ultracheck
  1. قول

سوريا في العام الأول بعد الأسد: تقدمٌ في ملفات وانتكاسات في أخرى

30 نوفمبر 2025
احتفالات بسقوط الأسد
احتفالات السوريين بسقوط نظام الأسد (Getty)
أغيد حجازي أغيد حجازي

بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع، شهدت سوريا سلسلة من التغيرات المتسارعة، من تقدم في بعض المسارات إلى انتكاسات حادة في أخرى. وفي حين انفتحت دمشق سياسيًا على الخارج، ازداد الانغلاق الداخلي وعمّقت التوترات الاجتماعية والشرخ داخل المجتمع السوري. وعلى المستوى الاقتصادي، اتخذت الحكومة خطوات لتحرير السوق ورفع الدعم عن معظم احتياجات المواطنين، بينما شهد الوضع الأمني والعسكري حوادث كبرى من اشتباكات ومعارك وتفجيرات.

تحولات سياسية واسعة

بعد سقوط النظام السابق، برز تحول دراماتيكي في السياسة السورية، إذ انتقلت البلاد من نصف قرن من التحالف مع المعسكر الشرقي – روسيا والصين – والعلاقات الوثيقة مع إيران وحزب الله، إلى نهج جديد يميل نحو المعسكر الغربي، وإن بقيت العلاقة مع موسكو وبكين قائمة على عكس ما حدث مع طهران وحزب الله.

زار الرئيس الشرع كلًّا من واشنطن وموسكو في رسالة واضحة حول رغبة الحكومة في إعادة توازن العلاقات الخارجية. ورغم الحذر الأميركي والخطوات المحدودة تجاه دمشق، بدت العلاقة بين الجانبين أكثر ترابطًا. وشهدت سوريا سلسلة زيارات لمسؤولين أوروبيين وأميركيين وبريطانيين، كما أعادت معظم السفارات الغربية والعربية فتح أبوابها في دمشق بعد عقد من القطيعة مع نظام الأسد.

زار الرئيس الشرع كلًّا من واشنطن وموسكو في رسالة واضحة حول رغبة الحكومة في إعادة توازن العلاقات الخارجية

اندماج عسكري شكلي وتصاعد في الفوضى الأمنية

عسكريًا، اندمجت معظم الفصائل المسلحة التي قاتلت نظام الأسد ضمن وزارة الدفاع السورية، إلا أن هذا الاندماج كان شكليًا، إذ احتفظت تلك الفصائل بقوتها العسكرية واستقلالية قرارها، وهو ما تجلى في عدد من الأحداث الأمنية البارزة التي شهدتها البلاد.

في الساحل السوري، أدى هجوم مسلح نفذته مجموعة عسكرية على عناصر الأمن العام إلى إعلان "النفير العام" لمحاربة المجموعات العسكرية. وقدّرت أعداد المشاركين في هذا النفير بنحو 200 ألف شخص، معظمهم مدنيون يحملون السلاح. وأسفر ذلك عن مجازر دامية بحق أهالي الساحل، ومعظم الضحايا من الطائفة العلوية. وتفاوتت تقديرات عدد القتلى بين 1500 وفق لجنة تحقيق حكومية، و5000 بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية، بينما أشارت تقديرات أخرى إلى أن العدد يتجاوز 10 آلاف.

وفي السويداء جنوب سوريا، اندلعت اشتباكات بين فصائل محلية والقوات الحكومية، ترافق معها هجوم من بعض العشائر السورية لمساندة القوات الحكومية. وانتهت الأحداث أيضًا بمجزرة راح ضحيتها نحو 1300 مدني.

وتُسجّل حوادث قتل واغتيالات شبه يومية في محافظات درعا وحمص والساحل السوري، من دون معرفة الجهة المنفذة.

