ستانيساو هورنو بوبلاوسكي/ بولندا

انتصر الليل واستشرى الألم في جسدها كعادته. كل ليلة رائحة القيء النتن وعلب الأدوية الفارغة وتلك الوسادة القانطة من رأسها الأقرع. كل ما يحيط بها يزيدها نفورًا من الحياة وإصرارًا على خوض رحلة أبدية نحو الموت. سئمت كل شيء حتى ذلك الضجيج الذي يربك في كل ليلة محاولاتها في كي تسترق لحظة عابرة من النوم. وضعت الوسادة فوق رأسها وتكومت داخل الغطاء، لكن بدون جدوى. صوت تلك القهقهات التي تخنقنها وتحاصرها كشبح يرافقها، وتلك العاهرة التي تسكنها والتي مزقت روحها قطعة قطعة تتجول في حدائق ذاكرتها الضيقة، هزتها رياح قوية من فراشها إلى هناك، لكن سرعان ما وجدت نفسها واقفة أمام غرفة كلما أغلقت بابها فتحه ظل الماضي الذي يطاردها.

كان يوم مشع في هدوء والسماء تعانق لونها الأزرق فرحة بعرس ألوان قوس قزح المتحررة من أسرها، والشمس تطل من بعيد بأجنحتها الذهبية الحالمة على فرحة الحياة المزهرة، التي لا تضاهي فرحة الطفلة سعيدة بدمية صنعتها لها جدتها من القماش والصوف، وهي جالسة مع صديقتها عائشة بالقرب من سور الدار، يفترشن قطعة حصير زينته الثقوب المتآكلة الجوانب، تمشط بأناملها الرقيقة شعرها البني لتصنع ضفيرة، ثم تعانقها وتحكي لها ببراءة عن فارس أحلامها الذي سيأتي بحصانه الأبيض ليصطحبها إلى حياة أخرى وراء السحب البعيدة كما تقول جدتها، يأتي في نهاية كل كابوس ليحملنا إلى هناك. أخبرتها أنها ستظل معها دائمًا، وأن جدتها وعدتها بأن تصنع لها هي أيضًا عريسًا يشبه فارسها.

سخرت عائشة من قولها وأخبرتها بأن والدته قالت لها في إحدى الليالي بعدما نال منها والدها ضربًا أنها ستعاقبها إذا ما طلبت منها أن تحكي لها حكاية قبل النوم، وأنه لا وجود لفارس في الواقع الذي نعيشه ولا قصر من زهور، بل إن الأمر موجود بالحكايات فقط والتي أغلبها كذبة صنعها شخص من وهم لننام بسرعة، ويحرمنا من متعة السهر الجميلة، هي حكاية لا يجوز أن نستسلم لها إلى في وقت النوم وإلى سنعيش في الوهم الحياة بأكملها. وأخبرتني أيضًا أن هناك وحوشًا مفترسة كوالدي في هيئة رجل وليس فارس. سألتها كيف ذلك أمي، لكنها لم تجبني.

بقيت كلمات عائشة تترد في عقل سعيدة الصغير ليجترها خوف كبير، والتي لم تستطع فهم شيء منه مند يوم امتنعت هي أيضًا عن النوم بالقرب من جدتها وسماع حكاياتها. وفي أحد أيام تشرين الفارغة من نسيم الحياة كانت سعيدة تجلس في صمت تتأمل أنامل جدتها الخشنة وهي تراقص بلطف خيوط الصوف لتنهي الرقصة بعقدة، "سألتها لم العقدة جدتي؟". ابتسمت بهدوء كعادتها لتحافظ على متانة ما نصنع ويبقى صامد مهما استغله البشر، ثم أكملت عملها ونظرات سعيدة تطوقها، قاطع سهوها صوت الجارة حادة الخشن: "سلام عليكم أملين الدار"، ومعها بعض النساء الأجنبيات ألقت الجدة التحية واصطحبت ضيوفها إلى الصالة. استغلت سعيدة انشغال جدتها بالحديث عن عقم الجار السعدية وعن زواج زوجها بشابة من مدينة وسفره المتواصل لزيارتها، وتسللت إلى المطبخ للبحث عن كيس الشعير التي كانت تخفيه جدتها خوفًا من أن تطعمها لصغار الدجاج، وأخيرًا وجدتها قالت سعيدة فرحة وهي تحاول فك العقدة قاطعها صوت جدتها سعيدة: "فينك ابنتي؟".

