سماء دوما ممطرة بكيماوي الأسد.. التطهير العرقي مستمر

سماء دوما ممطرة بكيماوي الأسد.. التطهير العرقي مستمر

ضرب النظام السوري مدينة دوما بالكيماوي لإنجاز خطة التغيير الديموغرافي القسري (أ.ف.ب)

بدت الصور القادمة من مدينة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية، قاسية بما يتجاوز الوصف، بعدما شن النظام السوري هجومًا بالسلاح الكيميائي، يوم السبت 7 نيسان/أبريل، ردًا على فشل المفاوضات بين فصيل جيش الإسلام والمفاوضين الروس، وهو ما يعكس إصرار النظام مدعومًا بالميليشيات الإيرانية، على تجاهل تحذيرات دولية سابقة من مغبة تنفيذ مثل هذا الهجوم.

شن النظام السوري هجومًا بالكيميائي على مدينة دوما المحاصرة بالغوطة الشرقية، ردًا على فشل المفاوضات بين جيش الإسلام والروس

قرار إبادة دوما

ومنذ شباط/فبراير الفائت بدأ النظام السوري هجومًا صاروخيًا على منطقة الغوطة الشرقية، وصفته صحيفة الغارديان البريطانية بأنه "سربرنيتسا أخرى"، قبل أن يبدأ هجومًا بريًا، أفضى في نهايته بالتوصل لاتفاق قضى بخروج مقاتلي فصائل المعارضة مع عوائلهم، ومن يرغب من المدنيين إلى الشمال السوري، فيما دخل جيش الإسلام في مفاوضات مع روسيا رفض فيها الخروج من دوما على غرار ما حدث في باقي المناطق.

اقرأ/ي أيضًا: مذبحة القرن 21.. الغوطة الشرقية تحت وطأة أعنف الهجمات الدموية من النظام السوري

ونهاية الشهر الفائت دخل جيش الإسلام في مفاوضات مع الجانب الروسي للتوصل لاتفاق حول بقائه في مدينة دوما، وطالب بخروج الحالات الإنسانية للشمال السوري لتلقي العلاج، بعدما أضحت المدينة محاصرة من أطرافها الأربعة، الأمر الذي عقّد من طبيعة الاتفاق، بالأخص أن جيش الإسلام رفض خروج مقاتليه إلى الشمال السوري، في محاولة لتجنب عملية التغيير الديموغرافي القسري التي تعرضت باقي المناطق الغوطة الشرقية.

وردًا على فشل المفاوضات، نقلت وسائل إعلام موالية للنظام السوري عن مصدر عسكري، أن "قرار الحسم العسكري" فيما يتعلق بمدينة دوما "قد اتخذ"، حيثُ شن النظام السوري هجومًا جويًا عنيفًا بالتزامن مع محاولات عديدة لاقتحام المدنية بريًا. وهو ما تشير إليه تصريحات وزارة الدفاع الروسية المتتالية، التي تعتمدها حتى وسائل الإعلام الموالية لنظام الأسد مصدرًا أوليًا قبل أن يقال أي شيء من مصادر في النظام.

وتناقلت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، تسجيلًا نُسب للعميد سهيل الحسن الملقب بـ"النمر"، دعا خلاله قواته لاستهداف المدينة بكافة الأسلحة المتاحة لديهم، وطالبهم بـ"إحراقها"، كرد على فشل المفاوضات. ويبدو أن التسجيل كان قبيل شن الهجوم الكيميائي على المدينة. هذا ولم يتسنى لـ"ألترا صوت" التأكد من صحة الصوت الظاهر في التسجيل، ونسبته.

النفي أو الموت بالكيماوي

ومنتصف ليل السبت، بدأت وسائل الإعلام تتناقل خبر شن النظام السوري هجومًا بالسلاح الكيميائي على مدينة دوما، حيثُ تُقدر الأمم المتحدة وجود ما يربو على 150 ألف مدني محاصرين داخلها.

