سوريا بعد عام على سقوط الأسد: آفاق التغيير وسط مخاوف مستمرة
8 ديسمبر 2025
بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد، تكاد سوريا تمرّ في واحدة من أهم لحظاتها المفصلية منذ استقلالها عام 1946. فمنذ تلك اللحظة التاريخية، عاشت البلاد اضطرابات سياسية حادّة وموجات انقلاب متلاحقة حتى عام 1970 الذي رسّخ حكم الفرد ومنع الحريات والديمقراطية طوال 54 عامًا، قبل أن يسقط في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024.
ورغم فرحة السوريين العارمة بسقوط النظام، لم يتبدّد القلق من اليوم التالي، في ظل غياب رؤية واضحة لمستقبل البلاد، وما إذا كانت تطلعاتهم التي ناضلوا لأجلها عقودًا ستتحقق أخيرًا. وبرغم ذلك، بدا المشهد في الأيام الأولى لتسلّم الإدارة السورية الجديدة الحكم مستقرًا نسبيًا؛ آلاف المهجّرين عادوا إلى ديارهم بعد سنوات النزوح، وفتحت وسائل الإعلام أبواب البلاد بعد أكثر من 15 عامًا من الإغلاق، واتّسع هامش الحريات العامة تدريجيًا، فيما خرج المعتقلون من السجون.
وشكّل إلغاء التجنيد الإلزامي خطوة مفصلية أنهت سنوات من الهجرة القسرية للشباب أو اضطرارهم لدفع مبالغ طائلة مقابل الإعفاء. كما سُمح بالتعامل بالدولار بعد أن كان خطًا أحمر لعقود، وبدأت الدولة حملة واسعة لمكافحة المخدرات وتدمير شبكاتها بعدما تحوّلت سوريا إلى أحد أبرز الدول المنتجة لها. كذلك شهدت البلاد تراجعًا ملحوظًا في القلق الأمني الذي كان يخيّم على الحياة العامة.
غير أن هذه الإنجازات، على أهميتها، لا تمثّل سوى جزء بسيط من تطلعات السوريين، ولا تعكس حجم التغيير الذي ينتظرونه.
رغم فرحة السوريين العارمة بسقوط النظام، لم يتبدّد القلق من اليوم التالي، في ظل غياب رؤية واضحة لمستقبل البلاد، وما إذا كانت تطلعاتهم التي ناضلوا لأجلها عقودًا ستتحقق أخيرًا
غياب الديمقراطية
ورغم أجواء التفاؤل التي رافقت المرحلة الأولى بعد سقوط النظام، بدأت البلاد تميل تدريجيًا نحو نمط جديد من حكم الفرد، مع تركّز الصلاحيات بشكل كامل بيد رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع. فقد جمع الشرع بين مواقع رئيس الجمهورية والقائد العام للجيش ورئيس مجلس الأمن القومي، إلى جانب صلاحيات تنفيذية واسعة أخرى.
ويمتلك الشرع حقّ تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب مباشرة، فيما يُنتخب الثلثان المتبقيان عبر هيئات ناخبة شكّلها بمرسوم، الأمر الذي يفقد العملية الانتخابية مضمونها التمثيلي. كما يعين السلطة القضائية العليا، وتخضع له أهم المؤسسات الاقتصادية في الدولة، مثل صندوق السيادة وصندوق التنمية ومؤسسات الاستثمار.
وتشكّلت الحكومة الانتقالية بقرار مباشر من الشرع، من دون تعيين رئيس وزراء، إذ احتفظ لنفسه أيضًا برئاسة الحكومة. أمّا الوزارات السيادية الأربع، الخارجية والداخلية والدفاع والعدل، فبقيت في يد شخصيات مقرّبة منه. وبذلك جاء تمثيل المكوّنات السورية شكليًا ورمزيًا، لا يعكس مشاركة حقيقية في السلطة.
وبعد حلّ جميع الأحزاب خلال "مؤتمر النصر"، وفي ظل غياب قانون أحزاب جديد يسمح بإنشاء قوى سياسية وتنظيم الحياة الحزبية، تبدو الساحة السورية خالية من أي عمل حزبي منظم، باستثناء إدارة الشؤون السياسية.
العدالة الانتقالية والمفقودون
تبقى المعضلة الأكبر أمام السوريين هي العدالة الانتقالية وملف المفقودين والمغيّبين قسرًا. وبعد عام على سقوط النظام، لم تُتخذ أي خطوات عملية حقيقية في هذا الاتجاه، رغم أن هذا الملف يشكّل الهاجس اليومي لعشرات آلاف العائلات المنتظرة لمعرفة مصير أبنائها منذ سنوات طويلة.
