08-أبريل-2016

عبد الملك سلال

أية قرابة فكرية تربط رئيسي الحكومة في الجزائر والمغرب السيدين عبد الملك سلال وعبد الإله بن كيران؟ فقد أعلنا بالطريقة نفسها تهكمهما بالأدب والأدباء والعلوم الإنسانية عمومًا، وهي طريقة أقل ما يُقال عنها إنها لا تليق ببلدين لهما عمقهما الحضاري والثقافي الذي يجعلهما جديرين بحكومتين تفعلان ولا تقولان، وإن قالتا فوفق الأصول والمنطق والإلمام بالسياقات.

عبد الملك سلال وعبد الإله بن كيران أعلنا بالطريقة نفسها تهكمهما بالأدب والأدباء والعلوم الإنسانية عمومًا

إن الجزائر لا تستورد الكتاب الأدبي والفكري، ولا تمنح التسهيلات اللازمة لمن يرغب في ذلك، خارج الصالون الدولي للكتاب، ولا تعمل على توفير المجّلات الثقافية والفنية الغربية والعربية، ولا تملك منظومة سينمائية صحية، تسمح بتوفر الفيلم العالمي الجديد، خارج عقلية القرصنة التي صنفتها في مقدمة الدول التي لا تحترم الملكيات الفكرية، رغم أنها تتوفر على ديوان عريق لحقوق التأليف والحقوق المجاورة، ولا منظومة مسرحية نشيطة، تمكّن المتلقي الجزائري من مواكبة جديد المسرح العالمي، ما عدا بعض الفرص المحدودة جدًا من خلال بعض المهرجانات المسرحية.. إنه اليتم الكبير.

اقرأ/ي أيضًا: السياسة الجزائرية.. تحالف الأعرج والأعمى

ومن المفارقات العجيبة، أن هذه الندرة غير المبررة في الكتب الفكرية والأدبية المستنيرة في المشهد الجزائري، تقابلها وفرة غير مبررة للكتب والمنشورات السلفية ذات الخلفية المنافية للهوية الفقهية والحضارية التي اكتسبتها الجزائر عبر تراكمات القرون، بحيث يمكنك أن تجد الألباني وبن باز والعثيمين وهلمّ مشائخَ، في كل الأرصفة لا في المكتبات فقط، بل إن بعضها بات يوزّع في القطارات والحافلات، لكنك لن تجد كتب محمد أركون أو علي حرب أو محمد عابد الجابري حتى في المكتبات الكبيرة في قلب الجزائر العاصمة. أتفهم أن تتوفر هذه الكتب السلفية في الشارع الجزائري، من باب التنوع والاختلاف، لكنني لا أستطيع أن أتفهم هيمنتها على سوق القراءة، في ظل صمت حكومي طال حتى بات يُفهم قرارًا رسميًا.

لقد زرت أكثر من مدينة عربية في السنوات الأخيرة، ولاحظت أن القارئ فيها يستطيع أن يقتني ما يشاء من المجلات الثقافية، والكتب الأدبية والفكرية، والجرائد العالمية، في زوايا مختلفة من المدينة، كما لاحظت أن معظم هذه المجلات والجرائد، تشكّل منابرَ لكتّاب ومثقفي هذه المدن، ليس للقراءة والمواكبة فقط، بل للكتابة أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: في الفارق بين شياطين الجزائر وملائكته

يحقّ ظاهريًا لكل من يقرأ هذه الهواجس، بعد أن سمع تصريحات الوزيرين الأولين في البلدين الجارين، بخصوص عدم جدوى العلوم الإنسانية من أدب وشعر وتاريخ وجغرافيا وعلوم الاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا واللسانيات، أمام العلوم الدقيقة، أن يعتبرها هواجسَ إنسانٍ رومانسيٍّ محلقٍ في الخيال، بعيدًا عن واقع اسمه عبد المالك سلال وعبد الإله بن كيران، لكن أليست أحلامنا بغد مغاربي أقلّ جهلًا وأكثر إيمانًا بالعلم والفن معًا هي واقع أيضًا لا يمكن إلغاؤه؟

هناك تصريحات لا تثير النقاش بل الشفقة، لأنها تقفز على حدود المنطق والمنتظر من أصحابها

لقد استهزأ الجزائريون بطرق مختلفة، وفي مرات عديدة، ببعض الشعراء، ليس لأنهم شعراء، بل لأنهم لم يكونوا في مستوى الشعراء، ولنا أن نعود إلى الأرشيف لنعرف كيف احتفوا بزيارات نزار قباني ومحمود درويش وأحمد فؤاد نجم ومظفر النواب مثلًا، لكنهم استهزؤوا بتصريحات الوزير الأول بخصوص الشعر والشعراء، لأنه أبان عن منطق أقل ما يقال عنه إنه مثير للشفقة. لقد لمست شخصيًا تجلياتٍ مُرّة لهذا الاستهزاء الشعبي بتصريحات الرجل في الحافلة والقطار وقاعة الحلاقة والسوق وفضاء الإنترنت، وقلت في نفسي ساخرًا من نفسي: إنني أشبه السيد سلال.. في كوني لا أعرف الشعب الجزائري، إذ لم أتوقع يومًا أنه يدافع عن الشعر والشعراء بهذه الحماسة.

إن هناك تصريحاتٍ لا تثير النقاش بل الشفقة، لأنها تقفز على حدود المنطق والمنتظر من أصحابها، ومنها تصريحات السيدين سلال وبن كيران، وقد كانا قادرين على تمرير فكرتهما بطرحها من باب النقاش لا من باب القناعة، كأن يقولا: ما الذي يمكن أن تقدمه العلوم الإنسانية في العالم المعاصر للإنسان المعاصر بالمقارنة مع العلوم الدقيقة؟ وهو نقاش نحتاج إليه في الحقيقة بعد ثلثي قرن من الاستقلال، إذ لا بد أن نفصل في بعض الأمور المتعلقة بالمسألة، شريطة أن يكون التعاطي معرفيًا لا تهريجيًا كما فعل السيدان اللذان لم يُراعيا، وهما يقولان ما قالاه، كونَهما يرأسان حكومتي دولتين ممتدين إفريقيًا ومتوسطيًا وعربيًا وإسلاميًا.

هنا يطرح هذا السؤال نفسَه: لنفرض أن ما قلتماه صائب ومنسجم مع رهانات البلدين، فما واقع العلوم الدقيقة في بلديكما؟ كما "مخًا" في الفيزياء والكمياء والرياضيات والطب والصيدلة وعلوم الأرض والأجواء وجد نفسه مضطرًا للهجرة إلى "أوروبا والدول المتطورة" ليفيد ويستفيد؟ 

اقرأ/ي أيضًا:

العبقرية الجزائرية في إنتاج الفشل

جنة الحرمان الجزائرية