سيكولوجية اللاجئ المتشظية

سيكولوجية اللاجئ المتشظية

لاجئون سوريون أثناء عبورهم حدود سلوفينيا

تشهد معظم الدول الأوروبية منذ زمن حركة هجرة نشطة قادمة إليها من أكثر أقطار الشرق الأوسط، وتحديدًا الاستبدادية منها، وقد ازدادت هذه الحركة في السنوات الخمس الأخيرة أضعافًا مضاعفة مما كانت عليه في السابق، وخصوصًا من سوريا التي هرب منها الملايين بسبب الحرب الهمجية التي يشنها النظام السوري على شعبه منذ أكثر من 5 سنوات ونصف.

وقد تجاوز عدد من وصل منهم إلى أوروبا أكثر من مليون شخص، استقبلت غالبيتهم ألمانيا، التي بلغت نسبة المهاجرين السوريين إليها منذ أواخر عام 2011 حتى أوائل العام 2016 حوالي 800 ألف لاجئ، بحسب إحصاءات مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. هذا عدا الطلبات المقدمة بالآلاف وينتظر أصحابها قرارات الإقامات.

يعاني اللاجئون وهم في طريقهم إلى أوروبا من صعوبات جمّة، فهم يتعرضون خلال ذلك لاستغلال المهربين البشع. والبقاء في عرض البحر أيامًا، وليال طوال يصارعون الجوع والعطش والبرد القارس على مراكب مهترئة غير صالحة للسفر، واحتمال غرقها كبير جدًا، وقد تعطل الكثير منها أثناء عبورها إلى ضفة الشمال البارد، ما أدى إلى غرقها وموت من عليها في أحيان كثيرة، الأمر الذي يجعل الواصلين منهم إلى الوقوع في حالة من الرهاب النفسي، الذي يؤدي بدوره إلى نوع من السلوك الشاذ في حياة اللاجئ.

وصل عدد اللاجئين في ألمانيا، بين 2011 و2016، حوالي 800 ألف لاجئ

منذ أن بدأ المشرقي يفكر بالهجرة إلى أوروبا بسبب سوء الأوضاع في بلاده، وهو يحمل في ذهنه أفكارًا غريبة، وأحلامًا وردية عن بلد المهجر، تعود بالأصل إلى ما كان يسمعه من حكايات وردية عن جنة الأرض في تلك البلاد، كالعيش الرغيد والإمكانات الكبيرة التي تمنحها تلك البلاد للاجئ، والتي تجعله يقع فريسة هاجس الحلم الجميل الذي يسكن مخيلته، والذي لا يمكن تحقيقه في بلاده.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم الثمن.. استغلال رخيص للاجئين السوريين في مصر

يفاجأ المرء بعد وصوله إلى بلاد المهجر بأن تلك الصورة المتخيلة لديه عن تلك البلاد ليست إلا مجرد سراب يتبدد أمام الواقع الصادم فيها، الأمر الذي يعرضه للوقوع في مرض "الصدمة النفسية"، وينتابه نوع من الفصام، الذي يحدث في داخله انشطارًا ذاتويًا ذا نتائج خطيرة عليه وعلى من حوله، فيشكل خطرًا على محيطه الاجتماعي.

يخضع اللاجئ عادةً في بلد اللجوء الأوروبي الذي يصل إليه إلى قانون اللجوء الذي تنص عليه دساتير تلك الدولة، ويتضمن عدة مراحل تسعى لتأهيل اللاجئ للاندماج في المجتمع الجديد نفسيًا واجتماعيًا وفكريًا، لكي يكون قادرًا على الانخراط والتكيف فيه.

وبسب الاختلاف الجذري بين ثقافة مجتمعه السابق والحالي، تبدأ عملية التأقلم بتعلم اللغة لكي يستطيع اللاجئ استيعاب الأعراف المغايرة لأعرافه، وتفهم العادات اليومية، وبالتالي تقبلها، حتى يستطيع خلال فترة قصيرة إيجاد عمل يلائم من خلاله قدراته، ما يساعده على تأمين حياة مناسبة وكريمة له.

لكن هذا قد ينطبق على الإنسان السوي، وهو ليس ببالغ الصعوبة كثيرًا عليه، وخصوصًا المتعلم أو الحاصل على شهادات عليا في بلاده الأصلية، ويمكنه التوافق مع ذلك خلال المدة الزمنية القصيرة المقررة له.

