين دفعة واحدة، كونه من المفترض أنه يستثمر جزء منها.

سيكولوجية المصارف

يعمل المصرف وفق قواعد تشكل النظام الذي يستند إليه في تعاملاته مع الزبائن ومع محيطه الاجتماعي وفي تحديد أدواره ووظائفه. وهذه المبادئ والقواعد مقصود تطبيقها في جميع أنواع العلاقات بين المصارف فيما بينهم، وبين المصارف والعملاء والمساهمين والموظفين، ومع الدولة والمنظمات الأخرى، من أجل تعزيز سمعة المصرف ومصداقيته والاستقرار والثقة في القطاع المصرفي بشكل عام، إضافة إلى تحقيق المنفعة الاجتماعية.

ومن الصفات التي تتباهى بها المصارف في شعاراتها دومًا: النزاهة والحياد الإيجابي وعدم التمييز بين موظفيها وعملائها بناءً على أي أساس متعلق بالدين أو العرق أو اللون أو الجنس، والالتزام بالقواعد الإنسانية، وعدم الانحياز في تقديم الخدمات، واعتماد الموثوقية في توفير معلومات واضحة ومفهومة ودقيقة للعملاء في إطار الثقة المتبادلة في جميع الخدمات والعمليات التي يطلبها الزبون وفق معايير محددة من الجودة، والحق في الوصول إلى المعلومات كافة، إضافة إلى الشفافية عبر إبقاء عملائها بشكل واضح ومفهوم وصريح، على اطلاع بحقوقهم، والإلتزامات والمزايا والمخاطر المتعلقة بالمنتجات والخدمات المقدمة لهم قبل إعطاء أي منتج أو خدمة أو نصيحة.

إذًا، يتعامل المصرف مع عملائه وفق شعارات تفيد بأنه لا يستهدف فقط الربح، وإنما أيضًا تقديم الدعم ورعاية الفعاليات، في ضوء الرؤية الشاملة للمصرف، وتحقيق السرية للعملاء ومنع استغلال أي من المعلومات الخاصة بالعملاء، ومكافحة غسيل الأموال والجريمة المالية والإرهاب المالي والفساد واحترام وتطبيق القوانين.

يعمل رجل المصرف على إقناع العميل من خلال رفع شعارات طنانة رنانة، كما هي الحال مع المصارف في لبنان. فالمصرفي يحاول إقناع الزبون بأن الرمل سيتحول إلى ذهب على المدى البعيد، ويعمل على استثارة حاجاته ورغباته وطموحاته وأحلامه وتخيلاته، وصياغة مستقبل واعد مليء بالنجاحات للعملاء. إنه يشيد لزبائنه قصورًا من الرمال على الرمال.

ومن ملاحظة بعض نماذج الشعارت التي ترفعها مجموعة من المصارف في لبنان، على سبيل المثال لا الحصر، تصف الأساس الذي يبني عليه المصرف سياسته المتعلقة بعلاقته بزبائنه وكيفية تسويق صورته:

  • جمال ترست بنك: "منحكي لغتك".
  • بنك بيبلوس: "مصرفك مدى الحياة".
  • بنك لبنان والمهجر: "راحة البال" و"بلش عمول لبكرا حساب".
  • البنك اللبناني الفرنسي: "مساهم في طموحاتك".
  • بنك الاعتماد اللبناني: "دايمًا بقربك".
  • فرنسبنك: "الغد يبدأ الأن".
  • فينيسيا بنك: "معكم أينما كنتم" و"علاقة عمر" و"الوقت أهم شي بالحياة" و"نحنا منستثمر وقتنا معكم".
  • بنك سوسيته جنرال لبنان: "نحن هنا لأجلكم. نقف إلى جانبكم".
  • بنك بيروت: "رح نبقى معك لأبعد الحدود". وقام المصرف بتأليف أغنية وإنتاج فيديو كليب عن العاصمة بيروت وعن أهمية تحقيق الأحلام.

أما بعد انتفاضة "17 تشرين" فقد انهارت هذه الشعارت بعد أن تبين أن عكسها هو الصحيح، فلم تعد راحة البال للمواطن مع مصرفه، ولم يعد البنك شريكًا بل خصمًا وعدوًا. وتبين أن المصرف موجود لأرباحه ولا يعنيه مصلحة المودع، والغد تشاؤمي بالنسبة للمواطن بعكس ما كان يُطرح بأن "معك عالحلوة والمُرة"، وشعر المواطن اللبناني أن المصرف بعيد كل البعد عن همومه ومساهم في تدهور أوضاعه وأحواله. فهل يمكن ردم هذه الهوة وهذا الشرخ بالسهل؟ أم أن المصارف ستدخل في أزمة بعيدة المدى.

