سوبريم وكارليل.. أزياء برائحة دم وبارود حروب الإمبراطورية الأمريكية

سوبريم وكارليل.. أزياء برائحة دم وبارود حروب الإمبراطورية الأمريكية

تُموّل أزياء سوبريم من صناعة الحروب (Highsnobiety)

اعتادت العرب القول بأن "السيف أكثر إنباء من الكتب". هذا ما يتأكد بملموس الواقع، فعندما يقال هنا والآن، إن الحرب اكتست حلة، فلا يكون في ذلك تلمس أي مجاز، ولا بسط أي شاعرية. بيد أن الواقع، هو فعلية القول في قضية علامة/ماركة سوبريم "Supreme" التجارية العالمية الشهيرة. فما علاقة سوبريم كعلامة تجارية عالمية لصناعة الملابس والأزياء، بصناعة الحرب؟

دأبت شركة كارليل التي استحوذت على شركة سوبريم، على توظيف رؤوس عالم السياسة الأمريكية، إتمامًا لثالوث: المال والسياسة والحرب

تعود القصة إلى نهاية العام الماضي، تحديدًا في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر 2017، عندما اهتز عالم الموضى على وقع الصفقة الحدث، حين بيعت 50% من أسهم سوبريم للعملاق العالمي كارليل المتخصص في الخدمات المالية، ما رفع قيمة العلامة التجارية إلى مليار دولار في سوق المعاملات.

اقرأ/ي أيضًا: جرائم شركات الملابس في بنغلاديش.. هدر حقوق العمال والأرض لأجل السلع الرخيصة!

إلى هنا يبدو أن كل شيءٍ طبيعي: استحواذ عادي من عملاق مالي على شركة صناعة ملابس وأزياء. غير أن هذا العملاق المالي، له أنشطة سفلية! فيما أن النشاط الرئيسي لمجموعة كارليل هو الاستثمار في شركات ذات قيمة صغيرة أو متوسطة، ثم الرفع من قيمتها في سوق المعاملات، ثم بيعها مجددًا، وتحقيق الأرباح. كان هذا هو المبدأ الأساسي الذي نشأت عليه ومن أجله كارليل أول الأمر.

صناعة الوحش

عرفت حقبة الثمانينات نهاية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وعليه انتهاء سباق التسليح الفجّ بين الطرفين. وفي الجانب الأمريكي كانت سوق الاستثمار في السلاح تعرف كسادًا بعد انتهاء موجة الطلب الشره عليها، بالتالي كان أول استثمار لشركة كارليل شراء "فيرتشايلد" شركة صناعة حربية واستخباراتية أمريكية.

عامان بعدها وستندلع حرب الخليج، وستكون شركة فيرتشايلد بطلة المشهد، حاصدة أرباحًا ضخمة، ما جعلها صفقة أحلام مجموعة كارليل، ومسلكها لإدمان طعم الدولارات المغمسة بالدماء.


كان فرانك كارلوتشي قبل وفاته على رأس مجموعة كارليل، وكان هو نفسه مستشار الدفاع لريغان 

بهذا الشكل بدأ اهتمام كارليل بالصناعات الحربية وتجارة السلاح كما يوضح الصحفي الاستقصائي دان بريودي في كتابه "المثلث الحديدي". ودأبت على توظيف رؤوس عالم السياسة الأمريكية والعالمية، إتمامًا لثالوث الربح في هذه التجارة: المال السياسة والصناعات الحربية.

لهذا الغرض تواجد فرانك كارلوتشي، مستشار دفاع إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، والرجل ذو السمعة الشهيرة في  دفع الانقلابات العسكرية بأفريقيا، والتآمر على القيادات الشعبية الثورية وتصفيتها؛ على رأس مجموعة كارليل. وكان ذلك إيذانًا بأن الوحش بلغ ضخامته ليأكل كل شيء.

أنشأ كارلوتشي للشركة شبكة واسعة من السماسرة حول العالم، موزعين حسب اختصاصاتهم، ما بين موظفين رسميين وآخرين يعملون بشكل حر؛ يتلقون العمولات، وأحيانًا الرشاوى، مقابل خدماتهم التي يقدمونها لأصحاب المال، وجورج بوش الأب خير مثال على هذا.

مع شره كارليل وحاجتها لضمان ربح أنشطتها، اندفعت بشراهة كي لا تقتصر في توظيفها على رجال السلطة والدفاع السابقين، بل لإنتاج رجالات المشهد الأمريكي كما كان في حالة كولن باول، الذي ثبت تعامله المكثف مع المجموعة، ليشغل بعدها منصب مستشار الدفاع في إدارة جورج بوش الابن. وعليه كانت لكارليل الهيمنة الكاملة على سياسات الدفاع والخارجية الأمريكية، بشكل يمكن القول من خلاله إن كارليل هي التي كانت تحكم عالم حروب العولمة بشكل أو بآخر.

وجه آخر لحكم كارليل

في عام 1997 تم شراء شركة "UNI للصناعات العسكرية" من قبل العملاق كارليل، وبعدها بأربع سنوات سيسكن جورج بوش الابن البيت الأبيض وسيسوس كابتول هيل، وما طبع مرحلتها الأولى من تجدد السباق الأمريكي للتسليح. ألقى حينها الرئيس  بوش الابن خطابه، قائلًا: "رجال ونساء الجيش يحتاجون تسليحًا أفضل وتدريبًا أفضل؛ لهذا سيتم زيادة ميزانية الدفاع بـ48 مليار دولار".


