"سيزيف لم تعد على أكتافه الصخرة".. هل وصل مشروع أرتيتا مع أرسنال إلى نهايته؟
27 ابريل 2026
لا جديد تحت الشمس، عاد أرسنال إلى المركز الثاني بعد تصدره جدول ترتيب الدوري لأكثر من 200 يوم، وبدأ مانشستر سيتي في فرد قلوعه على المركز الأول، وعندما يكون السيتي في المقدمة، الكل يقتنع بأن الأمور أصبحت محسومة لصالحه، شيء أشبه بالدرجة المكسورة في المنزل، الكل يراها ويتعامل معها باعتبارها واقعًا يؤخذ على علته، أو باعتباره حقيقة مجردة لا يمكن تفكيكها أو ردها إلى الأصل. صحيحٌ أن آرسنال استعاد المركز الأول بفوزه على نيوكاسل يونايتد، لكن السيتي ما زال يملك مباراة زائدة، والفوز بها بفارق هدف واحد سيعيده للصدارة.
وهنا يجب السؤال: لماذا تتعامل الجماهير مع نادي مانشستر سيتي باعتباره بطل الدوري الإنجليزي إلى أن يثبت العكس؟ ولماذا يرى البعض أن مشروع ميكيل أرتيتا مع أرسنال قد وصل إلى نهايته، وأنه لن يحصل على أي بطولة مهما طال الوقت؟
الدرجة المكسورة
الإجابة الأولى أن الأمر أصبح مكررًا حد الملل، أرسنال يهدر الكثير من النقاط بين شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل، في الوقت نفسه الذي يبدأ فيه مانشستر سيتي سلسلة من الانتصارات الطويلة والمتتالية، تنتهي حتمًا بصعود بيب جوارديولا إلى منصة التتويج في نهاية المطاف، للمفاجأة، أرسنال لايزال متصدرًا جدول الترتيب حتى ساعته وتاريخه، صحيح أنه لعب مباراة أكثر من مانشستر سيتي، وفي حال تساوي عدد المباريات سيكون السيتي هو المتصدر، ولكن من قال إن السيتي سيفوز بكل مبارياته؟
معظم المحللين يتعاملون مع مباريات السيتي القادمة وكأنها تفصيل زائد عن الحاجة، سيفوز بها جميعًا مهما كانت الظروف، ببساطة لأنه فعلها من قبل كثيرًا، ولا مانع لديه من فعلها مجددًا
ذلك هو مربط الفرس، أن الجماهير ومعظم المحللين يتعاملون مع مباريات السيتي القادمة وكأنها تفصيل زائد عن الحاجة، سيفوز بها جميعًا مهما كانت الظروف، ببساطة لأنه فعلها من قبل كثيرًا، ولا مانع لديه من فعلها مجددًا، وصحيح أن بيب جوارديولا نفسه قد وضح مسبقًا أن مجرد حدوث شيء ما في الماضي، لا يعني أنه سيحدث مرة أخرى في المستقبل، ولكن إن رُبطت تلك الحالة بفكرة أن الجمهور لا يثق في استمرارية أرسنال ولا في أرتيتا، فقد يكون السؤال الصحيح هو: لماذا يهدر أرسنال النقاط في نهاية كل دوري بصورة غريبة؟
بحسب ما ذكرته إيمي لورانس، الكاتبة بموقع "ذي أثليتيك"، فالسر يكمن في الذاكرة العضلية لدى لاعبي أرسنال، الذاكرة العضلية تعني أداء الحركات المعقدة بتلقائية وإتقان دون تفكير أو وعي، فعندما تجلس أمام عجلة القيادة في السيارة لا تفكر فيما يجب عليك فعله، مجرد جلوسك يعني أن عضلاتك ستتحرك تلقائيًا تجاه المفتاح والدبرياج دون تفكير، وهذا يتطلب الكثير من التدريب، ولكن ماذا لو كان هذا الكرسي مرتبطًا لديك بذكرى سيئة، أو تروما تجاه حادث سير؟ الأمر بسيط، لن تستطيع القيادة بسلاسة، وفي أوقات الذروة أو الزحام، ستزيد احتمالية ارتكاب الأخطاء، وخطأ واحد قد يعني النهاية.
هذا هو ما يحدث بالضبط مع لاعبي أرسنال، فذكريات لاعبي أرسنال وذاكرتهم العضلية تطورت واكتسبت خبراتها مع شعور دائم بأن هناك آلة وحشية لا ترحم، ممثلة في مانشستر سيتي، تركض خلفهم وتضيق عليهم الخناق كل أسبوع، والمنظومة بأكملها تسير بسرعة جنونية وغير منتظمة لأنها تدرك أن خطًأ واحدًا قد يعني النهاية، تلك الذاكرة التراكمية تجبر اللاعبين على التوقف عن اللعب بعفوية واستمتاع، يلعبون بقلق وخوف، والخوف هو المحفز الأول لارتكاب الأخطاء والخطايا، ولكن هذا ليس إلا جزءًا بسيطًا من الصورة.
الجزء الثاني يكمن في ميكيل أرتيتا نفسه، أو بمعنى أصح، وضعية ميكيل أرتيتا في مواجهة بيب جوارديولا، حيث يصف بارني روناي، الكاتب بصحيفة جارديان، الصراع بينهما على أنه صراع بين رجل آلي وبين إنسان رقيق المشاعر، حيث يظهر جوارديولا، رغم كونه عراب كرة القدم الحديثة، كشخصية قادرة على التواصل مع لاعبيه، بل ودعمهم نفسيًا، وتشجيعهم على الابتكار والمباغتة، بينما يُصور أرتيتا على أنه مجرد روبوت مهووس بالأنظمة الثابتة، ولا يستطيع التعامل مع هامش الخطأ البشري.