الثقة والخوف

يتأرجح سلوك المودعين بين الثقة والخوف، ومهمة المصرفي أن يكسب ثقة المودعين، إذ يؤدي الخوف إلى خسارة المودعين. ووفق هاتين الحالتين تتحدد مهارة المصرف وموظفيه في طمأنة المودعين وإعطائهم الثقة.

لكن، بعد الانتفاضة اللبنانية، انهارت هذه الثقة، وقامت المصارف بحجز أموال المودعين وتقييد سحوباتهم على أموالهم الخاصة، ما أدى إلى وجود شرخ كبير بين المصارف والمودعين، وفُقدت الثقة تمامًا. وتفيد المعلومات أن تكديس الأموال في المنازل بلغ حوالي خمس مليارات دولار أمريكي، فضلًا عن تهريب 10 مليارات دولار إلى الخارج.

لا يبدو من عمق الأزمة أن هناك إمكانية لإعادة بناء الثقة بين المصارف والمودعين، خاصة وأن هناك عوامل عديدة دخلت على خط العلاقة مع المصارف، ومنها محلات الصرافة التي تقدم للمواطن أسعارًا مرتفعة لشراء الدولار الأميركي، في ظل عدم قدرة الدولة على ضبط أو منع أو تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار. هكذا، بات الزبون يفضل محلات الصرافة على المصرف من أجل استبدال أمواله من الدولار إلى الليرة.

نقطة أخرى مهمة تتمثل في تقييد الودائع، حيث كل مصرف يضع سقف للسحوبات أسبوعيًا ويتراوح ما بين 100 دولار إلى 500 دولار أميركي. هذا التقييد جعل المودعين يشعرون أن هناك نوع من المصادرة تمارسه هذه المصارف بحق أموالهم، وبأن هذا التصرف غير قانوني وظالم.

ويرى البعض أن وضع الشرطة أمام كل فروع المصارف في لبنان بمثابة استخدام للقوة والعنف وفرض أمر واقع على المودعين، وهو أمر يمكن وصفه بالسلب والسرقة العلنية.

وما يمنع بناء الثقة في القريب العاجل بين المصارف والعملاء، خروج تحليلات وأحاديث تفيد بتواطؤ بين المصارف ومحلات الصرافة، حيث يقوم المصرف بإمداد محلات الصرافة بالعملات، ويتم اقتسام الأرباح فيما بينهم، وهي عمليات غير شرعية وتدخل في إطار غسيل الأموال، والخاسر الوحيد منها هم المودعين. وقالها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة: "هناك مؤامرة على الليرة اللبنانية"!

وفيما يخص الخدمات التي كانت المصارف تعلن أنها تقدمها بجودة عالية، توقفت أثناء الأزمة. وفي مقدمة هذه الخدمات: إيقاف فتح حسابات مصرفية للمواطنين، والتوقف عن صرف الشيكات، والتوقف عن تقديم أي خدمة لمن لا يملكون حسابات مصرفية، واشتراط فتح الحسابات المصرفية مقابل تجميد مبلغ مالي لمدة ست أشهر أو سنة دون إمكانية السحب منه، أي حساب مجمد، وإيقاف تقديم القروض للمودعين للإسكان والتعليم وشراء السيارات، وغيرها من القروض.

يرى البعض أن وضع الشرطة أمام كل فروع المصارف اللبنانية بمثابة فرض أمر واقع على المودعين في ما يمكن وصفه بالسرقة العلنية

يضاف إلى ذلك كله أن العلاقة المباشرة بين المودعين وموظفي البنوك قد اعتراها تشوهات عدة، ففي بعض الأحيان، حدثت أعمال عنف قام بها مدراء المصارف بحق المودعين، وفي بعض المرات مارس المودعون العنف اتجاه الموظفين من الغضب، وهكذا فقدت العلاقة الاحترام المتبادل وصارت الثقة شبه معدومة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المصارف اللبنانية: إذلال الناس أو الإضراب

تهرب ضريبي بـ5 مليار دولار سنويًا.. ماذا تعرف عن ثقافة "أبو شنطة" في لبنان؟