سلطان جديد في عُمان.. تحديات

سلطان جديد في عُمان.. تحديات "الحياد" والاقتصاد والحريات

تنتظر السلطان الجديد لعمان تحديات ما زالت عالقة (Getty)

انتقال ناعم، وشكل مختلف للاختيار، وصية سرية تحتوي اسمًا يقترحه السلطان قابوس بن سعيد، لا تفتح إلا بعد وفاته، وتقرأ على مجلس العائلة المالكة؛ مشهد يبدو من زمن أسطوري، يذكر ربما بقصص الممالك المحافظة القديمة، التي يخشى فيها الملك الوحيد على فوضى وصراعات تطيح بمملكته.

تحديات ضخمة ستواجه السلطان الجديد هيثم بن طارق، القادم على رأس دولة عجوز حكمها شخص واحد لنحو خمسين عامًا، سيطر بالحديد والنار والحب والعطاء

لم يكن الانتقال بتلك الطريقة مفاجئًا بالنسبة كثيرين، وربما جاء وفقًا لطريق اتخذته عمان منذ سنوات بعيدة، كدولة محافظة هادئة ومستقرة تلعب دور الوسيط وترفض التفاعل مع الأزمات الخارجية وتغلق الباب في وجه الإعلام الخارجي، والمنظمات الحقوقية لمنع تسرب أي حديث عن الأزمات الداخلية، وفوق الجميع سلطان، أب مفدى وقائد أعلى لكل شيء.

اقرأ/ي أيضًا: الدعوة إلى "التطبيع".. أسئلة النموذج والدولة

تحديات ضخمة ستواجه السلطان الجديد هيثم بن طارق، القادم على رأس دولة عجوز حكمها شخص واحد لنحو خمسين عامًا، كواحد من أطول الحكام العرب استمرارًا في التاريخ، صانعًا دولة تقف على "الحياد"، سيطر بالحديد والنار والحب والعطاء؛ مزيج يصنع فقط في دولة أبوية ريعية، تفتقر للحريات السياسية والإعلامية.

أضحى السلطان الجديد مطالبًا بتجديد دماء السلطنة بما يتوافق مع التطورات التي تحدث في العالم من حوله وفي المنطقة، وكذلك العمل على مواجهة تحديات في الاقتصاد من بينها البطالة المتصاعدة، وبالتأكيد مطالب صارت أكثر إلحاحًا بفتح المجال للحريات العامة وحق تشكيل الأحزاب والجمعيات الأهلية.

انتقال ناعم 

صباح السبت أعلن عن وفاة السلطان قابوس بن سعيد بعد صراع طويل مع مرض سرطان القولون، ولم يكن لقابوس أي نواب أو وريث ولكنه ترك وصية للعائلة المالكة، ونظام حكم صارم في تحديد الحكام من بعده، حيث يجب أن يتم الاختيار خلال ثلاثة أيام وفقًا لمواد النظام الأساسي، فالحكم في عمان سلطاني وراثي في الذكور من ذرية تركي بن سعيد بن سلطـان، ويشترط فيمن يختار لولاية الحكم من بينهم أن "يكون مسلمًا رشيدًا عاقلًا وابنًا شرعيًا لأبوين عمانيين مسلمين".

أبناء عمومة قابوس هيثم وأسعد وطارق "كانوا أصحاب الحظوظ الأعلى في التوقعات، وعقب إعلان وفاة السلطان قابوس صدر بيان من مجلس الدفاع العماني، حسم الأمر، وأشار إلى اختيار مجلس العائلة المالكة تثبيت من أوصى به السلطان في وصيته، وصدر عقب ذلك خبر تعيين السلطان هيثم بن طارق بن تيمور، والقيام بمهامه وتلقيه برقيات العزاء.

لينتقل الحكم من قابوس لابن عمه هيثم بن طارق بن تيمور، وكان العم طارق بن تيمور داعما لابن أخيه "السلطان قابوس" ودفع به بديلًا عن شقيقه سعيد بن تيمور، الذي كان مصرًا على الانغلاق ورفض الانفتاح على العالم. تولى قابوس حكم البلاد خلفًا لوالده في انقلاب أبيض، وتولى طارق بن تيمور رئاسة مجلس الوزراء لعامين فيما يشبه تحالفًا مع ابن أخيه، امتد لزواج جمع السلطان قابوس وبنت عمه نوال بنت طارق، لكن الزواج لم يستمر لوقت طويل وبقي السلطان العماني الراحل من دون أبناء.

