سوق البزورية.. هل تغيرت ذائقة وأخلاق تجار الشام؟

سوق البزورية.. هل تغيرت ذائقة وأخلاق تجار الشام؟

سوق البزورية في دمشق (فيسبوك)

يروى عن تجار سوق الحميدية وعموم تجارة دمشق أنهم نجحوا لأمرين، اجتهادهم وأخلاقهم، ومن الأمثلة التي يتناقلونها أباً عن جد أنه إذا جاء أحدَهم زبون يريد أكثر من سلعة فلا يبيعه إلا سلعة واحدة ويقول له: "اشترِ باقي حوائجك من جاري، أنا "استفتحت".. أي أنه أخذ حقه من رزق اليوم الذي كتبه الله له، وعلى باقي الجيران أن يأخذوا حصصهم.

طالما امتاز التاجر الدمشقي بالدماثة والنكتة والمثابرة وحب الخير حتى لمن ينافسه في كاره، فهل تغيرت أخلاق تجار الشام؟

هكذا ببساطة كان تجار الشام يتعاملون فيما بينهم بالرغم من هامش المصلحة التي يمتاز بها التاجر دون غيره من البشر، وما طبع (الشوام) من صفات يتندر بها السوريون في أنهم يحبون المال وهذا بالتأكيد ينطبق على كل العاملين في التجارة في كل عواصم العالم، ومع ذلك كان التاجر الدمشقي يمتاز بالدماثة والنكتة والمثابرة وحب الخير حتى لمن ينافسه في كاره.

اقرأ/ي أيضًا: بسطات سوريا.. اقتصاد الظل والبسطاء والفساد

يمنع اللمس والتذوق

عبارة "الرجاء عدم اللمس والتذوق"، التي وضعها أحد الباعة على منتجاته في سوق البزورية أثارت كثيراً من ذكريات السوريين وأوجاعهم وبعض السخط على ما اعتبروه تخلياً عن أخلاقيات متبعة في التعامل مع الزبائن لطالما كانت معياراً عاماً يميز تجار السوق الدمشقي.

سوق البزورية في دمشق (فيسبوك)

البضاعة هي منتجات من الحلويات الدمشقية الملونة وذات النكهات الكثيرة التي يشتريها السوري عادة للتسلية أو للأطفال وهي منتجات مصنعة بخبرات المطبخ الدمشقي للحلويات، وتحديداً في سوق البزورية، أحد أهم أسواق العاصمة، ويقع جنوب الجامع الأموي ويشتهر ببيع مواد العطارة والزهورات الشامية والأعشاب الطبية التي تستخدم فيما يعرف بالطب العربي الشعبي.

من التعليقات المستهجنة لعبارة المنع الموضوعة فوق عربة البضاعة ما كتبته إحدى الناشطات على موقع فيسبوك "من إيمتى هالحكي طول عمر بائعي البزورية الكرام يعرضوا بضاعتهم ويعرضوا على الناس التذوق"، وهو ما يصب في خانة خرق صاحب العبارة لعرف من أعراف التجارة في أن التجار هم من كانوا يعرضون على الناس التذوق مجاناً وهو تقليد لترغيب العابر بالشراء ونوع من الدعاية المحببة.

اقرأ/ي أيضًا: وداعًا بكداش.. صيف دمشقي دون بوظة بالفستق

ظهرت طبقة من تجار الحرب والمحتكرين لا تلقي بالاً للقيم والأعراف التي تربوا عليها السوريين، وأطاح الغلاء بمفاهيم بسيطة سائدة

البعض دافع عن حق البائع في المنع بطريقة مهذبة وليست فجة في أن البعض يمتهن التذوق في ذهابه وإيابه وهذا قد يرتب خسائر على البائع ويعبر عن قلة ذوق الطرف الآخر.. كتب أحدهم مدافعاً: "طيب والله الحق معو في ناس ما بتنعطى وش بتدوق وبتمشي وفي ناس وهي ماشية بتاخد كمشة".

سوق البزورية في دمشق (فيسبوك)

بينما آخرون رأوا أن هذا الإعلان تعبير عن بخل التاجر ليس إلا، والبعض هرب إلى أنها بضائع مكشوفة وغالية ومضرة بالصحة في محاولة للمس البعد الاقتصادي والمعاشي للسوريين. وجهة نظر أخرى عبرت عما يجري حالياً في السوق السورية بالمجمل وبتاريخ البلاد التي يتهاوى اقتصادها وأن ما يحصل ذهب ببركة الشام وتسامحها.

سوق البزورية في دمشق (فيسبوك)

اقتصاد بنكهة الفقر

السوريون اليوم يخرجون من بلدهم ليس هرباً من الحرب والموت بالنار فقط، ولكنهم يفضلون الخروج على البقاء في وطن بات لا يستطيع أن يقدم لأبنائهم قوت يومهم وبعض الحياة الكريمة.

الموظف الذي يحصل على أجر لا يتجاوز الـ 80 دولاراً بعد عشر سنوات من الخدمة لا يستطيع أن يستأجر بهذا الأجر غرفة صغيرة بدمشق، ولا يمكن أن تكفي لثياب العيد، ولا لعلاج مريض أو إجراء عملية جراحية طارئة في مشفى حكومي.

أما أسعار الخضار والفواكه واللحوم وباقي حاجيات الأسرة فهو يؤمنها بالنذر اليسير، وسعر كيلو اللحم البلدي يشكل ربع راتبه الشهري، أما سعر كيلو الموز فيتجاوز الـ 1000 ليرة في بعض المناطق، والليمون أحد أشهر منتجات الساحل السوري يبلغ سعر الكيلو غرام منه حوالي 800 ليرة. أما المواطن الذي يعمل باليوم فيعيش دون خط الفقر، وأغلب المهن الحرة الصغيرة إما اتقرضت أو لا تكاد تكفي العاملين فيها.

سبع سنوات من الحرب، ظهرت طبقة من تجار الحرب والمحتكرين لا تلقي بالاً للقيم والأعراف التي تربى عليها السوريون، وأطاح الغلاء بمفاهيم بسيطة سائدة، وأما المواطن العادي فبالكاد يستطيع تأمين لقمة عيشه في أبسط ما يبقيه على قيد الحياة والأمل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رمضان الشام.. شهر الغلاء واستذكار الغائبين

عالم سفلي راقص بدمشق القديمة يثير جدلًا على السوشال ميديا