غياب الإرادة السياسية، وتقديم ملفات أخرى على هذا الملف، يولد شعورًا عامًا بأن العدالة تُؤجَّل مرة أخرى، وأن ضحايا العقود الماضية مستثنون من الأولويات الحالية رغم أن العدالة هي الأساس لأي مصالحة وطنية حقيقية.
هذا الغياب في تطبيق العدالة الانتقالية شكّل حالة من العنف المتولِّد والمستمر في البلاد، نتيجة الاغتيالات وأعمال الانتقام الشخصي في ظل غياب المحاسبة والرقابة الفعلية، ما أنتج موجة جديدة من العنف والقلق الأمني وحالات الثأر والثأر المضاد.
كما أن ملف المفقودين يعاني في ظل تشتّت وتعدّد المراكز الحقوقية التي يحتفظ كلٌّ منها بملفات تتعلّق بمصير آلاف المفقودين، وتُنشر هذه الملفات على وسائل التواصل من قبل مؤسسات فردية، من دون أن تُجمع بشكل مركزي من قبل وزارة العدل أو الهيئة الوطنية للمفقودين، أو يُعلن عن مصير المغيّبين بشكل رسمي.
التدخلات الخارجية وتفكك المجتمع
رغم سقوط النظام، لم تتراجع التدخلات الخارجية، بل على العكس ازدادت تعقيدًا. فالتوغّلات الإسرائيلية تكاد تكون شبه يومية في الجنوب السوري، مع احتلال مناطق استراتيجية وبناء قواعد عسكرية من دون وجود استراتيجية وطنية واضحة لصدّها أو التعامل معها.
كما يعتمد جزء من القرار السوري على دعم خارجي لمواجهة تدخل خارجي آخر، وهو ما يجعل البلاد أكثر ارتهانًا للخارج، كما يظهر في العلاقة مع الولايات المتحدة التي بات تدخلها يأخذ شكلًا أقرب إلى الوصاية عبر وجود قواعد عسكرية منتشرة على الأراضي السورية. أما الوجود الروسي فقد حافظ على استمراريته وثبّته رغم ارتباطه ودعمه للنظام السابق.
تبقى المعضلة الأكبر أمام السوريين هي العدالة الانتقالية وملف المفقودين والمغيّبين قسرًا. وبعد عام على سقوط النظام، لم تُتخذ أي خطوات عملية حقيقية في هذا الاتجاه
وإلى جانب ذلك، تشهد البلاد حالة من التفكك المجتمعي العميق، في ظل ارتباط بعض القوى الداخلية بالخارج. ففي السويداء يتزايد التعويل على الدعم الإسرائيلي لدى بعض الأطراف، وفي شمال شرق سوريا تعتمد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على الأميركيين بشكل مباشر.
وفي مختلف المناطق ينتشر خطاب طائفي يهدد بإعادة إنتاج الانقسامات التي عاشتها البلاد سنوات طويلة، وسط غياب جهود فعّالة لمواجهة هذا الخطاب، الذي يُعد أحد أسباب الانتهاكات والمجازر في كلّ من الساحل والسويداء، ما أعاد القلق مجدّدًا لدى شرائح واسعة من المجتمع السوري.
بعد عام على سقوط النظام السابق، تبدو الصورة السورية شديدة التعقيد، تجمع بين خطوات إصلاحية ملموسة، وتحديات سياسية وأمنية واجتماعية ما تزال قائمة. فبين مكاسب أولية تتعلق بعودة جزء من المهجّرين، وتحسّن نسبي في الحريات العامة، وتراجع مستويات الخوف الأمني، تقف البلاد أمام اختبارات صعبة تتعلق ببناء مؤسسات دستورية مستقلة، وإرساء قواعد الحياة السياسية، وتطبيق العدالة الانتقالية، وضبط التدخلات الخارجية، ومعالجة الانقسام المجتمعي.
ورغم التباين الكبير في تقييم السوريين لهذه المرحلة، إلا أنّ الثابت أن البلاد تقف اليوم على مفترق طرق حاسم، يتطلب وضوحًا في الرؤية، وتوافقًا وطنيًا واسعًا، وخطوات عملية تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، بما يحدد ملامح سوريا الجديدة في السنوات المقبلة.