خطوط النار: مناطق خارج السيطرة

توجد في سوريا منطقتان خارج سيطرة الحكومة الانتقالية الحالية.
المنطقة الأولى هي شمال شرق سوريا، الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وهي قوة ذات قيادة كردية تطرح شروطًا أبرزها الاعتراف بحقوق المكون الكردي في الدستور السوري، واحتفاظها بقوتها العسكرية المستقلة مقابل الاندماج في الدولة السورية. وقد جرى توقيع اتفاق في 10 آذار/مارس بين الحكومة و"قسد" دون تنفيذ حتى اليوم، على الرغم من أن الاتفاق ينتهي بنهاية العام الحالي، ما يبقي المشهد مفتوحًا.

المنطقة الثانية هي السويداء، التي خرجت عن سيطرة الحكومة بعد أحداث تموز/يوليو الدامية. وتخضع المحافظة اليوم لقيادة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، الذي يدير قوة عسكرية تُعرف بـ"الحرس الوطني". ويرفض الهجري الاعتراف بالحكومة السورية ويصفها بـ"الإرهابية"، كما يرفض أي حوار معها. ويرتكز في موقفه هذا على دعم إسرائيلي، ورغم توقيع اتفاق عمان الذي مثل خارطة طريق لحل قضية السويداء، إلا أن الاتفاق ما زال معلقًا.

أما الساحل السوري، ذي الغالبية العلوية، فيعيش حالة هشّة وقابلة للانفجار، نتيجة استمرار عمليات القتل بحق أبناء الطائفة من جهة، والتهميش السياسي من جهة أخرى. وأدى ذلك إلى خروج مظاهرات تطالب بالفيدرالية واللامركزية السياسية والافراج عن المعتقلين، وهي المطالب ذاتها التي تطرحها "قسد" والسويداء. إذ جاءت المظاهرات بدعوة من رئيس المجلس العلوي الشيخ غزال غزال.

ويبقى الجنوب السوري الأكثر تعقيدًا نتيجة التوغلات الإسرائيلية المستمرة وعدوانها وقضمها لأراضٍ سورية، منذ سقوط النظام السابق إلى اليوم، في ظل اعتقالات وتجريف للبيوت وسيطرة أمنية على مساحات واسعة من الجنوب، مقابل اكتفاء الحكومة السورية بالمطالبة من المجتمع الدولي الضغط على تل أبيب، وهو حل لم ينفع يومًا مع الوحشية الإسرائيلية، لتبقى الحكومة السورية عاجزةً عن صدّ اعتداءاتها.

واقع اقتصادي متوتر

اقتصاديًا، رفعت الحكومة الدعم عن السلع الأساسية التي كانت مدعومة، مثل المشتقات النفطية والكهرباء، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار، شمل الاتصالات والمواصلات. وحافظ سعر الصرف على استقرار نسبي بين 10 و12 ألف ليرة للدولار، رغم المخاوف من تقلبات محتملة نتيجة عدم الاستقرار الاقتصادي.

ورغم الوعود الحكومية برفع الرواتب بنسبة 400%، لم تُرفع إلا بنسبة 200%، مع وعود بزيادة لاحقة.

ويُعد قانون "قيصر" الأميركي أبرز المعوقات الاقتصادية، إذ لا يزال مطبقًا رغم تغيير السلطة في دمشق، نتيجة إصرار بعض التيارات في واشنطن على فرض شروط مقابل رفعه، بينها حماية الأقليات والتفاهم مع إسرائيل. وصدرت وعود أميركية بإمكانية رفعه قبل نهاية العام الحالي.

بعد عام واحد فقط على سقوط النظام السابق، تبدو سوريا وكأنها تعيش على خطوط تماس متداخلة: انفتاح سياسي بلا استقرار داخلي، واندماج عسكري شكلي، واقتصاد متحرر بلا حماية اجتماعية

انقسام اجتماعي على حافة الانفجار

اجتماعيًا، تعاني سوريا هشاشة كبيرة بين مختلف مكوّناتها، معظمها على أساس طائفي وعرقي، ما يجعل البلاد شبيهة ببركان قابل للانفجار. في ظل استمرار بعض المكونات بالفيدرالية واللامركزية السياسية، بينما تصرّ الحكومة الحالية على دولة مركزية أو في الحد الأقصى لامركزية إدارية، ما يوسّع الشرخ بينها وبين الحكومة.