تموّل إنتاجات سوبريم في الأزياء، من أموال صناعة الحروب التي تمتهنها شركة كارليل

48 مليار دولار موجهة في جزء كبير منها إلى جيوب شركات التسليح، من بينها شركة UNI ببرنامجها الصاروخي "Crusader"، والذي وجهت له الانتقادات خاصة من خبراء السلاح، كونه لا يناسب متطلبات الجيش الأمريكي، ولا يصلح للحروب التي اعتادات الولايات المتحدة خوضها.

بالرغم من ذلك، كسب بوش الابن معركة الكونغرس، وانتزع الميزانية حسب ما كان يخطط. في ذلك الوقت كانت السيناتور سينثيا ماكيني تخوض حملة لكشف مستور صفقة الدولة مع كارليل، وأن جورج بوش الأب طرف رئيسي فيها.

واجهت سيناتور ماكيني حملة تشهير هوجاء من قبل الصحافة الأمريكية، بلغت حد اتهامها في إخلاصها للوطن. كما عُرقل ترشحها لولاية ثانية بتآمر جمهوري ديمقراطي، وتلاعبٍ بالكتلة الناخبة داخل ولاية جورجيا.

بينما أحدثت تقارير سينثيا ماكيني ضجة وسط الكونغرس بغرفتيه، سُلّط من خلالها الضوء على علاقة إدارة بوش بالشركة المذكورة. ونجحت هذه الحملة في دفع البنتاغون لوقف برنامج صواريخ "Crusider"، لكن بعد أن حققت UNI نموًا كبيرًا، عاد على كارليل بأرباح تقدر بـ270 مليار دولار.

برئاسة فرانك كارلوتشي، عام 2003، كانت كارليل دينامو حرب غزو العراق، لما مثّل لها دمار الأرض العربية من فرصة سانحة لتحقيق مزيدٍ من الأرباح. هكذا تبدو تعاقداتها في تلك الفترة مع الجيش الأمريكي بأرقام مهولة، بداية من مكاتب الاستخبارات الخاصة بقيادة جيمس بيكر، إلى عقود التزويد باللوجستيات وتوريد السلاح. كل هذا ولن تقف الأرباح عند هذا الحد، لتتم مكافأة هذا العملاق بصفقة قيمتها مليار دولار، وبشكل ساخر، أُعلن أنها بغرض إعمار العراق!


كانت شركة كارليل أبرز المستفيدين من الغزو الأمريكي للعراق

ليس هناك وثائق تُثبت ضلوع كارليل في قرار إعلان الحرب على العراق، غير أن كونها المستفيد الأكبر منها، يحيل إلى الشك: أصُنعت هذه الحرب في مكاتب كارلوتشي وبيكر؟!

أزياء من لحم ودم

"في إطار تنمية علامتنا التجارية، وقع الاختيار على كارليل التي لها الخبرة الكافية كي توصلنا إلى هذا الهدف"، صرح جيمس جيبيا مؤسس شركة سوبريم لموقع "BoF".

واعتبارًا بقوانين السوق، فلا غضاضة في هذا كله، ولا حرج قانونيًا، غير أنه بالاستدراك بما كشف من معلومات، يدفع لطرح سؤال: أليس ثمة ما وراء هذا كله؟

كون شركة كارليل المستفيد الأكبر من الحرب على الأمريكية على العراق، يحيل إلى الشك: أصنعت هذه الحرب في مكاتب ملاك كارليل؟

الربح في صيغته المباشرة هو ما يحكم هذه الصفقات، لكن في هذه الحالة هو ربح مغمس بالدماء، حرفيًا لا مجازًا، وخاصة في العراق. لذا ليس من قبيل المبالغة القول إن منتجات سوبريم في الملابس والأزياء، إنما حيكت بالجلود المسلوخة في الحروب.

لن تكون هذه مفاجأة بالحجم الذي يمكن توقعه، لدى من يستهوي موضة الـ"هيب هوب" وسترات سوبريم التي يصطف الناس بالطوابير لتحصيلها لدى كل طرح جديد. خاصة أن العالم، منذ الحرب العالمية الثانية على الأقل، اعتاد على مثل هذا الخلط الفضائحي المعلن بين عالم الاستثمار "الحر" وتجارة الحرب. إذ يكفي الاستدلال بمفارفة سكوت الولايات المتحدة بقيادة الرئيس روزفلت لسنوات عن حملات الإبادة الجماعية التي أقامها الرايخ الثالث. بل واستمرت واشنطن آنذاك في دعم إيطاليا موسوليني بالنفط خلال تلك الحرب. إلى أن حلت لحظة تهديد سياسة الباب المفتوح في اليابان، بالتالي استنهضت واشنطن ماكينتها الحربية بدعوى الدفاع عن من حرقتهم ماكينة هتلر بداعي التفوق العرقي، بينما الجيش الأمريكي نفسه آنذاك كان ينقل جنوده الأفارقة الأمريكيين في الغرف المجاورة لمحركات البواخر، بل ويفصل دماءهم في بنك الدم التابع للصليب الأحمر عن دماء جنوده البيض، بداعي التفوق العرقي أيضًا!

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيف أصبحت دبي ملاذ عصابات تهريب الماس الإسرائيلية؟

كيف انتعشت شركات التبغ الأمريكية في مناطق النزاعات؟