عادل عبد الصمد/ الجزائر

هل كان علي أن أنتظر عشرَ سنواتٍ حتى أحرّر نفسي من تعسّفات أبي وأمّي وجدّي وجدّتي وأعمامي وأخوالي وزوجاتهم في حقّ يدي اليسرى؟ إذ كانوا يضربونها كلما امتدّت إلى صحن أو كأس أو قلم، لاعتقادهم بأن الشيطان يشارك من يأكل بيسراه؟ بعضهم كان يضربني بما يحقّق تنبيهي فقط، وبعضهم كان يوجعني فعلًا، ولا تزال ذاكرتي تحتفظ، إلى غاية "اليوم العالمي لمستعملي اليد اليسرى" هذا، بضربة تلقيتها من جدي بملعقة الحديد، أورثتني ندبة لم تختفِ إلا بعد أعوام.

بلغتُ عامي العاشر، فبيّتُ في نفسي قرارًا خطيرًا بالمقاييس كلّها، جلب لي/عليّ ضربًا أوجعَ من السابق، لكنني بقيتُ وفيًّا له فحرّرني إلى الأبد. يكذب عليكم من يقول إن الوفاء لقراراتنا لا يثمر ما نريد: قرّرتُ أن أكشف عورتي أمام كلّ شخصٍ يضربني بسبب استعمال يسراي، بما كان يُفرّق الجمعَ ويُخلّف الارتباكَ. لم أفعلها أكثر من ثلاث مرات، لأن الجميع تواطؤوا -حتى يتجنّبوا الحرج- على السكوت عني. متى يفهم الجزائريون، كبارًا وصغارًا ومدينيين وقرويين وذكورًا وإناثًا ومتعلّمين وأميين وحكّامًا ومحكومين أن الضرب ليس حلًّا؟

التحقت بالنظام الداخلي في مدينة برج بوعريريج عام 1990، ولم أتخلَّ عن يسراي في مطعم الداخلية، فدعاني المراقب العام، وكان من أنصار "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" المهيمنة على الفضاء الجزائري يومها، وقال لي إن موزعي الأكل في المطعم لاحظوا أنك تستعمل يسراك، ويجب أن تعلم أن السنة النبوية طلبت منا الأكل باليمنى، فقلت له: أولى من كلام الرسول الكريم كلام الله القائل: "لا يُكلّف اللهُ نفسًا إلا وسعها"، وأنا لا تسعني يمناي. لم يحتملْ ما أسماها "جرأة على الرسول"، وأطعمني لكماتٍ لا أزال أجد ريحهنّ حتى اليوم.

بعدها بشهور، زار قريتَنا شباب ينتمون إلى "جماعة الدعوة والتبليغ"، وهي جماعة تمارس الدعوة بأسلوب وخطاب شعبيين بسيطين، ولا علاقة لها بالسياسة والسياسيين، فدعوني إلى الأكل معهم في الجامع، وما إن امتدّت يسراي إلى قصعة الكسكسيِّ باللّبن، حتى تداعت عليها أيديهم، بالمناسبة: ما جمع كلمة "يمنى"؟ تمنعها من حمل اللقمة إلى فمي. قال كبيرُهم الذي علّمهم "الدعوة": ما خرجنا إلا لنحارب الشيطان، فكيف تستدعيه ليأكل معنا؟ انسحبتُ من المجلس وتركتهم غارقين في حوقلاتهم، لا حول ولا قوّة إلا بالله، أسفًا على أن الشيطان اللعين حرمهم من أن يكونوا مساهمين في هداية شخص، بما يمنحهم حسناتٍ هي أفضل لهم "ممّا طلعت عليه الشمس"، وفي رواية أخرى هي "خير من حمر النعم".

في السياق ذاته، التحقت بمعهد اللغة العربية وآدابها بجامعة سطيف عام 1996، وكنت مقرّبًا من منظمة طلابية ذات نزعة إخوانية، وحدث أن تشاجرت مع أحدهم، لم يكن منتميًا إلى تلك المنظمة، فقال لبعض أفرادها إنني أستعمل يسراي في الأكل والشرب والكتابة، لا لأنني أعسر، بل لأنني يساري ملحد، وأقسم أنه سمعني أقول ذلك في مجلس خاص.

في غفلةٍ مني، دعاني كبير المنظمة إلى غرفته، ومازحني بأن طلب أن أغمض عيني اليمنى، فلم أستطع ذلك، عكس العين اليسرى، ثم طلب مني أن أقذف شيئًا برجلي اليمنى، فقذفته عفويًا باليسرى، فما كان منه إلا أن اعترف لي بأني كنت في محلّ اختبار، وسرد علي تفاصيل "المؤامرة". قلت له: هل منحتكم الحكومة الاعتماد على أساس أنكم منظمة تعني الطلبة الجزائريين جميعًا، أم الطلبة الإخوانيين فقط؟ ولم أعد إلى مناخاتهم أبدًا.

لا أستطيع أن أحصي عدد المرات التي جلبتْ لي فيها يسراي مشاكلَ في المطاعم الجزائرية، بعضها كان صامتًا ومكتفيًا بنظراتٍ لاهبة، وبعضها تجاوز ذلك إلى كلام كان ينتهي عادةً بعبارة "الله يهديك"، كأنني قتلتُ أو سرقتُ أو صفعتُ بها.

أغرب هذه المرات، أن صاحب مطعمٍ في "باب عزّون" بالجزائر العاصمة، سحب الصحن من بين يدي، بحجة أنه لا يسمح لآكلٍ بيسراه بأن يدنّس مطعمَه، فقلت له: لكنك تسمح بأن تقدّم لنا بطاطا مقلية بزيتٍ معادٍ أربعين مرّة، وخبزًا بائتًا حتى بات يشبه الأحذية المطاطية، وتشغّل شبابًا من غير تأمين، بأجور تشبه الأجور، رغم أنهم يهرولون من الصباح إلى المصباح، وتترك المكيف معطّلًا في عزّ الصيف، فلا يدري زبونك هل يلتقط اللقمة أم يمسح العرق.

الحقَّ.. الحقَّ أقول إنني لم أتمنَّ يومًا لو كنتُ "سويًّا" يستعمل يمناه، فقد أحببت يسراي، بقدر ما جنوا عليها، "وما جنتْ على أحدٍ"، وأحببتُ كلَّ نضالاتي من أجلها، وهو ما ستجد ابنتي الوسطى "نجمة" نفسَها معفاةً منه، لأنني سأسمح لها باستعمال يسراها من غير أن تضطرّ إلى أن تكشف عن عورتها.
اقرأ/ي أيضًا:

بريد الغرباء

قشٌّ بحري على قدمي آنا كارنيينا