أما بالنسبة للاجئ القادم من بلاد تعيش أهوال الحرب المدمرة، وكوارثها المدمرة، كاللاجئين القادمين من سوريا في السنوات الأخيرة. فقد تعرض هؤلاء لما هو أخطر مما نطلق علية "الصدمة النفسية"، بل إلى "الرضّات النفسية" الناتجة عن التعذيب الوحشي الذي يتعرض له المعتقلون في سجون النظام السوري.

يفاجأ المرء بعد وصوله إلى المهجر بأن الصورة المتخيلة لديه عن تلك البلاد ليست إلا سرابًا يتبدد أمام الواقع الصادم فيها

أو بسبب سقوط قذيفة هاون على أحد أقربائه أو أصدقائه أمام عينيه، أو سقوط برميل متفجر أو صاروخ ارتجاجي على البناء الذي يقطن فيه وخروجه حيًا من تحت الأنقاض، ما يؤدي إلى تهشم حياتهم الداخلية، فهم يعانون صعوبات وشقاء اللجوء بشكل مركب بسبب تلك الرضوض النفسية المستفحلة، الأمر الذي يوقعهم في حالات الاضطراب النفسي أثناء عملية الاندماج تلك.

ينتج عن ذلك خلل في سلوكهم اليومي الذي يشظي حياتهم الروحية، ويمزق هوية الانتماء لبلدهم الأصلي عندهم، فيقع اللاجئ منهم فريسة الاغتراب عن الذات، وعن الآخر، وعن مجتمعه السابق والجديد، ما يؤدي إلى استفحال حالة الرضّ النفسي عنده، والذي يتطور إلى الاكتئاب الدائم الذي يتطلب علاجًا معقدًا للشفاء منه.

اقرأ/ي أيضًا: لاجئون على الطريق

وليصبح بنظر الآخرين شخصًا فاشلًا، وخصوصًا حينما يفقد القدرة على التواصل معهم لعدم تمكنه من تعلم لغتهم، التي هي حجر الأساس، لقبوله كمواطن بينهم له حقوق وعليه واجبات، فينعكس ذلك على خلل في سلوكه الذي يتمثل بأشكال عديدة من الأفعال السيكولوجية الشاذة كتعاطي المخدرات والسرقة، التي تدفعه للقيام بأعمال عنفية كارتكاب الجريمة.

تعرض بعض اللاجئين السوريين لـ"رضّات نفسية"، بسبب التعذيب البشع الذي طالهم في سجون النظام

وأخطر تلك الحالات هي الانتحار التي لجأ إليها العديد من اللاجئين السوريين، كان آخرها تلك التي أقدم عليها اللاجئ السوري جابر البكر الذي ألقت السلطات الألمانية القبض عليه مؤخرًا بشبهة التحضير لاعتداء إرهابي على إحدى مطارات برلين، فوجدوه منتحرًا في مستشفى السجن.

وفي حادثة أخرى حصلت قبل عام تقريبًا في مدينة كولن الألمانية، حيث تحرش مجموعة من الشباب السوريين بالنساء أثناء سهرة ليلة رأس السنة، أثارت هذه القضية سخطًا واسعًا في أوساط المجتمع الألماني على اللاجئين.

ما هو جدير ذكره أخيرًا أنه يجب عدم التغاضي عن ذلك واعتباره مسألة عابرة، بل يجب النظر إليه بجدية أكثر، وموضوعية أكبر، ومحاولة التعاطي مع القضايا السيكولوجية للاجئين بتحليل معمق، وإعداد دراسات مستفيضة عنها، لكي لا تستفحل وتصبع مستعصية الحل.

وهذا يتطلب جهدًا أكبر يجب أن توليه الدوائر المختصة بقضايا اللاجئين في أوروبا، وتكثيف الدعم النفسي لهم والعمل الدؤوب على تقديم النصح والإرشاد لهم بكافة وسائل الاتصال المتاحة، وتوسيع المراكز النفسية التخصصية، حتى لا يتحول اللاجئ من إنسان مكلوم إلى حيوان مفترس.

اقرأ/ي أيضًا:

معنى الذلّ

لاجئة سورية سرقت 1000 يورو!