05-أكتوبر-2016

صلاح الدين الأيوبي وجي دي لوزينيان بعد معركة حطين

إنَّ الشعور بالمهانة والنقص الذي زُرع فينا من مراحل متقدمة في حياتنا، وصار يتلوَّن في صور مختلفة مع مرور الوقت، لا يجبرنا فحسب على الاعتزاز والحنين الفج للماضي ورموزه، بل يحمِّل صاحبه شعورًا بالاحتياج والتبعية لتلك الأزمان وشخوصها.

لم يعد الماضي يجبرنا على الاعتزاز برموزه، بل بات يحمّلنا شعورًا بالاحتياج والتبعية لتلك الأزمان

فكرة استحضار الأعلام المبجَّلة من أوقات مضت وترقُّبِ ردة فعلها، بل والشعورِ بالحاجة لمعرفة آرائها في الأحداث، الأشخاص، المجريات التاريخية، مع الأسئلة المكرَّرة: ماذا لو كان فلان بيننا؟ لو حضر فلان هذا ماذا تراه سيقول، أو سيفعل؟ نريد في زماننا رجلًا كفلان! وغيرها من الأسئلة والعبارات التي من شأنها أن تخلق صورةً نمطيةً عن شخصٍ حكيمٍ فوق العادة، سابقٍ للزمان والعصور، حازمٍ شديدٍ، يَنظر إلينا ولعصرنا وأنماطِ حياتنا، بل ولشخصياتِنا العامَّة نظرةَ استحقارٍ وتأنيب.

اقر/ي أيضًا: لماذا التجمع؟

أبرز من يتفنَّن في تصوير هذه المفارقات وإسقاطِها بقوَّةٍ هم الوُعَّاظ والخطباء الغاضبون، كأنهم يَستمدُّون من هذه الشخصياتِ ومعرفتِهم الحصريةِ والخاصةِ بها سلطةً من نوع ما، سلطةً تجعل أفكارَهم وتصوراتِهم عن الواقع ومجرياتِه أكثرَ حكمةً وقوةً، فَهُم بزعمهم يتصوّرونها ستكون آراءَ الشخصيات المُستحضَرَة وليست آراءهم هم فحسب.

لكنَّ الأمر لم يقتصر على هؤلاء بل امتدَّ لأكثر من ذلك، مثلًا؛ مغنٍ يصوِّر عودةَ "فارس عربي" من زمن بعيد، يتعجب ابتداءً من السيارة والموبايل، ثم يثور ويغضب ويتساءل بكثيرٍ من الأنفة والحنق عن حال فلسطين وكيف ضاعت. ممثلان في مسلسل كوميدي يحاولان تلوين كوميدياه بالأسود، حين استحضرا شخصيَّتي صلاح الدين وطارق بن زياد معًا، حيث قام الآخران، بتأنيبهما واستتفاه أنماط حياتهما وإعطائهما درسًا لن ينسياه في العزة والإباء. والمفارقة العجيبة أنَّ أحد الكوميديانَيْن عاد بعد سنين ليفتحَ نار السخرية والاستهزاء على من يزعمون أنهم ورثة صلاح وزياد، والذين سيُعيدون أمجادهما، بما في ذلك الأندلس التي تباكى عليها في مشهده القديم.

وهذا يصوِّر لنا كيف أن هذه الطروحات المستهلَكة، سواء طَرَحها الواعظ أو الممثل أو شخص عادي يمارس لعبتَه العربيةَ المفضلةَ السمرَ والنقاشَ حول القضايا العالمية الكبرى، لا تأتي بعد تعمُّق أو حتى معرفةٍ وإدراكٍ للتوجُّهات الفكريةِ والسلوكيَّات الفردية للشخصيات التي يتم استدعاؤها، بل وفيه في كثير من الأحيان ضعف وخطأ في إدراك الواقع الملموس الذي يعيشه المُستَدْعُون.

لن يعجز الزمن عن بعث شخصيات رائدة تغيِّر أوجه التاريخ وتحرك دفاته

فلك أن تتخيل لو أن كثيرًا من فلان وفلان كانوا بيننا بالفعل لكن مجريات الزمان التهمتهم، أو ربما غيَّرتهم وأكسبتهم صفاتِ أهل الزمان -التي ليست بالضرورة شيئًا سيِّئًا ومُستَقْبَحًا- فالناس أبناء زمانهم، تشكِّل أفكارَهم وتطلعاتِهم بيئاتُهم التي يَنْمُون فيها، ويتفاعلون مع عناصرها.

اقر/ي أيضًا: دولة غير شرعية

ثم إن المسألةَ برمَّتِها ليستْ جديدةً ولا محصورةً في جانبٍ واحد، فحاجةُ الناس وحنينُهم إلى الماضي وأصحابِه أمر أوسع من أن يُحصَر، وأكبر من أن يُقَّعَد ويُدرَس، فهي حال طبيعية تتكرر في كل العصور، ويمارسها الأحدث على الأقدم، يمارسها الفنانون وأصحاب الأدب على من سبقهم بجعلهم المقياسَ والمعيارَ لتقييم الأحياء والمعاصرين، يمارسه الفلاسفة إذ يرون الأقدم معلميهم وأساتذتهم، وربما مارسه أهل الرياضة بحنينهم لمشاهير قضوا أو رحلوا عن ممارسة لعبتهم المفضلة، فيرفضون تقبل رحيلهم بنكران الجدد والمعاصرين، وربما مارسه أهل الحرف والتجارة. لكنْ أن تصبِحَ المسألة نمطًا فكريًّا سائدًا وطريقةً منطقية في التفكير والحكم على الأشياء، فهذا أمر قبيح ومغالطة تاريخية كبيرة لا يمكن تجاهلها وترك التصدي لها.

في النهاية لا أريد أن يُفهم كلامي على أنَّ الشخصيَّاتِ البارزةَ والقويَّةَ في التاريخ -أيِّ تاريخ- كانتْ ستنتهي أو تضيع لو تغيرت ظروفها وحالاتها، وهذا وارد على كل حال، لكنَّ الشخصيات الرائدة والتي تغيِّر أوجه التاريخ وتحرك دفاته لن يعجز الزمان عن بثها كل حين، لكن لكل وقت شخوصه، بصفاتهم وأفكارهم وتصرفاتهم التي لا يُتطلَّب أن تخالف أو توافق أفكار وتصرفات من سبقوهم مهما بدا الأَثر والتغيِّير متشابهين.

اقر/ي أيضًا:

هل تمّت خوصصة الحكومة الجزائرية؟

برود الدبلوماسية التونسية في الملف الليبي