أعادت الكيس إلى مكانه واتجهت مسرعة إلى الصالة. قالت الجدة بفخر واعتزاز: "هذه هي بنت ولدي رحمه الله"، وجلست بالقرب من جدتها تتفحص بعيونها البنية النساء الموجودات بالصالة ولباسهن العصري البهيج الذي لم ترمقه عيونها من قبل.

أضافت الجدة: "إلا مكنيتش غادي تهلاي فيها تبقى معايا حسن".

لم تفهم سعيدة شيء مما يدور حولها. قالت إحداهن: "لا عليك سيدتي ستكون في نعيم وفيما يخص راتبها سيصلك بإذن الله في نهاية كل شهر.. غدًا سأعود لاصطحابها في تمام السابعة صباحًا".

ثم غادرن الدار.

قالت الجدة فرحة: "سعيدة بنيتي فرحي وسعدي أخيرًا سيضحك لك الحظ وستنعتقين من ضجر هذا الدوار المتخلف وهذه الحياة القاسية، ستذهبين للاشغال في بيت إحدى النساء الغنيات بالمدينة. هناك ستبدئين حياة حقيقة تحولك إلى فتاة أكثر قيمة، ولن تجدي نفسك مضطرة للعيش مع رجل في سنّ جدك كما وقع لصديقتك عائشة. أنا هرمت ولم أعد قادرة على غزل الصوف أو غسله، ولا حتى شم رائحته التي أصبحت تخنق أنفاسي حد الموت، وبصري قلّ نظره.. أملي في الله وفيكِ بنيتي تعيليني حتى يأتي أجلي".

"لا جدتي أطال الله عمرك"، قاطعتها سعيدة وانصرفت باتجاه غرفتها. لم تنم تلك الليلة بقيت تفكر فيما قالته جدتها إلى أن تسلل نور الفجر من نافذتها ليرسم على الجدار رقعة من أمل مجهول وفارغ. نهضت من الفراش باتجاه سطح الدار وقفت بشموخ فتاة بدوية لم تخلق لتهزم تتأمل آخر ألوان الحياة التي لم تكن يخيل إليها يومًا أنها عديدة ومتحولة بتحول الفصول والوجوه والضمائر وهي شاردة تنظر من بعيد إلى المنازل المتنافرة وإلى الحقول الممتدة. سمعت صوت محرك سيارة رمت ببصرها إلى الأسفل لتظهر لها المرأة الأنيقة التي غادرت أمس قبل أن تودع سعيدة. جدتها انهمر الدمع من عينيها وصرخت: "لا تتركيني جدتي أرجوك أخاف الطريق بدونك.. جدتي كيف سأنام في فراش لا أشم فيه رائحة أناملك كيف أتنفس هواء الصباح دون ابتسامتك.. جدتي امسكي يدي دعيني أختبئ وراء ثوبك كعادتي حين أخاف رائحة الأرض والكروم والمواشي والحبوب.. كيف سأعيش جدتي؟".

لكن صراخها لم يكن إلا تنهيدة جبانة تتجول داخلها وتخنقها.

في الطريق، أخدت سعيدة تحدق بدميتها المرمية في كيس بلاستيكي، وبعض من الثياب ليملئ ثغرها العريض ابتسامة خافتة وجافة. وعند الوصول إلى بيت السيدة حنان، وكان هذا اسمها الذي لم تعرفه سعيدة إلا من خلال زوجها السيد كمال الذي عقد حاجبيه أول ما رأى سعيدة.

قالت حنان: "هذه هي الخادمة الجديدة.. لا تزال صغيرة نروضها على طريقتنا". وضحكت لم تفهم سعيدة شيئًا كالعادة.

