15-يناير-2021

سليم بركات وديوانه "تنبيه الحيوان إلى أنسابهِ"

ألترا صوت – فريق التحرير

يعرف قارئ شعر سليم بركات أنَّ علاقة وطيدة تربط هذا الشاعر بالحيوانات، إذ طالما كتب عنها، وطالما حملت عناوين كتبه أسماء الحيوانات: "الجندب الحديدي" و"الكراكي" و"بالشباك ذاتها.. بالثعالب التي تقود الريح" و"البازيار" و"هياج الأوز" و"عبور البشروش".

قال في حوار معه عام 1987: "لم أحول الحيوان إلى رمز. لا أحب تكرار طرائق بديعة اتبعها مقفع "كليلة ودمنة" إنني أراه كما ينبغي أن أراه، شاغلًا حيزًا من الهواء الإنساني (والإنسان، بدوره، يُشْغل حيزًا من الهواء الحيواني)، لا كطبائع، بل ككائن. كنتُ قد أنجزتُ مجموعة كاملة عن الحيوان شعرًا، كأنما أنا في صدد أمر يغاير "حيوان" الجاحظ، لكن حقيبتي التي ضاعت في أحد المطارات خذلتني إلى الأبد، ولم ينجُ غير القليل الذي كنت نشرته في العام 1982، فضمنته مجموعتي الجديدة. الحيوان هو فراستي. الحيوان طفولتي كلها. ذلك السحر الشيطاني الذي لا ننجو منه".

وقال في السياق نفسه في حوار آخر بعد عقد من الزمن، أي عام 1997: "لطالما ذهبتُ إلى أن الحيوان (في مقالات كثيرة وأحاديث) هو حرية، بتماهيه المطلق مع الغريزي. قوانين صغيرة للضرورات، ثم لا شيء آخر. إنه معفى من مساءلة نفسه ومساءلة الآخر. ساهر على الرغبة، لا على غيرها. طليق كخياله المشرف على جهالة الوجود النبيلة، وعيه أن يكون وفيًّا لحضوره المنبثق أعجم بين الكائنات. الطبيعة تلتقي نفسها نختزله في وفائه للعدم. قادم من الفكرة عمياء. عبور بلا صخب، أو رثاء، أو ندم. بلا أمل بلا يأس. هو السهو الذي انبثق خارج فكر العقاب والثواب، سهو صحيح، ممتلئ بعافية الدور الأعمى، الأكثر جمالًا. الحيوان هو اللادنس. ينبغي أخذ مفهوم "الترويض" على نحو آخر أجده في كلمة "استنطاق". أنا لأريد ترويض الوحشي النبيل، بل استنطاق الماهيات. إنه معنى آخر للقنص، أقرب إلى "استحواذ" الساحر على الخاصيات و"البازيار" عندي أخصه بمعنى تأويلي، لكن مشهد الطبيعة، الذي أفتحه على مصراعيه أمام البازي القناص قد يوحي بغلبة الجنوح الحسي، بسبب التصوير الحسي، دلالة. والتدقيق يصحح هذا الفهم".

إلى جانب كل هذه الرؤى حول الحيوان والمعنى الذي يمثّله، هناك حديث عن كتاب شعري مخصص للحيوان ضاع في أحد المطارات. ويبدو أن شعورًا بالذنب نتيجة هذا الضياع ظل متحكمًا بسليم إلى أن قام في عام 2018 بنشر كتابه الشعري "تنبيه الحيوان إلى أنسابهِ" المخصص بالكامل للحيوان، ولا ندري إن كان ذلك محاولة لاستعادة الكتاب المفقود، أو كتابة أخرى تستكمل شغفًا شخصيًّا بالحيوان.