تخرج السلطان الجديد من جامعة أكسفورد البريطانية عام 1979، وسبق وتقلد عدة مناصب في السلطنة، كانت البداية منصب رئيس اتحاد الكرة العماني في الفترة من 1983 إلى  1986، لكنه انتقل بعدها للعمل في وزارة الخارجية بين 1986 و2002 قبل أن يتولى منصب وزير التراث والثقافة منذ عام 2002، وكان يترأس بعض جلسات مجلس الوزراء، في حالة غياب السلطان قابوس بن سعيد أو فهد بن محمود نائب السلطان لشؤون مجلس الوزراء، وسبق وتولى السلطان الجديد رئاسة اللجنة الرئيسية للرؤية المستقبلية لسلطنة عمان 2040، كما يعد من رجال الأعمال في السلطنة ومن الداعمين للبحث عن مستثمرين لتعويض مصادر دخل جديد بدلًا من النفط.

"الحياد" والاقتصاد

 أعلن عن اختيار هيثم بن طارق، السبت، بعد ساعات من إعلان وفاة ابن عمه السلطان قابوس بن سعيد (79 عامًا)، وأدى السلطان هيثم اليمين القانونية أمام مجلس سلطنة عمان، وهو يتشكل من مجلس الدولة ومجلس الشورى، وفي كلمة نقلها التلفزيون الرسمي، أكد السلطان الجديد على السير على نهج السلطان قابوس، وتعهد السلطان هيثم بمواصلة ذات النهج الذي اتبعته عمان في سياستها الخارجية التي تقوم على التعايش السلمي والحفاظ على العلاقات الودية مع كل الدول.

وتعد تلك أبرز الأزمات التي تواجه السلطان الجديد في خضم أزمات تعيشها المنطقة، حيث اكتسبت سياسات السلطان قابوس شرعيتها من فرضية الحياد، وكانت سلطنة عمان التي تحتل موقعًا استراتيجيًا عند مدخل الخليج في الجنوب الشرقي للجزيرة العربية، تعد نقطة التواصل السياسي للكثير من الأزمات في المنطقة على جميع المستويات، قبل أن تنتهي إلى تطبيع رسمي مع إسرائيل تكلل بزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى مسقط.

 ففي تشرين الأول/أكتوبر 2018، التقى السلطان قابوس برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مسقط، وقررت مسقط في حزيران/يونيو الماضي إعادة فتح مكتب لبعثتها الدبلوماسية في رام الله، كما أن مسقط  لم تنضم للتحالف العربي الذي تقوده السعودية والإمارات منذ تأسيسه في آذار/مارس 2015، واستقبلت عام 2018 بعض الجرحى من الحوثيين بوساطة أممية، ورفضت كذلك مع الكويت المشاركة في حصار قطر، في منتصف 2017، وكانت وسيطًا في الأزمات الأمريكية الإيرانية الممتدة لسنوات وخاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي.

وفقًا للمعلومات المتاحة يعد السلطان الجديد أحد رجال الأعمال في السلطنة والمهتمين بالاستثمار والبحث عن رؤوس الأموال، مما يعني إمكانية فتح مجال الاستثمار بشكل أوسع في عهده، خصوصًا مع الأزمات الاقتصادية وشبح البطالة.

حسب مجلة بيزنس توداي، ارتفع الناتج المحلي العماني من 256 مليون دولار عام 1970 إلى ما يتجاوز 80 مليار دولار في 2019، ووفقًا لتقرير صادر عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في سلطنة عمان، حول إجمالي حجم الاستثمار الأجنبي المباشر، حتى نهاية الربع الثاني من عام 2019، بلغ نحو 30.3 مليار دولار أمريكي؛ مقارنة بـ26.77 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من 2018، بارتفاع نسبته 13.3 بالمئة.

لكن تلك الأرقام فيما يبدو ليس لها مردود كبير على السلطنة التي تواجه حالة من عدم الرضا دفعت البعض للتظاهر في كانون الثاني/يناير 2018 للمطالبة بحل مشكلة البطالة، ووفقًا لمسؤول في صندوق النقد الدولي تضم سلطنة عمان أعلى نسبة بطالة شباب بين الدول العربية بنحو 50 في المئة، فيما تبقى 70 في المئة من الإناث في السلطنة خارج سوق العمل.

الدولة العجوزة والحريات

تحدي الدولة القديمة التي تأسس مع تولي قابوس بن سعيد السلطان التاسع عام 1970، سيكون من أبرز المحطات التي تنتظر السلطان الجديد، حيث تولى قابوس البلاد بعد انقلاب ناعم على والده، الذي كان يتخذ سياسات محافظة ومنغلقة، وبلغت نسبة الأمية في عهده نحو 66 في المئة، وكانت البلاد ممزقة بفعل الأزمات القبلية كما واجه ثورة إقليم ظفار المعروفة بـ"جبهة تحرير ظفار".

