سوريا.. وداع الدولة الوطنية

سوريا.. وداع الدولة الوطنية

لاجئون سوريون (Getty)

مرَّ الجيش السوري منذ إعلان تشكيله، في المؤتمر السوري الأول عام 1919، وحتى اللحظة الحالية، بعدة مراحل بدأت مع تصديه للجنود الفرنسيين، يوم دخل الجنرال غورو إلى دمشق، ومن ثم فترة الانقلابات بين 1949 – 1963، إلى أن وصل للمرحلة التي حصل فيها انقلاب حافظ الأسد 1970، بالعديد من التطورات العسكرية، والنزاع على السلطة بين الضباط، إلا أنه لم يفقد هويته الوطنية في تلك المرحلة، مثلما فقدها منذ استلام حزب البعث الاشتراكي للسلطة، بقيادة الأسد.

لم يتوقف العمل السياسي في سوريا بين 1970- 2000، رغم شدة الملاحقات

وتزامنت الفترة التي حصل فيها انقلاب 1970، مع صعود حركات التحرر العربية في المنطقة، وكان لبنان مركزها، نظرًا لقربه من الحدود الفلسطينية ووجود المقاومة الفلسطينية المطرودة من الأردن فيه، ونشوء بيروت مركزًا للنخبة المثقفة عربيًا، فبيروت حتى أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، لم تخلُ من ضجيج حركات التحرر العربية، وسجالاتهم الفكرية، حول مفاهيم التحرر من التبعية للقوى الغربية – الرأسمالية، وكيفية الوقوف في وجهها، وكان على رأسها حركات الكفاح المسلحة التي كانت تقف في مقدمة الصراع العربي – الإسرائيلي.

استطاع الأسد، بالتعاون مع مجموعة من الضباط العسكريين، أن يبسط نفوذه بقبضة من حديد على سوريا، بعد أن دشنها بتعديل الدستور، وإعلان حزب البعث قائدًا للدولة والمجتمع، وتعديله لقانون الانتخابات الرئاسية، وقضائه على الأحزاب السياسية، والحياة الحزبية بتأسيس "الجبهة الوطنية التقدمية"، وحصره لجميع القرارات بشخصه، وشكل عام 1982 ضربة قاضية للأحزاب السياسية، التي حاولت جاهدة إنشاء حلف معارض، مدعم بقرار وطني – شعبي.

فمجزة حماة، وما أعقبها من اعتقال للمعارضين السياسيين، وتصفيتهم في أقبية المخابرات المنشأة حديثًا، قضى على أي دور، أو فعل يسعى لصياغة مفهوم بناء الدولة الوطنية الحديثة، وفق طروحات، وأفكار حركات التحرر العربية، التي كانت تعمل على تصدير أدبياتها الخاصة، في سبيل الوصول إلى دولة وطنية حديثة، مستقلة بقرارها السياسي.

طبعًا، لا يمكننا إغفال دور الأحزاب السياسية، بين أعوام 1970 – 1982، في العمل السياسي الذي خاضته، ضد حافظ الأسد، على الرغم من التضييق الأمني، والملاحقات الفردية، وأهمها كانت تصفية خصومه في حزب البعث العربي الاشتراكي، واعتقاله للقيادات الكبيرة في الحزب ومؤيديهم لذلك كان بحاجة لفترة زمنية، يعمل فيها على ترتيب البيت الداخلي للسلطة، وتأسيس تحالفات دولية داعمة له، وتهيئة الأجواء لدكتاتورية مستبدة مأخوذة عن تجربة جوزيف ستالين في الاتحاد السوفيبتي.

لكن ذلك لا يعني، أن العمل السياسي غاب تمامًا خلال فترة 1970 – 2000، بل بقي مستمرًا، ولكن بدرجة قليلة جدًا، بسبب الملاحقات الدائمة، ودعوات الاستجواب المستمرة في الأفرع الأمنية، وهنا أود أن أذكر، بأن الأسد لو لم يؤسس جيشًا يحمل الولاء الفردي له، وشق صفوفه بالولاءات الطائفية، تحت مراقبته وإشرافه المباشر، لما كان استطاع أن يحكم البلد، الأشهر في الانقلابات، ثلاثين عامًا.

بقيت الحياة السياسية، بعد رحيل حافظ الأسد، ووراثة ابنه بشار للحكم، كما كانت عليه في السابق، واستمرت الدولة الوطنية بالانهيار، مع غياب تام للقرار الوطني المستقل، على الرغم من محاولة الأحزاب المعارضة منذ استلام الأسد الابن للسلطة، تشكيل نواة جديدة، تبلورت ملامحها في "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" عام 2005، والذي شهدت سوريا إثر صدوره، موجة اعتقالات طالت العديد من السياسيين السوريين، إضافة لخروج الجيش السوري من لبنان، بعد 15 عام من التواجد غير الشرعي، فالإعلان في النهاية، ضم نسبة كبيرة من أحزاب المعارضة بكافة تحالفاتها، ومعارضين مستقلين، وكانت نتيجة عمل 5 أعوام من حكم الأسد الابن.

حاول النظام السوري جاهدًا، أن يكرس خلال تلك الفترة، فكرة استقلاله في القرار السياسي، وبدأ يعزف على وتر دولة المقاومة، ودعم المقاومة، وبناء الدولة الوطنية، وأن سوريا في مواجهة مع الجيش الإسرائيلي، وهي الدولة المركز في الصراع العربي – الإسرائيلي، من بوابة "حرب تموز" في لبنان، بينما كان الاحتقان الشعبي، على الجهة المقابلة، في تزايد مستمر، نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية، وظهور طبقة جديدة من الرأسمالية، بدأت تأسس لنفوذها بالسيطرة على المجتمع السوري، بشكل علني، لا لُبسَ فيه.