وقال الدفاع المدني في بيان مشترك مع الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز)، إن الهجوم وقع السبت، السابع من نيسان/أبريل 2018، في تمام الساعة 7:45 مساءً بالتوقيت المحلي، مشيرًا إلى أن المصابين عانوا من "من بطء في دقات القلب و خراخر قصبية خشنة وأزيز"، وأن المشترك بينهم إصابتهم بـ"الزرقة وخروج زبد من الفم وحروق القرنية"، وهو ما أظهرته مقاطع مصورة جرى تداولها في نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقال أحد الصحفيين المحليين في المدينة، لصحيفة الغارديان، إن العائلات كانت في "حالة هيستيرية"، واصفًا ما حدث بأنه "يشبه يوم القيامة. كانت الناس في حالة ذهول"، وتعرضت مدينة دوما مع باقي مناطق الغوطة الشرقية التي كانت خاضعة لسيطرة فصائل المعارضة، في آب/أغسطس 2013، لهجوم بالسلاح الكيماوي، خلّف أكثر من ألف قتيل ومئات المصابين.

الأوضاع في سوريا قابلة للتصعيد بعد الهجوم بالكيماوي على دوما، وقد تصل لشن هجوم عسكري ضد مواقع النظام من القوى الغربية

وذكرت صحيفة العربي الجديد، أنه قتل ما لا يقل عن 150 مدنيًا، بالإضافة لإصابة أكثر من ألف آخرين بحالات اختناق، جراء الهجوم الكيميائي الذي شنته قوات النظام. وبحسب الصحيفة، فإن المدينة تعرضت لأكثر من 400 غارة جوية، من بينها غارات محملة بالغازات السامة المحرمة دوليًا.

اقرأ/ي أيضًا: مفارقات البريكست.. سيرغي سكريبال يوحد أوروبا في مواجهة الكرملين

وفي تسجيل مصور، قال الناطق باسم الدفاع المدني سراج محمود، إنه "لم يتم التعرف على طبيعة المواد الكيميائية المستخدمة في الهجوم على دوما"، وأضاف أنه كل بناء يتم الدخول إليه يجدون عشرات القتلى من النساء والأطفال، مشيرًا لوجود جثث لم تستطع فرق الدفاع المدني الوصول إليها بسبب اشتداد القصف على المدينة.

وصباح اليوم الأحد، نقلت وسائل إعلام محلية، توصل القوات الروسية والنظام السوري لاتفاق مع جيش الإسلام يفضي بخروج الأخير لمدينة جرابلس في شمال سوريا، مقابل الإفراج عن كافة الأسرى المتواجدين لدى جيش الإسلام، وتسليمهم للنظام السوري، على أن يتم تنفيذ الاتفاق خلال 48 ساعة. وجاء الاتفاق بعد أقل من 24 ساعة على شن النظام السوري لهجوم بالسلاح الكيميائي.

حرب باردة على أشلاء السوريين

ويحمل الهجوم الذي تعرضت له مدينة دوما بالسلاح الكيميائي عدة دلالات، يأتي في مقدمتها اختيار توقيت تنفيذ الهجوم، الذي جاء في الذكرى السنوية الأولى لهجوم مماثل تعرضت له مدينة خان شيخون في ريف إدلب، في الخامس من نيسان/أبريل العام الماضي، راح ضحيته عشرات المدنيين، وكان حينها ردًا على محاولة هيئة تحرير الشام السيطرة على مدينة حماة.

وردت الولايات المتحدة بعدها بثلاثة أيام بقصفها صاروخيًا لقاعدة الشعيرات الجوية، لكن الهجوم الأمريكي لم يحدث فارقًا في معادلة الحرب السورية، بل عاد النظام السوري في اليوم الثاني لاستخدام القاعدة في هجماته الجوية، ولم يساعد في الوقت ذاته على تغيير الصورة التي انطبعت لدى الرأي العام الدولي عن شخصية الرئيس ترامب.

كذلك فإن الهجوم الذي حصل في دوما كان على مرمى من أنظار القوات الروسية المتواجدة في محيط مدينة دوما، ما يعطي انطباعًا عن موافقة روسية على شنه، بالأخص أنها دخلت في حرب باردة مع القوى الدولية الفاعلة في سوريا، بعد حادثة طرد الدبلوماسيين الروس، ردًا على محاولة تسميم العميل الروسي المزدوج سيرغي سكريبال وابنته، والتي أفضت لما عرف بمجزرة الدبلوماسيين بعد أن قامت بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا بالإضافة لدول أخرى بطرد عشرات الدبلوماسيين الروس من أراضيها ردًا على الحادثة.