واستطاع قابوس التخلص من الثورة عام 1975 بعد عشر سنوات من اندلاعها، وبدأ في التحول تدريجيًا إلى الانفتاح مقارنة بوالده وانطلق في عملية إصلاح اقتصادي وزيادة الإنفاق في عدة مجالات من بينها التعليم والصحة وخدمات المواطنين، لكنه  كان انفتاحًا يعتبره البعض محافظًا، مقارنة بدول الخليج التي أضحت مراكز عالمية للتجارة، ومحطات دولية للاستثمار والترفيه والتسوق، كما أنه أسس دولة ملكية مطلقة يسيطر فيها السلطان على كل تفاصيل الدولة.

جامع السلطان قابوس الأكبر، وشارع السلطان قابوس، ومرافق أخرى كلها كانت باسمه. تولى رئاسة الوزراء كما تولى بشكل متقطع وزارات الخارجية والمالية والدفاع والبنك العماني، وحتى اليوم الوطني للسلطنة، فإنه ليس يوم استقلالها ولكنه يوم ميلاد السلطان قابوس ( 18 تشرين الثاني/نوفمبر)، ويوم النهضة في 23 تموز/يوليو يوم صعوده للحكم، والنشيد الوطني مخصص لتمجيد السلطان نفسه؛ "ربنا احفظ لنا جلالة السلطان، والشعب بالأوطان، بالعز والأمان، وليدم مؤيدًا، عاهلًا ممجدًا، بالنفوس يفتدى....".

بدا كل شيء في عمان لفترة طويلة مرتبطًا بقابوس، حيث يضعه النظام الأساسي للحكم رئيسًا لكل السلطات "ذاته مصونة لا تمس، واحترامه واجب، وأمره مطاع. وهو رمز الوحدة الـوطنية والساهر على رعايتها وحمايتها"، وله الحق في تعيين وإعفاء الجميع بمن فيهم كبار القضاة، ويعد مجلس الوزراء العماني واحدًا من الأجهزة المعاونة للسلطان، فيما تنحصر اختصاصات البرلمان، بغرفتيه، مجلس الدولة و مجلس الشورى، في مناقشة القوانين وتطبيق سياسات السلطان".

إبقاء السلطان فوق كل السلطات أو غياب السلطات المعتادة فعليًا، أبقى البلاد في تضييق كبير على الحريات، ويشير تقرير هيومن رايتس ووتش إلى استهداف جهاز الأمن الداخلي للنشطاء خلال عام 2019، ووفقًا لقانون الجزاء لعام 2018، وتشير المنظمة إلى أن القانون يمنع تجمهر أكثر من 10 أشخاص ومخالفة ذلك يعد إخلالًا بالأمن والنظام العام، وينص القانون على سجن يصل لثلاث سنوات وغرامة تصل إلى 1,000 ريال عماني (2,600 دولار أمريكي)، وقد يتعرض مؤسسو الجمعيات للسجن لمدة تتراوح ما بين 3 و10 سنوات.

اقرأ/ي أيضًا: مطالبات بإطلاق سراح الكاتب العُماني عبد الله حبيب

كما تتشابه نفس التفاصيل مع أخرى رصدتها منظمة العفو الدولية، خلال عام 2018 كان من بينها احتجاز واعتقال لمواطنين بسبب احتجاجات متعلقة بالبطالة، إضافة إلى بعض النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي. ووضعت منظمة مراسلون بلا حدود في 2019 عمان في المركز 132 من أصل 180 دولة حول العالم، بعد أن كانت في المركز 127 في تصنيف حرية الصحافة، وتحظر عمان، تأسيس الأحزاب، وسبق أن شهدت مسقط وبعض الولايات الأخرى في 2011 و2012 احتجاجات تزامنت مع الربيع العربي، كأغلب الدول العربية، لكنها في كانت بعيدة عن السلطان، وتطالب فقط بإصلاحات اقتصادية، ووضع حدّ للفساد، وزيادة فرص العمل.

حتى اليوم الوطني للسلطنة، فإنه ليس يوم استقلالها ولكنه يوم ميلاد السلطان قابوس ( 18 تشرين الثاني/نوفمبر)، ويوم النهضة في 23 تموز/يوليو يوم صعوده للحكم، والنشيد الوطني مخصص لتمجيد السلطان نفسه

تحديات لا زالت عالقة، تنتظرها الدولة الخليجية التي بدت هادئة على عكس ما تشير إليه التقارير، وستبقى أهم ما سيواجهه الحاكم الجديد للسلطنة.