سيرة نوستالجيّة للثورة السورية

سيرة نوستالجيّة للثورة السورية

سرقت الثورة.. وصار ما صار (Getty)

هذه المادة سياسية بحتة، إلا أنها ليست آتية من مخيلة سياسية وليس لها أية مصادر رسمية، بل إنها آتية من مخيلة كانت تراقب الوضع عن بعد وترى كل شيء من وراء الدموع، لأنها آتية من مخيلة شاب سوري يعرف جيدًا ما آلت إليه أوضاع بلده ومحافظته والحي الذي كان يسكنه.

في مطلع العام 2011 قام الشعب السوري في ثورة لا مثيل لها في التاريخ، بل إنها ليست ثورة، ربما تكون مجزرة طويلة المدى ارتكبت وترتكب بحق شعب بأكمله، ومتاهة دخل فيها أكثر من خمسة وعشرين مليون سوري. في الغالب كان الذئب وحده يغير على قطيع الغنم، أما الوضع في الأزمة السورية بات مختلفًا، حيث أغار قطيع من الذئاب على نعجة واحدة، وكل ذئب أكثر وحشية من الآخر وكل ذئب يرى أنه أحق بدم النعجة، والنعجة نفسها لم تعد تدري على أي جنب تنام من كثرة الطعنات في جسمها. ولم تعد تدري أين سترسو بها الأيام، فهي الآن تمسي بين قطيع العالم.

نوستالجيًا أيضًا، بدأت شرارة الثورة السورية من درعا، هل تذكرون؟!

أما الشعب السوري في الواقع، إلى الآن لا يدري ما القصة، "متل الأطرش بالزفة". فبعد تأزم الأوضاع ونشوب الحرب على أوجها، نصف الشعب نزح وهاجر، والنصف الآخر ينام ويصحوا على الموت بشتى الوسائل الوحشية، وشتى أنواع الأسلحة، فثمة من يورطهم في البداية ويحثهم على الثورة، وفي النهاية يصيرون نازحين. وثمة من يعطيهم السلاح لإطالة عمر الأزمة، وفي نفس الوقت يدفع لأمريكا فاتورة دكهم بالطيران. وأمريكا التي تدعي السلام والحفاظ على أمن المنطقة، هي التي ورطت الشعب بكل هذا وتركته وحده يصارع مصيره المجهول بين قطيع من الكلاب المسعورة. أما النظام الذي عيشهم أجواء الممانعة والمقاومة لأربعين عام، فيتحالف مع أشرس الذئاب ويدخلها إلى سوريا ليفتكوا بالشعب والثورة بأقذر أساليب الحرب.

نوستالجيًا أيضًا، بدأت شرارتنا من درعا، هل تذكرون؟ سرعان ما انتقلت إلى باقي المحافظات، لتكون بهذا نشبت ثورة في سوريا. وبدأ الجميع يرقب سقوط النظام وانتقال سوريا من الجحيم إلى الحرية، إلا أن الأمر بدأ يفلت من السيطرة بعد مواجهة الثورة بالقمع، وبدأ الظهور المسلح للمعارضة بعد سنة من الانتفاضة السلمية التي لم تأت بنتيجة، غير أنها جلبت الموت والاعتقال والنزوح للكثيرين، علينا الاعتراف، بعد كل شيء.

لم يعد للشعب السوري أيّ دور في أزمة بلاده غير تحمل الموت يوميًا

بعدها شكل جيش يدعى الجيش الحر وشكل الائتلاف المعارض، وبدأت المناوشات السياسية والعسكرية وجرت الجميع إلى أزمة بات شبه مستحيل احتمال احتوائها والسيطرة عليها بأي شكل من الأشكال، وذلك لأنها سرعان ما أخذت طابع الحرب الأهلية أو الصراع الوجودي بين الطائفة الحاكمة والطائفة المضطهدة والأقليات، وهذا ما أعطى الفرصة الذهبية للأطراف الخارجية للانخراط في الأزمة بشكل مبرر تحت ذريعة حل الأزمة، إلا أن جميع من تدخلوا لهم مصالحهم السياسية والاقتصادية في سوريا، وهكذا دخلنا المتاهة ولم نخرج. سرقوا ثورتنا.

مبدئيًا، يمكن القول بأنه لم يعد للشعب السوري أيّ دور في الأزمة، غير تحمل الموت يوميًا، والنزوح والوقوع في المجاعات، والاعتياد على حياة الهجرة والمخيمات، وانتظار المعتقلين، وانتظار المعونات الأمريكية الخليجية، وانتظار الحل العسكري أو السياسي الذي يعيد المياه إلى مجاريها، أو الدماء إلى مجاريها، إذا صح التعبير.

فالمعارضة المعتدلة باتت مسيرة من قبل أمريكا والخليج، والفصائل المتطرفة تسير نفسها بنفسها وتكتسح كل من يخالفها، أما النظام فإنه مستعد للتخلي عن شعب بأكمله لأجل بقائه في الحكم، والعالم أجمع تهمه مصالحه دون الوقوف إلى جانب شعب أعزل بات وحيدًا، أمام قطيع من الذئاب، شعب قام بثورة نبيلة، وأكله الذئب.

___

اقرأ/ي أيضًا:
خمس خطوات قادمة لروسيا في الحرب السورية
المعارضة السورية والطريق الشاق إلى مؤتمر أبها