سيرة مشوّهة لمواطن مصري ندهته نداهة القاهرة

سيرة مشوّهة لمواطن مصري ندهته نداهة القاهرة

صورة لأحياء القاهرة

مدينة كئيبة شتاءً، متوترة صيفًا. تشبه البنت الجميلة، التي تلطخ وجهها بأرطال من الميك اب لتحوّلها إلى «عروسة مولد» يطوف حولها، ويقصدها كل قروي ساذج بمعاكسة وكلمة حلوة وتسبيل سريع في المترو، لأنها مبهرة. تسرّ الناظرين. لكن الاقتراب منها محفوف بالألغام وقنابل الغاز والدخان. ومن يقترب يحترق.

وحده القاهري، لا صفات تميزه، ولا ملامح محدّدة تجعله يشبه أخاه في الله القاهري، ومواقفه غير واضحة، ولهجته بلا "ديفوهات"، يمشي في الشارع بسرعة، ويجري وراء الأوتوبيس

اختبرت القاهرة في أكثر من مناسبة فكانت لعنة. تسرق أرواح من يدوس أرضها مرة واحدة، وتفرم آخر رغباته في النجاة، تخطفه إلى عالمها الواسع، لا تجني عليه ولكن تتركه لنفسه فهي كفيلة بجلده وقتله وتحويله إلى آلة. ويقولون عنه في مصر: «ندهته النداهة».

اقرأ/ي أيضًا: أسواق الكتب القديمة.. حياة في مكان آخر

هذه الحالة يولد بها أهل القاهرة، ونعرفها نحن القادمين من بعيد. ولنا صفات تميزنا. وسمات تعيبنا. ولكنة محلية على ألسنتنا يمكن أن تميّزها بسهولة، فالسكندري ينطق كل الأفعال مفتوحة، بينما أهل القاهرة يكسرون كل شيء، حتى الكلام. والبور سعيدي قريب إلى الدمياطي، في مواصفاته وحياته، فهم التجّار أولاد التجار الذين يأكلون دماغك بالكلام. ويأكلون لقمة عيشهم بالكلام أيضًا، والصعيدي له وجه جامد، وروح ناشفة، ستميزه بسهولة في مكاتب البريد ومحطات المترو والقطارات. لأن كل شيء فيه يؤكد أنه صعيدي؛ من أول السلام وحتى العشاء الذي لا يخلو من البط.

وحده القاهري، لا صفات تميزه، ولا ملامح محدّدة تجعله يشبه أخاه في الله القاهري، ومواقفه غير واضحة، ولهجته بلا "ديفوهات"، يمشي في الشارع بسرعة، ويجري وراء الأوتوبيس، يولد مستسلمًا لماكينة الحياة التي نزل برجليه في قلبها، ولا يفكّر في الخروج منها أو الانقلاب عليها. فلا يمكن أن تقابل مواطنًا قاهريًا أصيلًا هرب ليبحث عن وظيفة في الإسكندرية. وإذا قابلته فلا بدّ أن تبلغ الشرطة أو تودعه محمية طبيعية.

مع الوقت يزول «روقان» المهاجرين إلى القاهرة، ويتحوّلون إلى أشباه بشر، لديهم حنين إلى حياتهم الأولى، لكن النداهة ندهتهم، وأغلقت باب الخروج، فأصبحوا يميلون إلى الكآبة شتاءً، والتوتر صيفًا، وخلعوا نفسية المهاجر ليرتدوا القناع المناسب للعاصمة. فتتحول حياتهم إلى محطة انتظار على أمل أن يستقبلوا أول فرصة للهروب. ويا جمالها لو كانت من مطار القاهرة!

اقرأ/ي أيضًا:
القاهرة.. حرائق فاعلها مجهول!
في مصر.. حتى الستر في خطر!