سوريا غير الطبيعية

سوريا غير الطبيعية

دمشق في عشرينيات القرن العشرين (Getty)

إن تأمل التاريخ السوري الحديث، سيبيّن لنا أن سوريا خلال تاريخ تكوّنها القصير نسبيًا، مرّت بمرحلتين انتقاليتين، الأولى هي مرحلة الاستقلال وتكوين الجمهورية، التي بدأت عمليًا منذ عام 1936، والثانية بدأت مع عهد الوحدة السورية المصرية (1958)، علمًا أن السنوات الأولى من عهد الانتداب الفرنسي (1920- 1936)، تعتبر نوع من مرحلة انتقالية تأسيسية أيضًا، إن صح التعبير.

سوريا في مرحلة انتقالية منذ تأسيسها حتى الآن

وإذا كانت المرحلة الانتقالية تعريفًا هي تلك المرحلة السابقة لمرحلة دخول البلد في الاستقرار وعودة الحياة الطبيعية، والتي يسود خلالها إجراءات معينة يتم التوافق عليها سياسيًا، بغية البدء بمرحلة دستورية جديدة تترافق مع تكوّن نوع من وطنية سورية، وإجماع وطني عام على عقد اجتماعي جديد، بحيث تظهر ملامح استقرار جذرية وقوية، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، تبيّن أن البلد خرج فعلا من الانتقالي ودخل في الطبيعي، فإن تأمل التاريخ السوري سيبين لنا أن هذا الطبيعي المستقر لم تحظ به سوريا منذ تكوّنها حتى اللحظة، فمع رحيل الانتداب الفرنسي بدأت مباشرة أزمة الحكم الوطني على خلفية نكبة فلسطين، وعدم وجود إطار وطني دولتي يحكم الصراع السياسي في سوريا، في ظل تطلّع أغلب القوى نحو الخارج، إما لملكية لم تكن خبت بعد، أو لحلف تشكّل بمواجهة حلف آخر له أقطابه السوريين أيضًا، أو لتناحر الأيديولوجيات الساعية إلى السلطة في ظل تصاعد المد الشعبوي الراديكالي في كامل الإقليم الذي لم يسمح عمليًا بالانتقال من مرحلة الاستقلال الانتقالية بطبعها إلى مرحلة الدولة الوطنية، بل خرجنا مباشرة من مرحلة انتقالية لندخل في أخرى انتقالية أيضًا، بدأت مع عهد الوحدة السورية المصرية عام 1958 وظلت معالمهما الانتقالية واضحة حتى وصول الأسد إلى السلطة عام 1970، حيث بدأ نوع من مرحلة انتقالية طويلة، بدت وكأنها نقلت البلد من الانتقالي إلى الطبيعي، في حين أنها لم تكن إلا انتقالية في العمق طبيعية في الظاهر.

ما يؤكد الطابع الانتقالي لمرحلة الأسدين التي استمرت أربعة عقود، هو حاجة السلطة للقمع وقانون الطوارئ والعسكرة والدولة الأمنية لضبط الداخل الذي لم ينظر يومًا إلى سلطته بارتياح، فما تأسس في السنوات الخمس الأولى من عقد السبعينات، والذي كان يمكن أن يؤسس لانتقال سوريا من الانتقالي إلى الطبيعي، أجهض عمليًا بعد الدخول إلى لبنان وبدء الصراع المسلح بين السلطة والإخوان، لصالح ولادة الدولة الأمنية التي كرست البعد الانتقالي على حساب الطبيعي.

سوريا ليست أكثر من قُطر مؤقت ينتظر تحقق الوحدة العربية

 ثمة عامل آخر أعاق هذا الانتقال يتعلق بالأيديولوجيا السائدة، فسوريا في عهد الأسدين، وقبله أيضًا، ليست أكثر من قُطر مؤقت ينتظر تحقق الوحدة العربية، أي هي في مرحلة انتقالية معترف بها رسميًا وإيديولوجيا بانتظار الوصول إلى الحلم العربي، وهو ما أعاق عمليًا تشكل الوطنية السورية ضمن الحدود الطبيعية لسوريا سايكس بيكو، ما تجلى في التطلع نحو الخارج وبناء أوراق سوريّة في العراق ولبنان وفلسطين. 

ورغم أنّه في سنوات الأسد الابن نشأ نوع من وطنية سورية، ليس بفعل السلطة بل بفعل التغيرات الخارجية والداخلية وتغير نظرة النخب السورية إلى الداخل، ولكن لم يتح لها الوقت لتتجذر إذ جاءت الثورة السورية لتدخل سوريا أفق مرحلة انتقالية جديدة، ستكون طويلة وقاسية بدورها كما يظهر حتى الآن، وقد تتشابه كثيرًا مع المرحلة الانتقالية التأسيسية في عهد الانتداب الفرنسي (1920 - 1936)، فوقتها لم يكن ثمة وحدة جغرافية أو رؤية وطنية تجمع سوريا، فالدول الطائفية التي أسسها الانتداب برضى قوى طائفية وإقليمية محلية، وحضور الأهلي والعشائري والإقليمي والمناطقي كان أقوى من الوطني، وتشتت أهداف القوى الوطنية بين المحاور الإقليمية وغياب أي رؤية واضحة لشكل الدولة وطبيعتها وحدودها ودستورها ونوعها.. هي سمات أساسية لذاك العهد الذي شهدت بعض سنواته الثورة السورية ضد المنتدب الفرنسي أيضًا.

إن مقارنة اليوم بتلك المرحلة ستدفعنا لنرى أن ثمة تقاطعات لا مجال لنكرانها، فسوريا تتجه يومًا بعد يوم إلى أن تصبح "دويلات" مصغرة، لا يجمع بينها شيء إلا الصلة السورية النظرية، بدءًا من الشمال السوري الخاضع لرؤية وقوى معينة، إلى الجنوب المحكوم برؤية أكثر اعتدالًا، وليس انتهاءً بالمناطق الكردية أو مناطق سيطرة داعش، مرورًا بمناطق الساحل والداخل، إذ تتجه الجغرافيا السورية يوما بعد يوم نحو التباعد والتذرر خاصة إن طال أمد الصراع. وهذا يترافق مع ضمور الوعي الوطني الديمقراطي وتقدّم الوعي المادون وطني الطائفي والقبلي والعشائري، في ظل غياب أي إجماع سوري حول شكل الدولة ودستورها، فهناك من يريد دولة علمانية، وآخر إسلامية، وثالث مدنية بخلفية إسلامية، ورابع مدنية بخلفية علمانية، الأمر الذي يرجح أن سوريا ستعيش مرحلة انتقالية مشابهة لتلك التي عاشتها بين عامي 1920 و1936، بين وحدة وضم إلى أن تولد "كتلة وطنية" جديدة قادرة على أخذ البلد نحو الاستقلال الثاني، والذي نأمل أن يكون بداية ولادة سورية طبيعية لا سوريا انتقالية أيضًا.