وعلى الرغم من أن روناي نفسه قد اعترف بأنه وصف قاس بعض الشيء، بل وغير منصفٍ نظرًا لما حققه أرتيتا من ثورة ثقافية داخل النادي، ولكن لا يمكن تجاهله في الوقت نفسه، باعتباره يعكس انطباعًا عامًا لمحاولات أرتيتا تحفيز لاعبيه وشحنهم عاطفيًا، والتي تبدو مفتعلة بعض الشيء، كإنسان آلي يحاول استيعاب العاطفة البشرية من خلال مشاهدة مقاطع التيك توك المبهرجة والمبهرة على مستوى الصورة، والتي لا تحمل أي معنى حقيقي داخلها، جمل مزركشة وجيدة على مستوى الصياغة، ولكن دون أي تأثير على النفس، ما يولد الكبت، والكبت يجعل الفريق غير قادر على إظهار الشراسة أو ردة الفعل عندما تسوء الأمور.
وما يزيد من فداحة هذا العجز العاطفي، أنه يتزامن مع جمود تكتيكي واضح لدى المدرب نفسه، خاصة في الفترة من الدقيقة 60 إلى الدقيقة 75 تقريبًا، حيث يوضح جيمس مكنكولاس، صحفي ذي أثليتيك المقرب من أرسنال، أن أرتيتا يعاني أيما معاناة في تلك الفترة الحرجة من المباراة تحديدًا، وهو أمر يتكرر في كل مباراة، ولكن لماذا؟
بالنسبة لجيمس، فالإجابة البسيطة والواضحة هي التردد والتأخر المعتاد في إجراء التبديلات، إذ يميل أرتيتا إلى الإبقاء على تشكيلته كما هي لفترات طويلة، مما يخلق استنزافًا بدنيًا حادًا مع مرور الوقت، حيث تظهر الإحصائيات انخفاضا واضحًا في معدل الأهداف المتوقعة مع زيادة واضحة في معدل استقبال الأهداف في تلك الفترة من المباراة.
إجابة منطقية، ولكن بالنظر إلى عدد الاصابات الموجودة داخل النادي، وأهميتها كمًّا وكيفًا، فقد تبدو كسولة نوعًا ما، لأن ما يعقد الموقف أكثر هو انعدام العمق الكافي في التشكيلة، فالمدرب الإسباني يخشى سحب لاعبيه المنهكين خوفًا من هبوط الجودة، والخوف، عدو التفكير المنطقي، ومع أول هدف، يأتي الانهيار الكامل للفريق، ومع كل انهيار يأتي السؤال: هل وصل مشروع أرتيتا مع أرسنال إلى نهايته حقًا؟
صخرة سيزيف
نعم، وبعيدًا عن حسابات الفوز والخسارة، حيث تشير تسريبات جيمس مكنكولاس نفسه، من داخل نادي أرسنال، بأن مشروع أرتيتا يقترب فعلًا من محطته الأخيرة، فالمدرب الذي ينتهي عقده في 2027 أسر للمقربين منه بأنه لا يطمح أن يكون إلى أرسين فينغر جديد، وأن البقاء لعشر سنوات سيناريو غير واقعي بالنسبة له، وهذا يعني أن مرحلة البناء قد اكتملت فعلًا، والنادي يعيش الآن مرحلة حصد النتائج النهائية قبل انتقال الإسباني إلى نادٍ جديد.
خاصة وأن فشل هذه النسخة، الأكثر نضجًا وتكلفة واكتمالًا من أرسنال، في حصد اللقب، سيجعل من الصعب نظريًا على نفس المدرب أن يجد آليات جديدة لتحفيز اللاعبين للقيام بمحاولة أخرى في المستقبل بنفس الزخم الحالي، صحيح أن تخطي الصدمة أمر وارد، وقد شاهدته الجماهير مع ليفربول كلوب، ولكن يظل أمرا صعبا للغاية.
أما في حال حدوث العكس وانتزاع اللقب، فالصورة ستنقلب تمامًا، بل وربما يكون التتويج بمثابة ولادة جديدة لهوية النادي، سينفض أرسنال عن نفسه وصمة الفريق الهش، ويثبت تحوله إلى وحش قادر على لعب أي نوع من المباريات، الفوز سيُشرعن البراجماتية، وساعتها فقط قد يتحرر الفريق من لعنة سيزيف التي تطارده منذ أعوام.
ذلك البطل الإغريقي الذي عوقب بدحرجة صخرة عملاقة إلى قمة جبل، وما إن يقترب من خط النهاية ويلهث لالتقاط أنفاسه، حتى تنفلت الصخرة وتتدحرج إلى القاع مرة أخرى، فيجبر على إعادة الكرة من الصفر كل يوم، وإلى الأبد، ويبدو أن نادي أرسنال قد استعار تلك الأسطورة ليجسدها على أرض الواقع مع نهاية كل موسم، فإما أن يقلب الطاولة ويثبت أقدامه، وإما يثبت أن مشروع ارتيتا وُلد جميلًا، ولكنه بحاجة إلى أن يرى الحياة بعيدًا عن سلطة أرتيتا نفسه.