سياسة

سياسة "اللاسياسة".. الحكومة الإيرانية تتحضر للأسوأ في مكافحة كورونا

سيناريوهات مفجعة قد تواجهها إيران (أ.ف.ب)

التر صوت – فريق التحرير

تواجه الأنظمة الحاكمة تحديًا جديدًا فرضه الانتشار المتسارع لفيروس كورونا الجديد (كوفيد-19) على المستوى العالمي، سيكون لطريقة مكافحته على المستويات المحلية أثرًا بالغًا على النماذج المستقبلية للحكم والعلاقات بين الدولة والمجتمع، كما الحال مع الحكومة الإيرانية التي تقف في مجابهة "أم جميع الاختبارات" في تصديها لانتشار الفيروس على أراضيها، وسط تعرضها لأشد نظام عقوبات اقتصادية يفرض في التاريخ المعاصر.

تواجه الأنظمة الحاكمة تحديًا جديدًا فرضه الانتشار المتسارع لفيروس كورونا، سيكون لطريقة مكافحته على المستويات المحلية أثرًا بالغًا على النماذج المستقبلية للحكم والعلاقات بين الدولة والمجتمع

وقالت دراسة حديثة أعدّتها لجنة علمية في جامعة شريف للتكنولوجيا المرموقة في طهران إن البلاد تواجه ثلاثة سيناريوهات محتملة في إطار مكافحتها للفيروس التاجي، مشيرةً لأنه في حال اتبع المواطنون إجراءات الحجر الصحي بشكل كامل، فإنه من المتوقع إصابة 120 ألف بالإضافة لوفاة 12 ألف آخرين حتى بداية نيسان/إبريل القادم، وهو أفضل سيناريو متوقع في حال جرى عزل 80 بالمائة من المواطنين عن بعضهم البعض.

اقرأ/ي أيضًا: خرافات كورونا القاتلة.. 300 إيراني يموتون "بالكحول" للوقاية من الفيروس

وتضيف الدراسة بأنه في حال تم عزل 50 بالمائة من المواطنين، فإنه من المتوقع تسجيل 300 ألف إصابة، وحذرت الدراسة من أنه في حال فشل المواطنين باتباع الإجراءات المفروضة، فإنه من المتوقع أن يتسبب الوباء بوفاة الملايين عندما يبلغ انتشار الفيروس ذروته في أيار/مايو القادم، في أسوأ سيناريو متوقع ممكن أن تواجهه الحكومة الإيرانية.

وحتى صباح الإثنين، تقول السلطات الإيرانية إنها سجلت أكثر 38.3 ألف حالة، من بينها ما يزيد على 2.9 ألف حالة وفاة، وحوالي 12.4 ألف حالة تعافي من الإصابة، فيما لا يزال أكثر من 23.2 ألفًا آخرين يخضعون للحجر الصحي بعد أن جاءت اختبارتهم إيجابية.

استراتيجية واحدة لإدارة الأزمات في إيران

كان الباحث الإيراني في سياسات الأمن والصحة، مازيار غيابي، قد تناول في كتابه "سياسة السياسة.. إدارة الاضطرابات في جمهورية إيران الإسلامية" مكافحة الحكومة الإيرانية لانتشار المخدرات وفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) خلال العقود الأربعة الماضية، وعلى الرغم من أن مكافحة انتشار المخدرات يختلف عن الأوبئة الفيروسية  فإن سياسة إدارة الأزمات قد تشترك في استراتيجات مماثلة لدى الحكومة الإيرانية.

نفت الحكومة الإيرانية في بداية الأمر انتشار الفيروس على أراضيها رغم التقارير الأخبارية التي تحدثت عن وجود إصابات وحالات وفاة متأثرة بالفيروس، حيثُ مهد إنكار الحكومة انتشار الفيروس بسرعة في أنحاء البلاد والدول المجاورة، كما أن إصرارها على تنظيم الانتخابات البرلمانية يوم 22 شباط/فبراير الماضي، وإعلانها تمديد الانتخابات لخمس مرات متتالية وسط ضعف إقبال شديد على مراكز الاقتراع، فضلًا عن اقتراب موسم الأعياد، بما فيها عيد النوروز، والعام الإيراني الجديد، فاقم من سرعة انتشاره، مما وضع البلاد أمام تعبئة محفوفة بالمخاطر في مواجهة الفيروس.