ويبدو أن الأمور في سوريا قابلة للتصعيد أكثر خلال القريب المنظور، وقد تشهد هجومًا عسكريًا على مواقع للنظام السوري، إذا ما أخذنا بالحسبان تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ردًا على الهجوم الكيميائي، والتي حمّل فيها بشكل مباشر نظيره الروسي فلاديمير بوتين، بالإضافة لإيران، مسؤولية ما وصفه بـ"الهجوم الطائش". ووصف ترامب في التغريدة، رئيس النظام السوري بشار الأسد بـ"الحيوان"، مهددًا بأنه سيدفع "ثمنًا باهظًا" ردًا على الهجوم.

وقبل أيام، كان رئيس الأركان الفرنسية الجنرال فرنسوا لوكوانتر، قد حذر النظام السوري من أن باريس ستتحرك "بشكل منفرد"، في حال استخدم السلاح الكيميائي في عملياته العسكرية ضد المدنيين في مناطق سيطرة المعارضة. لكن موسكو ردت على التصريحات الدولية المرتبطة بالهجوم الكيميائي، محذرة من أن أي تدخل عسكري قد تفضي نتائجه لـ"عواقب وخيمة للغاية".

هل يتحرك المجتمع الدولي ضد نظام الأسد الأن؟

وبالنظر إلى ما حدث خلال الشهرين الماضيين، فيبدو أن المجتمع الدولي غير مكترث بما آلت إليه الأوضاع في منطقة الغوطة الشرقية، حيثُ جرى تهجير عشرات الآلاف من السكان المحليين إلى الشمال السوري، بعد العمليات العسكرية العنيفة للنظام السوري في المنطقة. 

وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إنها وثقت ما بين 24 شباط/فبراير، و24 آذار/مارس الماضي، مقتل 871 مدنيًا جراء الهجمات الجوية. وتقول إحصائيات أخرى أن الهجوم على الغوطة الشرقية، خلّف أكثر من 1500 قتيل حتى تاريخ اليوم.

وتجد إدارة الرئيس ترامب نفسها  في موقف صعب، بعد نيته سحب قوات بلاده من سوريا وفق ما نقلت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية مؤخرًا، رغم معارضة وزارة الدفاع الأمريكية لهذا القرار، وهو ما سمح للنظام السوري بتنفيذ الهجوم الكيميائي الأخير، غير أن الحال قد يتغير الآن بالنظر لما أعلن عن عقده اجتماع مع القيادة العسكرية الأمريكية يوم الاثنين 9 نيسان/ أبريل.

كذلك فإن بشار الأسد تلقى دعمًا معنويًا بعد التصريحات التي أدلى بها ولي العهد السعودية محمد بن سلمان في حوار مع مجلة تايم الأمريكية، حين اعتبر أنه من "غير المرجح إسقاط بشار الأسد من الحكم"، لكنه اشترط مقابل ذلك ابتعاد الأخير عن الحلف الإيراني، حتى لا يتحول لـ"دمية" بيدها.

ويعد ابن سلمان من أبرز حلفاء ترامب في الشرق الأوسط، نتيجة لعديد من المواقف، من بينها توقيعه مع واشنطن لصفقات تتجاوز 400 مليار دولار أمريكي، بعد أشهر قليلة من تولي ترامب للحكم، وكذلك للتقارب الحاصل بين ابن سلمان وبين إسرائيل ضمن مظلة إدارة ترامب.

وعليه، فإن الهجوم الكيميائي الأخير يضع الأزمة السورية الراهنة أمام توقعات مختلفة، قد يكون أحدها اصطدام عسكري مباشر بين الأطراف الدولية الفاعلة في الشأن السوري، أو أن تشن واشنطن هجومًا استعراضيًا على غرار الهجوم الذي نفذته في العام الماضي على قاعدة الشعيرات الجوية. 

تلقى بشار الأسد دعمًا معنويًا هامًا، بعد تصريحات ابن سلمان التي قال فيها إنه "من غير المرجح إسقاط الأسد من الحكم"

لكن في جميع الأحوال، فإن الهجوم على دوما يؤكد أن المجتمع الدولي غير معني بمعاقبة بشار الأسد أو الحد من تجاوزاته لـ"الخطوط الحمراء" التي حددها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، قبل أن يعود لذكرها مرًة ثانية نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تقدير موقف: معركة الغوطة الشرقية.. دوافعها وعوامل الصمود

الغارديان: "العالم أمام سربرنيتسا جديدة في الغوطة الشرقية!"