من الواضح لدينا أن منطق الشاعر نحو كتابة الحيوان ككائن لا كرمز لا يزال مستمرًا، لكن الجديد أنه يخلق منظورًا تطوريًّا يجعل الحيوانات متصلة ببعضها البعض، ونستطيع رؤية ذلك من خلال أقسام الكتاب السبعة أبواب: "فيزياء الخياليين" يتناول الحيوانات والكائنات الخرافية، و"تعديلاتٌ وراثيَّة" وفيه قصائد عن عدد من الحشرات كالنمل والجرّاد.. إلخ، و"خلايا متبادَلَةٌ بحسابٍ صارمٍ للتكافؤ" حيث خُصصت قصائد هذا القسم للزواحف السامَّة، و"طيرانٌ غير مؤكَّد" وهو عبارة عن قصائد حول الطيور كالنسر والسنونو وغيرها، و"إرشاداتٌ مائيةٌ للتخاطُرِ مع البحر" وفيه قصائد تخصُّ كائنات البحر ومخلوقاته، و"مسائلُ تشريحية تحتمل النَّقْض" وهو بحث شعري في الحيوانات البرية الحية والمنقرضة على السواء، وأخيرًا يأتي "الفروع والتوابع" الذي يعتبر الإنسان حيوانًا، وكأنّ كل ما سبق من حيوانات وأنواع انتهى إليه، وفي هذا القسم يُخصص قصيدةً لكل نوع من أنواعه (إنسان لوسي، إنسان نياندرثال.. إلخ)، لينتهي إلى إنسان المستقبل "إنسان الذكاء الإلي".

لأجل هذه المساحة اخترنا قصيدة "التنين" التي يُفتتحُ فيها الكتاب.


نُبشتِ السماءُ؛

نُبِشتْ قبورُها من رفات السماء.

 

نُبِشتِ السماء عن قبوها مديدًا، عريقًا، جليلًا بمخامر الأنبذةِ، ومخامر الأساطير، ومخامر الخوف. السمااااءُ الزرائبُ نُبِشت. والسماءُ الإسطبل نُبِشتْ عن حدوات الوقت مُرْغَمًا على إيجار ساعاته الصهيل. السماااااءُ الحظائر؛ مهجع الرعاة الصيادين بسهام الزبد، ورماح الطين، وهراويَ من عظام الآباء مغلَّفةً صفيحًا. السمااا

ااا

ااا

ااا

اااءُ الأرساغُ مهشمةً؛ عِظةُ التراب في المحافل؛ الإيمان بالكمالِ ترابيًا السمااا

ااا

ااا

ااا

اااءُ الموتُ مختصمًا مَعْ وارثيه؛ التعاويذُ البراعمُ متقصِّفةً. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الإبادةُ حول مطامر القمامة الكونية؛ الزِّيغُ المزمن؛ العفو المردودُ كعفوِ البطولة عن نفسِها. السماااا

ااا

ااا

اااءُ المغالَطاتُ من سخاء الشكِّ،

وسخاءِ الطوفانِ،

وسخاءِ القدسيِّ ملتمعًا على أظلاف العجول الذهبيةِ،

وسخاء الطُّرق بنحيبِ العابرين عليها. السماااا

ااا

ااا

اااءُ المراقدُ نُبِشتِ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ العبْءُ؛ الصراخُ مُذْ عُلِّقتِ الأعالي سماءً من أثدائها. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الأصفانُ مجفَّفةً في مِلْحِ العقلِ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الحِكَمُ، الجمرُ، الشللُ، الردمُ، الإهالةُ برفشِ الجنون ترابَها الأبديَّ على الحياةِ. السماااا

ااا

ااا

ااا

اااءً المزاحُ خانقًا، واليقينُ خانقًا، والإيمانُ خانقًا، والوعدُ خانقًا بحزام اللذائذ حول الأعناق، وبشميم إمتاعها الخنَّاقِ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الدَّفْنُ في الصوتِ؛ الدَّفنُ في الأيام الشاحبة على أسِرَّة الموتى؛ الدفنُ في السنين الشاحبة كأرضٍ تُرى من شبابيك الموتِ؛ الدفنُ في الحظوظِ التعبِ الشرهةِ؛ الدفنُ في نقاء الغضبِ طاهرًا. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الشرخُ،