ويلفت غيابي في تقرير تحليلي نشر في موقع ميدل إيست إي البريطاني أن من الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة الإيرانية كان اعتبار الأخبار المنتشرة حول الفيروس محاولة جديدة لزعزعة الاقتصاد الوطني بسبب إثارة مخاوف انتقال عدوى الفيروس بين الأشخاص، في ظل الدعاية المناهضة لطهران عبر شبكة الإنترنت، فقد وصف الرئيس الإيراني حسن روحاني أخبار الفيروس بأنها "مؤامرة من الأعداء الأجانب" ضد البلاد، في موقف مشابه لثمانينات القرن الماضي عندما وصفت السلطات الإيرانية حينها انتشار المخدرات بأنه "مؤامرة إمبريالية".

وأدت الروايات الرسمية المتضاربة بشأن حادثة إسقاط طائرة الركاب الأوكرانية إلى تفاقم انعدام الثقة بين الحكومة والجمهور في كانون الثاني/يناير الماضي، بعدما نفت طهران مسؤوليتها عن إسقاط الطائرة، قبل إعلانها أن الطائرة المنكوبة سقطت بدفاعات الجو الإيراني "لظنها أنها صاروخ سكود"، وذلك في أعقاب الهجوم الصاروخي الذي استهدف قاعدتين عراقيتين فيهما قوات أمريكية ردًا على مقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني بهجوم صاروخي لطائرات مسيّرة أمريكية.

ويعتبر غيابي أن توافق العوامل السابقة مع تبني الحكومة الإيرانية لنهج اللاسياسة يدل على أنه لم يعد بإمكانها إيقاف العدوى الفيروسية، في مقابل ظهور بديل الحفاظ على الفوضى بدلًا من إعادة النظام، بالأخص أنه سبق للحكومة التحذير من مواجهة البلاد لأزمة شاملة، فيما قامت المؤسسات السياسية المحلية على مختلف الاستراتيجيات بالتنافس فيما بينها للتخفيف من حدة الأزمة، والذي ظهر من الناحية العلمية أنه النهج التاريخي لتعاطي الحكومة الإيرانية مع الأزمات، بعد ترددها في اتخاذ إجراءات الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي وإغلاق المحال التجارية.

العاصمة الدينية مركزًا لتفشي الوباء  

تؤكد كافة التقارير الخاصة بانتشار الفيروس في أنحاء إيران، أن أول إصابة ظهرت في البلاد كانت مدينة قم المقدسة التي يشار إليها بمركز تفشي الوباء في البلاد، وتوسم المدينة بأنها العاصمة الدينية للبلاد، كما أنها تصنف كمعقل بارز للمحافظين المتشددين، لما تحمله من رمزية دينية عند الشيعة، بسبب تواجد ضريح "حضرة السيدة معصومة" فاطمة بنت موسى الكاظم سابع الأئمة الإثنا عشرية، فضلًا عن ضمها عشرات المعاهد الدينية.

وإلى جانب قم تبرز مدينة مشهد التي يتواجد فيها ضريح الإمام علي بن موسى الرضا ثامن الأئمة الإثنا عشرية، ويعتبر الضريحان جزءًا لا يمكن زعزعته من المعتقدات الشيعية المحافظة التي تنظر لهما على أنهما "بيتان للشفاء"، ويسعى ملايين السكان إليهما للتخفيف من أمراضهم سنويًا. فقد انتشر تصريح لخادم ضريح "حضرة السيدة معصومة" آية الله محمد سعيدي عندما بدأت أخبار تتناقل إغلاق الضريح، يقول فيها إن زيارة المرقد تساعد "الناس على الشفاء من العلل".

وكان إغلاق ضريح "حضرة السيدة معصومة" قد أثار موجة من الاحتجاجات الشعبية في مدينة قم، فيما عمدت قوات الأمن إلى استخدام القوة لتفريق الحشود التي حاولت تحدي قرار الحكومة الإيرانية بإغلاق الضريحين، وأشارت تقارير إلى أن السلطات المحلية قامت بإغلاق ضريح الإمام الرضا بشكل كامل، وهو ما يشكل تراجعًا واضحًا عن الأيديولوجيا الدينية للسلطات الحاكمة في البلاد.

وفي وقت سابق من الأسبوع الجاري رفض الزعيم الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي عرضًا قدمته واشنطن يقترح مساعدة إيران على مكافحة انتشار الفيروس على أراضيها، ووصف في خطاب بثه التلفزيون الرسمي العرض الأمريكي بـ"الغريب"، وتابع موجهًا سؤاله للإدارة الأمريكية: "هل يمكن لرجل عاقل أن يثق بكم ويقبل عرض المساعدة منكم؟"، قبل أن يجيب على السؤال بالقول: "ربما تعطون أدوية لإيران تنشر الفيروس أو تتسبب في بقائه فيها بشكل دائم".