مع وصول حالة الاحتقان الشعبي لأعلى مستوياتها، وبدء دول الربيع العربي بالانتفاض، نهضت القوى السورية من جديد، وانتفضت في 15 آذار/ مارس 2011، الذي يمكن اعتباره يومًا تاريخيًا في الحياة السياسية، وكان ذلك، بعد خروج مظاهرة في سوق الحميدية الدمشقي، طالبت بتعديلات دستورية، وإطلاق الحريات العامة، ليعقبه يوم 18 آذار/ مارس 2011، خروج مظاهرات أخرى في عدد من المحافظات السورية، وعلى رأسها محافظة درعا، تسارع الأحداث، وانتفاض الشعب السوري، شكّل أزمة لنظام الأسد، دفعه لاستخدام السلاح في قمع المظاهرات السليمة، بغطاء روسي – إيراني – صيني مشترك، تكللّ بفيتو ثنائي لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة، وإعلان روسيا وإيران دعمهما للنظام السوري، بشكل رسمي، ومساهمتهما في إدخال مقاتلين من جنسيات مختلفة إلى سوريا.

 لم يكن النظام السوري يوماً يؤسس لجيش وطني حقيقي، بقدر ما كان يؤسس لجيش يحمي وجوده هو

كانت تلك المرحلة من المراحل المهمة، التي عاصرتها سورية خلال حكم الأسدين، الأب والابن، إذ، شهدت ولأول مرة، استحقاقًا وطنيًا مهمًا على مستوى الحياة السياسية، يطالب بصياغة دستور جديد للبلاد، وبناء الدولة الوطنية بمفهومها الحديث، لم تهدأ التشاورات بين قوى المعارضة السياسية، وبدأت ترفع من مستوى مطالبها في التغيير، منسجمة مع مطالب المتظاهرين التي كانت ترفع أثناء المظاهرات، وسعت في مراحل معينة من بداية الثورة، إلى محاولة الجلوس على طاولة واحدة مع النظام، سعيًا منها إلى الحوار، وظهرت الصحافة الحرة، وعاد الكتاب للحديث عن مفهوم الدولة الوطنية، وعادت الحركات المدنية للظهور من جديد، بمفاهيم مختلفة "ليبرالية، وماركسية، وقومية"، إلا أن استفحال النظام في بطشه، وسحقه للمتظاهرين ساهم في قتل أي فصل من فصول التغيير المدني الديمقراطي المنتظر، من خلال استثماره للجيش، بدلاً من تحييده، في قمع المدن الثائرة، وليثبت النظام السوري في نفس الوقت، أنه لم يكن يوماً يؤسس لجيش وطني حقيقي، بقدر ما كان يؤسس لجيش يحمي وجوده.

بدأت الانشقاقات تأخذ مكانها في مؤسسة النظام العسكرية، بعد مشاركتها في قمع التظاهرات السلمية، ليشك حزيران/يونيو 2011، منعطفًا جديدًا في مرحلة الثورة، بعد ظهور المقدم حسين هرموش في مقطع ملصور، وإعلان انشقاقه عن الجيش، وتشكيل "لواء الضباط الأحرار"، مستمداً فكرته من "حركة الضباط الأحرار" في مصر، ليعلن في البيان دعمه، للمظاهرات السلمية، وحماية المدنيين، ويدعو إلى تشكيل جيش عقائدي، يتبع لسورية لا لأشخاص، لكن سرعان ما تراجعت فكرة توحيد الحراك المسلح، تحت اسم موحد، وقيادة موحدة، مع ظهور الهرموش على شاشة تلفزيون النظام، بعد اعتقال المخابرات السورية له، من داخل الأراضي التركية.

تسارع عجلة الثورة في سوريا، وإعلان تشكيل "المجلس الوطني السوري"، مع ظهور الدعم الدولي المسلح للمعارضة السورية، شكل ضربة موجعة لبناء الدولة الوطنية الحديثة، وفق المفاهيم التي كانت تطرح في التظاهرات السلمية، فدعم عسكرة الثورة، والتأثر بالنموذج الليبي، عجَلَ في ظهور الفصائل العسكرية، التي كانت تتبع في بداياتها لـ"الجيش الحر"، لتصبح لاحقًا مرهونة وفق أولويات الدعم السياسي – العسكري، فالفصائل التي ظهرت بشكلٍ متتالٍ خلال الثورة السورية، لم يكن لها أي قرار من ناحية التحالفات العسكرية على الأرض، ومعاركها مع جيش النظام، بسبب ارتباطها بدولٍ خارجية، كانت تمدها بالسلاح، مقابل تنفيذها لأجندات سياسية على الأرض. هكذا، فرطت المؤسسة العسكرية، ممثلة بالجيش السوري التابع لنظام الأسد، والمعارضة المسلحة في تبعيتها الخارجية، في المساهمة في تشكيل الدولة الوطنية الحديثة، وانهارت تمامًا.

اليوم تبدو الدولة الوطنية بعيدة جدًا، في ظل الحرب الدائرة، ودخول أيديولوجيات مختلفة للساحة السورية، ونشوء نوع من السلفية الحديثة يقودها تنظيم "الدولة الإسلامية"، فحتى الآن لم تظهر أي نواة تساهم في التأسيس لهوية وطنية جامعة، وغالبًا لن تظهر، طالما أن براميل الموت ما زالت تحصد أجساد السوريين، وإصدارات الرؤوس المقطوعة تتصدر صفحات التواصل الاجتماعي.