"سيرك عمّار".. 158 سنة من الإدهاش الجزائري

سيرك عمّار يعود هذه السنة إلى مكان انطلاقته في برج بوعريرج (الترا صوت)

سئل جوزيف باربيرا مبتكر شخصيتي توم وجيري مع شريكه ويليام هانا عام 1937، قبل رحيله عام 2006 في لوس أنجلوس عن تقييمه لمساره في الحياة، فقال: "لا تنسوا أن كلّ هذا النجاح بدأ بفأر". وهذا ما ينطبق تمامًا على شاب جزائري يسمى أحمد بن عمّار القايد، باعث "سيرك عمّار" عام 1860.  

كانت بدايات سيرك عمّار سنة 1860 في بلدة صغيرة جزائرية لكنه توسع تدريجيًا لينتشر صيته في القارة الأوروبية وخارجها ويتحول إلى مشروع محترف واسع الانتشار

ستبدو لنا الخطوة أسطورية حين نعيدها إلى سياقها التّاريخي. إذ لم تكن منطقة مجّانة، 250 كلم إلى الشّرق من الجزائر العاصمة، في هذه السنة سوى تجمّع من القرى الفقيرة التّابعة للسّلطة الفرنسية. وكانت روح المبادرة مقموعة لدى الشاب الجزائري. فهو لا يملك حتى زمام زواجه وسفره، أمّا التّعليم فكان حكرًا على أبناء المستوطنين ونخبة من أبناء العائلات المتعاونة مع الاحتلال.

اقرأ/ي أيضًا: السامر الشعبي في مصر.. حكايات الناس والشوارع

في الأثناء، كان أحمد بن عمار القايد شغوفاً بتجارة الخيول وتربية الحيوانات الأليفة والمتوحشة في الوقت نفسه. إذ كان السّكان يستنكرون عليه أن يدجّن الذئاب والثعالب والأسود التي كان يومها من الممكن أن يصادفها النّاس في الجبال، غير أنه كان يواجههم بعبارة "على بالي واش ندير بيها" أي أنني أعلم ما أفعل بها. ولم يطل الأمر حتى برهن فعلًا أنه لم يكن يعبث أو يمزح أو خاضعًا لمسّ من الجنّ، كما قيل عنه.

لقد نظّم بحيواناته تلك عرضًا صغيرًا في السّوق، راح يكبر من شهر إلى آخر، وينتقل من مدينة إلى أخرى، لافتًا الانتباه إليه حتى دعي للعرض في إنجلترا. هناك التقى فرنسية تسمّى ماري بونفو، فتزوّجها وباتت شريكته في الحلم بالذّهاب بمشروع السيرك إلى ما هو جدير به من الاحتراف والعالمية. وهو ما رآه أحمد بن عمّار بعينيه قبل رحيله عام 1913.

بعد رحيله، اضطلع ولده البكر أحمد بالعلاقات العامّة ووولده مصطفى بالإدارة المالية وولده الأصغر بإدارة العروض في "سيرك عمّار". وقد كان الاحتفال بمئوية السّيرك عام 1960 بالجزائر العاصمة أي سنتين قبل الاستقلال الوطني لافتًا ومدهشًا. إذ شاركت 54 عربة ومئات الفنّانين في تقديم فقراته.

كانت استقالة مصطفى بن عمّار من إدارة السيرك عام 1968 مقدّمة لخروجه من ملكية العائلة الجزائرية وذهابه إلى ملكية السّلسلة العالمية الإيطالية "فلوريليجيو"، التي احترمت ذاكرته وأبقت على تسميته نفسها، بعد أن جعلته واحدًا من أنشط فروعها. وكانت جولته الجزائرية التي بدأها عام 2006 ولا تزال مستمرّة حتّى اليوم أطول جولة قام بها سيرك عمّار منذ تأسيسه قبل 158 عامًا.

اقرأ/ي أيضًا: بيلماون.. "مسخرة شعبية" احتفالًا بعيد الأضحى في المغرب

رغم خروج سيرك عمّار من ملكية العائلة الجزائرية إلى ملكية السلسلة العالمية "فلوريليجيو" إلا أن الأخيرة حافظت على تسميته وخصصت عروضًا مختلفة في الجزائر وفاء لحلم مؤسس السيرك

سيرك عمّار يعود هذه السنة إلى مكان انطلاقته في برج بوعريرج (الترا صوت)

تقول نائبة مدير "سيرك عمّار" إيزابيل جيليي لـ"الترا صوت" إن عودة السّيرك إلى الجزائر كانت تجربة مثيرة، "غير أن العودة الأكثر إثارة هي تلك التي كانت إلى المنطقة التي انطلق منها أوّل مرّة في برج بوعريرج، حين كان حلمًا في رأس الفتى أحمد بن عمّار القايد. صحيح أن "سيرك عمّار" لم يعد ملكًا لعائلته، لكنه استمرار لحلمه ذاك". تضيف: "من مظاهر احترامنا لحلم مؤسّس السّيرك لم نقدم على تغيير أسعار العروض منذ دخلنا الجزائر، رغم أننا اعتمدنا حيوانات جديدة مثل نمر الأشجار والنّمر الأسود والثور الجنوب الأفريقي، إلى جانب الأبطال الخارقين مثل سبايدرمان وباتمان وسوبرمان".

رغم إجازة الشّتاء المدرسية والأسعار المدعّمة بالمقارنة مع الأسعار العالمية، إذ تتراوح بين 9 دولارات و15 دولاراً أمريكيًا، بحسب قرب المقعد المحجوز من حلبة العروض، إلا أنّ الإقبال كان طفيفاً بسبب ارتفاع الأسعار عند البعض. في هذا السياق، يقول الشّاب نجيب، 23 عامًا، إنّه يدرك القيمة الفنية والتّاريخية لسيرك عمّار، "وتصبح هذه القيمة مضاعفة عندي بحكم أنّه انطلق من مسقط رأسي، لذلك لا يهمّني أن أدفع 15 دولاراً من أجل دخوله". ويسأل: "هل يُدرك جميع سكّان المنطقة هذه القيمة؟ إنهم ينفقون أضعاف المبلغ على أمور أخرى، بينما يعتبرون الدّخول إلى سيرك عريق غاليًا".

لاحظنا بعد ساعة من الوقوف عند مدخل "سيرك عمّار" المنصوب عند المدخل الشّرقي لمدينة برج بوعريرج، أنّ العائلات تأتي متحمّسة للدّخول، لكنها ما أن تُواجَه بالأسعار حتى تصاب بالخيبة، خاصّة الأسر كثيرة العدد. يقول المعلّم لونيس بلفاضل إنّه كان يتمنّى أن تبادر المؤسسات الاقتصادية إلى المساهمة في مصاريف السّيرك حتى تكون الأسعار أقل، "كثيرون يريدون الدّخول، لكنّهم في النّهاية يخضعون للوضع الاقتصادي المتقشّف".  

 

اقرأ/ي أيضًا:

أطفال الجزائر يقاومون التقشف بخبز "المطلوع"

التقشف يعيد لقناديل المولد اليدوية ضوءها في الجزائر