وكان الزعيم الإيراني الأعلى قد وصف انتشار الفيروس بعد أقل من يومين على انعقاد الانتخابات البرلمانية بأنه "مرض مثير للسخرية يستخدم كذريعة جيدة" من قبل أعداء إيران لثني الناس عن التصويت، غير أنه بعد الإصابات المتزايدة بين المسؤولين الإيرانيين أوصى بقراءة الدعاء السابع من الصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين السجاد لمكافحة المرض.

طهران تكافح الفيروس باللاسياسة

يرى غيابي أنه على عكس الأنظمة الاستبدادية مثل الصين، تتميز الكوادر السياسية الإيرانية بامتلاكها وسائل تدخل غير مركزية، كما الحال في الاعتماد على التعبئة الاجتماعية للمتطوعين، والمنظمات غير الحكومية، والنقابات المهنية، حيثُ تتحول معها الأزمة العامة من مشكلة حكومية إلى قضية وطنية يتوجب فيها على المواطنين لعب دورهم لتجنب الإصابة بالعدوى.

وبالنظر لتجارب الحكومة الإيرانية السابقة في مكافحتها للفيروسات العالمية، يشير غيابي لاعتماد السلطات في البداية على عمل مجموعات العمل المدني، كما أنها لم تتخذ سوى خطوات بسيطة لوضع استراتيجة الرعاية في جميع أنحاء البلاد، وهو ما حدث في مكافحة الحكومة لانتشار فيروس الإيدز بين المواطنين في أوائل العقد الأول للقرن الجاري، وبالمقارنة مع مكافحة الحكومة للفيروس التاجي في الوقت الراهن، انتهجت طهران سياسة عدم السياسة بجعلها الأخصائيين الأطباء والاجتماعيين، والنشطاء وأفراد الميليشيات يقودون الحملة الوطنية للتخفيف من أزمة انتشار الفيروس.

لكن ذلك لا يعني عدم اتخاذ الحكومة الإيرانية لأي إجراء للحد من انتشار الفيروس بحسب ما يرى غيابي، بسبب تكرار مطالبتها للسكان بالبقاء في المنازل، والتخفيف من الاحتكاكات الجسدية، والتحلي بالصبر، غير أنه لم يتم إصدار أي تشريع قانوني يلزم السكان بتطبيق نصائح السلامة الصحية، والذي يعيده غيابي لعدم وجود وضع مستقر يسمح للحكومة الإيرانية بإدخال البلاد في حالة حظر اقتصادي شامل، نظرًا لما تعانيه من العقوبات الاقتصادية التي جعلتها لا تملك المال الكافي لدعم الإضطراب الاقتصادي الذي سيخلفة الحجر الجماعي للسكان في مدن مثل طهران وقم.

ويوضح غيابي أنه حتى في حال كان لدى الحكومة الإيرانية الوسائل الكافية للقيام بذلك، فإن سعر هذه الاستراتيجية سيكون بمثابة إصلاح للنظام السياسي – الاقتصادي القائم، أو بعبارة أخرى، فإن تأميم ومصادرة الأموال الكبيرة من القطاع الخاص سيمثل خط دعم رئيسي للحكومة، مما يضع البلاد أمام سؤال واضح: هل من الأفضل فرض الحجر الصحي (الذي سيؤدي) للمعاناة من نقص الدخل (للأسر)؟ أم أنه يجب المخاطرة (بانتشار) العدوى لتجنب الجوع؟

ويلفت الباحث الإيراني إلى أن مختلف الطبقات الاجتماعية في إيران تواجه قرارات صادمة مرتبطة بالمخاطر والأرباح، إذ تفتقر المجتمعات الفقيرة لميزة الاختيار، ويوضح ذلك بعرض مقارنة سريعة للتوزع السكاني والديموغرافي طهران، بظهور المناطق الشمالية الأكثر ثراء في العاصمة كأنها "مدينة أشباح" لعدم خروج السكان من منازلهم، بينما لا يزال الباعة الجوالون وعمال المياومة يجوبون الشوارع في المناطق الجنوبية الأقل فقرًا للبحث عن لقمة العيش.

الفيروس التاجي يضع إيران أمام أزمة اقتصادية غير مسبوقة  

يجمع كافة خبراء الاقتصاد الإيرانيون على أن الاقتصاد الإيراني يواجه أزمة غير مسبوقة بغض النظر عن توجهاتهم السياسية، مع الإشارة لعدم اعتبار سوء الإدارة والفساد المتفشي في المؤسسات الرسمية جزءًا وحيدًا يمكن تحميله مشاكل إيران الاقتصادية الكبيرة، مثل تلك التي سببتها العقوبات الاقتصادية بعدما أعيد فرضها قبل عامين بسبب الانحساب الأحادي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني.