أحنت رأسها وانتظرت حاملة كيس أغراضها بالقرب من الباب، حتى أشارت السيدة حنان بانصرافها إلى الغرفة المجاورة للمطبخ. لم تكن تلك الغرفة مألوفة لها. لا صوت الصمت فيها ولا رائحتها التي حبست أنفاسها، بل حتى لون جدرانها كان غريبًا لم يسبق أن شاهدته ولا أحسته. لون عجزت عن تمييزه وذلك النور المتسلل من النافدة، لم يكن يضيء شيئًا في عتمة قلبها.

كانت أيام صعبة تتأرجح بين صراخ السيدة حنان وتوبيخها وأشغال البيت، التي لا تنتهي. كان السيد كمال قليل الكلام وهادئًا ذا نظرات ثاقبة ووسامة مفرطة، تجعله يخترق قلب كل من أبحر في تقاسيم وجهه المتوهج. وحتى سعيدة لم تنفلت من وسامته، التي أصبحت تجذبها يومًا بعد يوم وذكرتها بأنوثتها، التي كانت قد نسيتها من فرط الهموم.

إحساس رهيب سكنها أنساها ضجر الأيام أصبحت تنتظر في شوق عودته من العمل لتضع له وجبة العشاء بكل تفاصيل الحب المريبة تترقب التفاتة إليها في أحر من الجمر، لكن حنان كانت تعكر صفو رغبتها التي كادت أن تصيب عدة مرات ضعف كمال الرجل أمام كيد امرأة شابة وداهية وفاتنة.

بعد مرور الأيام، أصبحت علاقة حنان بكمال متدهورة. صار يدخل البيت متأخرًا، وغالبًا فاقدًا للوعي وينام في غرفة الجلوس، ويخرج باكرًا إلى أن يجيء المساء ولا أحد يعلم سبب هذا التغير، الذي جعل كل الناس يستغربون منه ومن حاله، الشيء الذي زاد من حظوة سعيدة في التقرب منه ومواساته، ما دام أن زوجته فشلت في ذلك. لم لا أحاول إخراج المسكين من معاناته. قالت في نفسها آملة في الفوز بليلة بين أحضانه تطفئ لهيب قلبها الجاف. كانت ليلة متمردة عن كل ما يحيط بها هي وهو لا أحد غيرهما في غرفة لم تزرها الشمس يومًا، باتت مرتعًا للحشرات وللفئران الضالة وللبدوية سعيدة. أول مرة ينتعش جسدها الميت برحيق رجل، وما تريده هي وما اختارت أن تحسه ليلتها. كانت سعادتها في حجم الليل الذي جرح لونه الأسود بكارة وعذرية السماء، وبحجم الكبت الذي جعل الجنس يملأ الحقول والخلاء والسطوح والأزقة الضيقة والمنازل المهجورة وجوانب القبور وبين شقوق الخواء ليحول القلوب من فارغة إلى معتمة.

صار كمال يلجأ إلى سعيدة في كل ليلة اشتعلت نيران خفية تجعل من الإنسان كومة من الرغبات، التي لا تنتشي إلا بما عتق وعصر من كروم.

سألتها: "وماذا عن زوجته؟ كيف كانت ردّ فعلها عندما علمت بعلاقتكما؟"، ردت كان يحبها كثيرًا لدرجة اختار خيانتها عوضًا عن قتلها، وأنا اخترت قتله لأنه يحبّها. "السرطان مرض يقبل العلاج" قلت لها. وبابتسامة امرأة بدوية لا تخلق لتهزم: "لم أهبه يومًا. السرطان هو الذكرى الوحيدة المتبقية من جسده وعشقه الزائف. ما يرعبني حقًا هو هذا الحب الذي لا يزال يعيش على أمل لقائه حتى وهو ميت، هنا أو هناك لا فرق، المهم أني أحببت، هل سبق وأحسستِ بالحب؟ لا أريد الحديث بهذا كل ما يشغل بالي الآن.. قرار محاكمتي غدًا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

ساق إبراهيم

لا أعرفُ كيف أعيدُ ترتيبَ الكلام