"سودانيون بلا ملجأ".. وثائقي يفك شيفرة الترحيل القسري للاجئين السودانيين

يعرض برنامج "شيفرة" مساء كل يوم اثنين (التلفزيون العربي)

سودانيون دفعتهم الظروف السياسية والأزمات الاقتصادية للهرب. ظن بعضهم أن اللجوء إلى أي بلد خارج الحدود السودانية فيه الخلاص، لكن أحلامهم اصطدمت بواقع مرير؛ من ظروف معيشية سيئة كلاجئين إلى اعتقال وترحيل قسري للسودان مرة أخرى، بمن في ذلك المطلوبون سياسيًا للنظام السابق قبل عزل عمر البشير.

يعرض فيلم "سودانيون بلا ملجأ" من إنتاج التلفزيون العربي، قصص سودانيين تعرضوا للترحيل القسري من بلاد المهجر واللجوء

"سودانيون بلا ملجأ" هو عنوان وثائقي من إنتاج التلفزيون العربي، ضمن أفلام برنامج شيفرة، يكشف تفاصيل قصص مختلفة لسودانيين تعرضوا للترحيل القسري والاعتقال والتفريق عن عوائلهم، وخاطر بعضهم بالهجرة دون أوراق ثبوتية هربًا من نظام عمر البشير، وبحثًا عن أرض تمنحهم الأمان.

اقرأ/ي أيضًا: وثائقي "لعبة الحصار".. أسباب حصار قطر وتفاصيل مخطط الغزو العسكري

يتناول الفيلم بالتحديد أزمة ترحيل المئات من السودانيين من الأردن عام 2015، وبالتعاطي مع قصة ترحيل الناشط السياسي محمد البوشي كنموذج للترحيل القسري الذي تم للنشطاء السودانيين من مصر. يروي التحقيق التلفزيوني فصلًا هامًا من فصول إرهاصات ثورة الشعب السودان، وأزمات عدة مر بها السودانيون حول العالم.

اعتصام الأردن

بداية أوضح الوثائقي الفارق بين طالب اللجوء، وهو الشخص الذي تقدم للمفوضية السامية للاجئين، واللاجئ وهو الشخص الذي حصل على موافقة المنظمة وفي انتظار التوطين في بلد ثالث. ثم انطلق الفيلم لنعرف منه ماذا حدث عام 2015 في الأردن. 

في 2015 شهد الأردن أكبر أزمات ترحيل اللاجئين السودانيين خلال السنوات الماضية. بدأت الأحداث في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2015، بعد أن قرر المئات من السودانيين اللاجئين في الأردن- نحو 1300 سوداني- الاعتصام أمام مفوضية اللاجئين، لحث المفوضية على التسريع في التوطين في بلد ثالث، فالأردن ليس بلد توطين، بل فقط للمرور. ووفقًا لضيوف الوثائقي، فإن الفلسطينيين والسوريين يحصلون على استجابة أسرع من المفوضية.

أكد على ذلك محمد الحواري، الناطق الرسمي باسم مفوضية اللاجئين في الأردن، إذ قال: "الأمور كانت أسهل بشكل ما في السابق، وكانت الخطوات تتم بسهولة، فبعد منح الشخص صفة اللجوء يمكنه التوطين بعد نحو ثلاثة أشهر، لكن في السنوات الأخيرة هناك دول كثيرة ترفض قبول طلبات لجوء السودانيين". 

وتابع الحواري: "الأمر ليس بيد المفوضية وبعيد عنها، وكان من الضروري فك الاعتصام، الذي شهد سوء أحوال صحية لبعض الأطفال داخله، وكذلك لأن القوانين الأردنية تعطي الحق للشرطة في فض الاعتصام".

وحدث بالفعل فض الاعتصام، واقتحمت قوات الأمن الأردنية في 16 كانون الأول/ديسمبر 2015 الاعتصام أمام المفوضية، معتقلةً المئات بعد حصار ضربته على الاعتصام فمنعت دخول الطعام للمعتصمين. 

وخلال الفض احتجزت السلطات نحو 800 لاجئ سوداني، تم نقلهم إلى أماكن احتجاز قرب مطار الملكة علياء. وسرت شائعات بين المحتجزين وآخرين خارج الاعتصام، أن الاحتجاز في المطار خطوة للترحيل لكندا، لكن الحقيقة أنه خطوة للترحيل إلى السودان.

يكشف الوثائقي أنه على مدار ثلاثة أيام تم ترحيل نحو 800 لاجئ. وادعت السلطات الأردنية والسودانية أن المرحلين ليسوا لاجئين، وأن وجودهم غير قانوني، رغم أنه كان من بين المرحلين نحو 200 مطلوبٍ سياسيٍا للسلطات السودانية، تم اعتقال أغلبهم وتعرضوا للتعذيب.