ويوضح المحلل الكندي من أصول إيرانية شاهير شاهيدساليس أن المشكلة المركزية في الاقتصاد الإيراني، حتى في حال رفع العقوبات الأمريكية بعد الاتفاق النووي الإيراني في عام 2015، أنها لا تزال تعاني من التوزيع السريع بطريقة غير متكافئة للثروة الناتجة جزئيًا عن الفساد، لافتًا إلى أن تقارير مؤشرات الاقتصاد الكلي لا تعكس الحقائق بصورة واضحة بما في ذلك اتساع التفاوت في الدخل بسبب عدم كشف الأثرياء عن دخلهم الحقيقي.

ويشير شاهيدساليس إلى أنه قبل عامين من الآن نشرت وكالة مهر للأنباء تقريرًا مفصلًا وصادمًا في الوقت نفسه يتحدث عن الظروف المعيشية البائسة لسكان الريف الإيرانيين، حيثُ أن التقرير الذي اختفى من الموقع الإلكتروني للوكالة كشف عن أن سكان الريف الذين يتوجهون للمدن الكبرى للبحث عن وظائف، قاموا ببناء أحيائهم العشوائية حول المدن لأنهم لا يستطيعون العيش فيها، ويعيشون في ظروف صحية تفتقر لأهم الخدمات مثل الصحة والتعليم، فضلًا عن جمع رجالات النظام الإيرانية للثروة عن طريق المحسوبية، بما فيها الرشوة والمعاملات المشبوهة الأخرى التي تنظوي على إساءة استخدام القطاع العام في البلاد.

ويرى شاهيدساليس أنه أمام هذه الخلفية للحياة الاقتصادية داخل إيران، فإن انتشار الفيروس التاجي عمّق من بؤس الفقراء في أنحاء البلاد بسبب فقدان الكثيرين لدخلهم اليومي بسبب الركود، وعدم استطعاتهم تحمّل الأسعار المرتفعة لمواد التنظيف التي تقاوم الفيروس، فقد وجه الاقتصادي الإيراني المعروف مسعود نيلي تحذيرًا للرئيس الإيراني مؤخرًا، جاء في مضمونه أنه في حال استمرت الحكومة في توجهاتها الأخيرة، فإنه من الممكن أن يكون الفقراء غير قادرين على حماية أنفسهم من الإصابة، مما قد يجعل أماكنهم مركزًا لانتشاره.

الحكومة الإيرانية في مواجهة "أم جميع الاختبارات"

يلتقي تحذير الخبير الاقتصادي مع  تأكيدات نائب وزير الصحة إيرج حريرجي على تركيز الفيروس انتشاره في الأحياء الفقيرة بشكل رئيسي، في وقت اعتبر الصحفي والناشط الإصلاحي عباس عبدي أن النظام السياسي الإيراني يواجه "أم جميع الاختبارات" في مكافحته للفيروس التاجي، لافتًا إلى أزمة الفيروس التاجي تشمل "جميع مؤسسات الدولة بدون استثناء، من الأسرة إلى نظام التعليم، والدين، والاقتصاد ، إلى الحكومة".

اقرأ/ي أيضًا: بعد حربها الطويلة على الأطباء.. السلطات المصرية تطلب متطوعين لمواجهة كورونا

وتحتاج الحكومة الإيرانية ثقة المواطنين لمكافحة الأزمة البعيدة المدى الناجمة عن الفيروس، إلا أن هذه الثقة تضررت خلال الأشهر الماضية بفعل قرار زيادة أسعار البنزين الذي خلف احتجاجات شعبية كبيرة على مستوى المدن الكبرى في تشرين الأول/نوفمبر الماضي، مما أسفر عن مقتل المئات في أحدث موجة قمع شهدتها البلاد حتى الآن، وفاقمها أكثر حادثة إسقاط طائرة الركاب الإيرانية التي أججت غضب الشارع بسبب التقارير الزائفة التي صدرت في بداية الأمر.

حتى صباح الإثنين، تقول السلطات الإيرانية إنها سجلت أكثر 38.3 ألف حالة، من بينها ما يزيد على 2.9 ألف حالة وفاة

 وفي الوقت الذي وجهت السلطات الإيرانية قوات الحرس الثوري الإيراني وأفراد الجيش لتطبيق الإجراءات التي فرضتها بإغلاق المتاجر والأماكن العامة، ومدى تطبيق الحجر المنزلي، يرى شاهيدساليس أن هناك احتمالية أن تكون الحكومة الإيرانية تقوم بإعداد نفسها للأسوأ، وسط قلق مستمر من عود الاحتجاجات الشعبية التي يقودها الفقراء الذين يملكون الاستعداد للقتال من أجل بقائهم على قيد الحياة في هذه الأيام.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 امتثال وتمرد.. هل يتجاوز المغرب أزمة كورونا بإعلان الطوارئ؟