بعد عام واحد فقط على سقوط النظام السابق، تبدو سوريا وكأنها تعيش على خطوط تماس متداخلة: انفتاح سياسي بلا استقرار داخلي، واندماج عسكري شكلي، واقتصاد متحرر بلا حماية اجتماعية، ومجتمع مهدد بانقسامات لم تُخمدها أي من محاولات احتواء التوتر. وبينما تراهن الحكومة على التوازن الخارجي وتوسيع شبكة العلاقات مع الغرب، تبدو عاجزة عن ضبط الداخل أو إدارة إرث أمني واقتصادي واجتماعي بالغ التعقيد.

وفي المقابل، توسعت المناطق الخارجة عن سيطرتها، وتتعمق مطالب الفيدرالية واللامركزية، ويظل المشهد الأمني قابلًا للاشتعال في أي لحظة.

هكذا تقف سوريا اليوم أمام واقع انتقالي مضطرب؛ تقدمٌ سياسي محدود، تراجع أمني واسع، اقتصاد مثقل بالقيود، ومجتمع يبحث عن صيغة تعيد إنتاج الدولة من دون تكرار مآسي الماضي. وبين وعود الاندماج الوطني وشروط القوى المحلية والإقليمية، يبقى مستقبل البلاد معلّقًا على قدرة السلطة الانتقالية على تحويل هذا العام الأول من التغيّر إلى مسار واضح، وعلى قدرتها في الوقت ذاته على تجنّب انفجار جديد يبدو دائم الاحتمال.

كلمات مفتاحية
الزاوية

الزاوية في خارطة النفوذ الليبية.. صراع محلي يعيد تشكيل موازين القوى في الغرب

لم تعد مدينة الزاوية مجرد ساحة لاشتباكات محلية متكررة، بل أصبحت واحدة من أكثر نقاط التماس حساسية في خريطة النفوذ بغرب ليبيا

صورة تعبيرية

عن العلاقة بين منصات التواصل الاجتماعي والمجمع الصناعي العسكري الأميركي؟

طورت شركات التكنولوجيا خوَارزمياتها بشكل يجعلها تدفع الرِيلز دفعًا في فم وعين وأنف المتابع، لأنها الأقل كلفة، والأكثر ربحية

سبتة

من الحل إلى الإدارة.. كيف أعادت أوروبا صياغة سياستها تجاه الهجرة؟

أخذ الخطاب الأوروبي يركز على إدارة الظواهر والحد من آثارها بدلًا من إنهائها أو معالجة أسبابها

نساء يبحثن بين أنقاض قرية دمرها زلزال المغرب
علوم

من المغرب إلى المشرق.. دول عربية تقع على خطوط الخطر الزلزالي

العالم العربي ليس بمنأى عن الخطر أصلًا. فبحسب تقديرات إقليمية، يعيش أكثر من 30% من سكان المنطقة العربية في مناطق ذات خطر زلزالي متوسط أو مرتفع

كرة القدم
رياضة

حملات محفورة في الذاكرة: أفضل الحملات الإعلانية في كرة القدم

تسعى هذه الحملات إلى جمع عشاق كرة القدم حول العلامة التجارية نفسها، لا حول منتج واحد بعينه

زلزال هايتي
الترا لايت

أعنف 10 زلازل في أميركا اللاتينية.. كوارث حصدت مئات الآلاف

تكتسب هذه القائمة أهمية إضافية مع تعرض المنطقة في 2026 لهزات مدمرة، بينها الزلازل التي ضربت فنزويلا وكولومبيا

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

واشنطن تضغط على حلفائها للاختيار بينها وبين بكين في سباق الذكاء الاصطناعي

تنظر واشنطن إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر من مجرد قطاع اقتصادي واعد، إذ يمكن لقدراته المتسارعة أن تؤثر في الأمن القومي والتفوق العسكري والاقتصادي