والكَسْرُ،

والخلْعُ،

والصَّدْعُ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الهُشَامَةُ؛ الأثريةُ في مَعارِض اللهِ الأثرية؛ الثقةُ بالأسلحة الأثريةِ معلَّقةً إلى الجدرانِ الشرقِ من غُرَف الأنبياءِ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الضيقَة كحذاءٍ ضيِّقٍ، الْواسعةُ كالكشوفِ القاسية؛ الحِكْمةُ كصرخة طفلٍ عضَّتْهُ أُمُّه مداعبةً. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الرَّصْفُ بجلود الإبقاءِ ممهورةً بالأختام الحديدِ محمَّىً قبل سلخها. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الحديدُ محمَّىً للكَيِّ؛ التهديدُ للمياه أن تظلَّ على نكبتها غيْضًا، والإرشادُ للنار، في المتاه، إلى حرائقها. هي السماااا

ااا

ااا

اااءُ البلدانُ يتقاسمها مُنقذو النبيذِ من لَغَطه، ومنقذو الجِعة من شَغَب الحقائقِ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ البزورُ جراحًا في الحقولِ الجراحِ؛ الهربُ في الحبرِ إلى الأقلام المكسورةِ؛ السماااا

ااا

ااا

اااءُ المبراةُ؛ الشكُّ المبراةُ؛ اللَّغوُ المبراةُ. السَّحْلُ المبراةُ؛ السلخُ المبراةُ؛ الْرسمُ بدهانِ الحُمَّى على ثديِ الصيحةِ وبظْرِها. السماااا

ااا

ااا

اااءُ المزادُ على الفُروجِ؛ خبَّازةُ الأرغفة بخميرٍ من طحينِ العظامِ، ومروِّبةُ اللَّبنِ بإنْفَحَّةِ الوعدِ المعذِّبِ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ النَّعلُ في قَدَمِ المحتضَرِ؛ القفازُ في يد المصافحِ مغتصبيه؛ المشَّاءةُ بالأحمالِ ثِقالًا كالقَسْرِ على الإيمانِ بالتعب مُرْشِدًا،

وبالخوفِ مُرشِدًا،

وبالحرائقِ مُرْشداتٍ،

وبالطين إرثاً مرشِداً يُحْمدُ،

وبالذبحِ غفرانًا مرشِدًا،

وبالفراديس لا يشبهها إلاَّ النزوحُ من المعاني. السماااا

ااا

ااا

اااءُ المفرِّقةُ وحْدتَها على الجهات بلا اغتنام للفُرَصِ خروجًا من المعاني، أو دخولًا إليها. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الماضي من نصْر التعبِ، والنزوح من السوادِ النزهةِ إلى بساتين البياضِ القلاقلِ، والنزوحِ من ذاكرة السنبلة إلى ذاكرة الإنسانِ، والنزوحِ من الأمكنة إلى شعوذةِ الهاويةِ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الغبارُ العرَّافُ؛ الحصى العرافُ؛ الزئبقُ العرَّافُ؛ الفخاخُ المحترفةُ العضَّ على الفخاخِ؛ الغرورُ المتسامحُ مع الخالدين في مآثر الحرائقِ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الحبلُ ملتفًا على الظلالِ كلِّها؛ واهبةُ الظلالِ بلا ظلٍّ؛ الجدالُ الذي من مفاخرِ الظلالِ، السجالُ العبثُ في حرية الماء أنْ يُقْسِمَ بالبحر. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الإشكالُ في التعريف بالثمرةِ، وإشكالُ الثمرة في التعريف بشجرتها؛ الرقصةُ النَّفَس في الرئة قبل القفز إلى ما لن يحْدُثَ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ المختزَلَة في يوم واحدٍ مستطيبٍ شرارةَ الصباح اللطيفة، التي ستحرق الغابة قبل المغيب،