ولم يكن للترحيل القسري تأثير سلبي على السياسيين فقط، لكنه تسبب أيضًا في تفريق بعض العائلات، من بينها عائلة بابكر محمد، وهو لاجئ سوداني في الأردن قال إن السلطات الأردنية قررت ترحيل زوجته، بينما ظل هو في الأردن. ومنذ 2015 لم يتقابل مع زوجته وجهًا لوجه.

فيلم سودانيون بلا ملجأ

في المقابل نفى تاج الدين إدريس، وهو أحد المرحلين من الأردن، الرواية الرسمية للسلطات الأردنية والسودانية حول الحادث، قائلًا: "عدد كبير من المرحلين كانوا لاجئين، وعددهم يفوق الـ800 سوداني". 

هذا وقد أظهرت بعض الوثائق التي عرضها الفيلم، التزام بعض المرحلين بالأوراق الثبوتية التي تعطي لهم الحق في الاستمرار في المعيشة بالأردن، ما يؤكد عدم دقة الرواية الرسمية.

وقال السوداني تاج الدين إدريس، إنه تعرض للتعذيب بعد وصوله للسودان. وبعد فترة اعتقال أخلي سبيله، بعد أن تم التأكد من أنه لم يتحدث لوسائل الإعلام. لكنه لم ييأس، فقرر الهرب إلى مصر، ومنها لأحد الدول الأوروبية عن طريق مراكب الهجرة.

قصة كل من تاج الدين وبابكر، ما زال فيها خط للرجوع. لكن خالد عبدالدائم، لم يعد يمكنه استعادة شقيقه نور، الذي رُحّل من الأردن إلى مصر ثم إلى السودان، ثم كرر محاولة الهروب عن طريق مصر إلى أوروبا، لكنه في النهاية مات بعد غرق المركب الذي كان عليه.

البوشي في مصر

محمد البوشي، وهو معارض سوداني اعتقل عدة مرات. قرر السفر إلى مصر، وتقديم طلب لجوء فيها للحماية. ظل البوشي يعارض نظام الرئيس المعزول عمر البشير من القاهرة، حتى تفاجأ أصدقاؤه وعائلته باختفائه في تشرين الأول/أكتوبر 2018. 

على إثر ذلك طالبت هيومن رايتس ووتش، ومنظمات حقوقية أخرى، السلطات المصرية بالإفراج عن البوشي وعدم تسليمة للسلطات السودانية. لكن ما حدث، وفقًا لما كشفه الوثائقي، أن السلطات المصرية لم تكتفِ بترحيل البوشي فقط، بل إنها هددت أيضًا نشطاء آخرين في القاهرة بالترحيل حال معارضتهم العلنة للنظام السوداني.

فيلم سودانيون بلا ملجأ

ويفك البوشي في الوثائقي شيفرة ترحيله من مصر، فيقول: "في ليلة الـ10 من تشرين الأول/أكتوبر، اقتحم عدد من أفراد الشرطة المصرية منزلي في القاهرة، وتم اصطحابي معصوب العينين لمكان مجهول، فوجدت بعد ذلك أنني في المطار وأمام طائرة خاصة صغيرة، واستلمني ضابط سوداني". 

يضيف البوشي: "فور وصولي للسودان تعرضت للتعذيب، ووجهت لي العديد من الاتهامات الملفقة، واستمر سجني حتى صدر قرار من المجلس العسكري السوداني بالإفراج عن جميع المعتقلين عقب عزل عمر البشير". 

ليست هناك إحصائية رسمية حول عدد المرحلين السودانيين إلى السودان، لكن وفقًا لمنظمة اللاجئين السودانيين حول العالم، وهي مؤسسة مستقلة، فإن عدد المرحلين من اللاجئين السودانيين أو طالبي اللجوء، كان بالآلاف من عدة دول حوال العالم، منها على سبيل المثال: 1316 سوداني من الأردن، و2500 سوداني من مصر ومن 200 من النيجر و280 من عدد دول أوربية. وأغلبهم تعرض للتعذيب بعد وصولهم للسودان.

كشف وثائقي "سودانيون بلا ملجأ" عن أن أكثر من 1300 سوداني رحلوا قسرًا من الأردن، ونحو 2500 رحلوا قسرًا من مصر

آلاف الحالات والنماذج لشباب سوداني يواجه صعوبات كبيرة في الحصول على اللجوء، يعتقد كثيرون منهم الآن بعد عزل عمر البشير، أن السودان سيتغير للأفضل، فهل تشهد بلادهم تغيرًا فعليًا، أم أن مئات، بل آلاف من شباب وادي النيل سيظل بلا ملجأ؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

"مركب رشيد".. تفاصيل جديدة بتوثيق كامل على التلفزيون العربي

"بوليغراف" على التلفزيون العربي.. جهاز كشف الشائعات والأخبار الكاذبة