وتحرق البياضَ قبل السوادِ،

وتحرق الخزائنَ الواسعةَ على ثياب الأمم، الضيقةَ على أحذية المجتهدين في تبويب القتل حسماً للجدال بين الأديانِ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الرياحُ مخفوقةً في بَيْضٍ على الإفطارِ؛ الصيحةُ ملتمعةً كأسنان المذعورِ نقيَّةً في بياضها. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الطُّرقُ واضحةً تحت جُسور الماء، ذوات الأرصفةِ ممهَّدةً بحجارة الجرح الأولِ ـ الجرحِ المُنْجَزِ مُعْجِزًا ببراعة الألم فيه. السماااا

ااا

ااا

اااءُ التي يظهر منها ما يظهر في الجانبِ الغربِ من الأشياء، لا يستثيرها شرٌّ أو خيرٌ، مستلطفةً كلَّ خيانةٍ إنْ خُوْنتِ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ العضلةُ في ذيل الكلب، المتعلِّقةُ شغفاً بنفسها لم تتعلَّق بإغواءٍ؛ مشروخةً لا تنجَبر زرقتُها إلاَّ بدِيْنٍ صمغٍ، ومُعْتقَدٍ صمغٍ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ العراقيلُ محفوظةً أنها عراقيلُ. رياءً ناعمًا، رقيقًا، تتسلَّم ما تتسلَّمه من أشياء الأرضِ؛ رياءً كحاله في أزمنة الأرض كلِّها. لا تشكو شيئًا. لا تتحسَّر على شيءٍ، ولا تبالي بالحرائق دأْبًا بمكانسها تنظيفًا للوجود المتساقط فُتاتًا على الأرض في المآدبِ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الوتَرُ متراخيًا في القياثر كلِّها؛ الهربُ بالمناطِقةِ اللهبيينَ، والحُلَفاء النيران إلى ملاجئِ العدلِ الحرائقِ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الرِّقُّ؛ الخدْشُ على حياءِ الفوضى؛ المُبكيةُ العُمْرانَ يهجره في الليل قاطنوه نهارًا؛ أُمُّ العُمران ليُسْكَنَ في النهار ويُهْجَر في الليل؛ سيدةُ الحوريات يزحفن على صخر الجبل جذْبًا بأمراس السفن إلى الأعالي. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الكعكةُ السكُّريةُ بطحينٍ عليها من سُكَّر المشيئاتِ؛ المنقذةُ الغمامَ من سحرهِ؛ المشَّاءةُ بالأحمالِ الجراحِ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ الجثثُ طافيةً على ضفاف السُّحُبِ؛ التَّنُّورُ بأرغفتها من عجين الأحوالِ رِقاقًا، مُحمَّصةً. السماااا

ااا

ااا

اااءُ المَصْهرُ؛ الأراجيفُ؛ النادلةُ في مواخير البحرِ؛ العاهرةُ في خان القوافل بأحمالهم من أساطير القيامة وما قبلها. السماااا

ااا

ااا

اااءُ النُّدوبُ؛ الفُتوقُ؛ الشروخُ؛ الكسورُ؛ الصدوعُ؛ الهُشَامَةُ؛ البَرَدُ دُرَرًا من الدم في تهطاله كالحجارة من المقاذيفِ. السماااا

ااا

ااا

اااءُ البُرشامةُ ليبتلعها المرضى من عافية الإيمانِ اللامحتَمَلة.

 

السماءُ المُنحَدَرُ الطينُ ينزلقُ عليه الله ـ هذي سماؤك أيها التنين.

كوِّمْها تحت ذيلك في الرقودِ على البَيْضِ قبل فقْسِ البَيْضِ عن فَرْخكَ الإنسان.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

بدر شاكر السياب: غريب على الخليج

وديع سعادة: الموتى نيام