سلاح حماس في غزة: بين الخطة الأميركية ورفض الوصاية
12 فبراير 2026
عاد ملف نزع سلاح حركة حماس في قطاع غزة إلى الواجهة، ليس عبر إعلان رسمي فلسطيني أو إسرائيلي، بل من خلال تسريبات متقاطعة يتم نشرها على وسائل الإعلام الإسرائيلية والأميركية.
وبينما تتحدث مصادر قريبة من الإدارة الأميركية عن خطة مرحلية قد تُبقي لحماس على "أسلحة خفيفة" في المرحلة الأخيرة، تنفي الحركة تلقيها أي مقترحات رسمية، وتؤكد تمسكها بسلاح المقاومة ما دام الاحتلال قائمًا.
المشهد يعكس فجوة واضحة بين المسار المعلن سياسيًا، والمسار المتداول خلف الأبواب المغلقة.
الرواية الإسرائيلية: موافقة مبدئية وتسلسل هرمي
في هذا السياق، نقل موقع "يانيت" التابع لصحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مسؤول رفيع في ما يسمى "مجلس السلام" بغزة، قوله إن وقف إطلاق النار في غزة "لا ينهار"، وإن الأمور "تتقدم وفق المخطط رغم المشكلات".
المسؤول ادعى أن هناك موافقة من حماس على تفكيك سلاحها، على أن يبدأ ذلك الشهر المقبل، موضحًا أن عملية نزع السلاح تسير وفق تسلسل هرمي واضح: البدء بتفكيك الأنفاق، ثم منشآت تصنيع السلاح، ثم قذائف "الآر بي جي" والهاون، وفي المرحلة الأخيرة تسليم السلاح الخفيف.
وأوضح أن "السلاح الخفيف سيكون آخر ما يُسلَّم". ووفق روايته، فإن الحركة تشترط إقامة قوة أمنية متفق عليها تضمن وجود "حكم واحد وسلاح واحد" قبل تسليم آخر قطعة سلاح.
أشار المسؤول كذلك إلى أن دولًا عدة أبدت استعدادها للمشاركة في "قوة الاستقرار الدولية" (ISF)، بعد إعلان إندونيسيا نيتها إرسال آلاف الجنود، مؤكدًا أنه "لا يوجد نقص في المتطوعين".
بينما تتحدث مصادر قريبة من الإدارة الأميركية عن خطة مرحلية قد تُبقي لحماس على "أسلحة خفيفة" في المرحلة الأخيرة، تنفي الحركة تلقيها أي مقترحات رسمية، وتؤكد تمسكها بسلاح المقاومة ما دام الاحتلال قائمًا
وقف إطلاق النار: استقرار قابل للانهيار أم مسار يتقدم؟
وتحدث المسؤول بثقة عن تقدم في تنفيذ الخطة، مشيرًا إلى الإفراج عن رهائن، وفتح معبر رفح، وتعيين لجنة تكنوقراط يفترض أن تدخل غزة قريبًا. لكنه أقرّ في الوقت نفسه بأن "الأمر ليس صيدلية"، في إشارة إلى تعقيد التفاصيل.
كما اعترف بأن الجيش الإسرائيلي لم ينجح حتى الآن في تفكيك جميع الأنفاق في ما سماه "المنطقة الصفراء"، موضحًا أن العملية تستغرق وقتًا، وأن إزالة الطابع العسكري عن غزة بالكامل لن تكون مهمة سريعة أو سهلة.
من جانبه، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض أن إدارة ترامب تتوقع نزع سلاح حماس وتنفيذ خطة من 20 نقطة، وأن واشنطن تعمل مع الوسطاء لضمان "إطار أمني دائم يدعم الاستقرار طويل الأمد وازدهار غزة"، وفق قوله.
نفي حماس: لا مسودات ولا قرار بتجميد السلاح
على الطرف الآخر، نفى القيادي في حركة حماس أسامة حمدان وصول أي مسودة رسمية أو مقترحات عبر الوسطاء تتعلق بسلاح الحركة. وأكد أن حماس لم تعتمد أي قرار رسمي بشأن تجميد سلاح المقاومة، وأن موقفها "وطني ثابت" يعتبر المقاومة حقًا مشروعًا طالما بقي الاحتلال.
كما شدد على رفض الحركة "الوصاية" أو استبدال الاحتلال بقوات دولية، في إشارة إلى المقترحات المتداولة بشأن نشر قوة متعددة الجنسيات في غزة.
هذا النفي يضع علامات استفهام حول مدى دقة التسريبات، أو على الأقل حول المرحلة التي بلغتها المشاورات، وما إذا كانت الخطة لا تزال في طور النقاش النظري أم أنها دخلت فعليًا حيز التفاوض المباشر.
تسريب أميركي: نزع سلاح مرحلي مع استثناء مؤقت
يذكر أنة صحيفة "نيويورك تايمز" نقلت قبل يومين عن مسؤولين مطلعين، بأن الولايات المتحدة تدرس ضمن مسودة خطة لغزة السماح لحماس بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى من عملية نزع السلاح، على أن يتم تسليمها لاحقًا ضمن جدول زمني تدريجي قد يمتد لأشهر أو أكثر.
ووفق التقرير، فإن فريقًا يقوده مقربون من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من بينهم جاريد كوشنر، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول بـ"مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض الخطة على حماس خلال أسابيع. وأوضح المسؤولون الذين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم أن التفاصيل لا تزال قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تُطرح بحسب تطورات المشاورات.
التصور المطروح يتحدث عن نزع سلاح مرحلي يبدأ بتفكيك البنية التحتية العسكرية الثقيلة، بينما يُترك ملف الأسلحة الخفيفة إلى مرحلة لاحقة، في إطار مقاربة تهدف إلى منع انهيار أمني مفاجئ داخل القطاع.
غير أن الصحيفة أشارت إلى أن مسألة الجهة التي ستتسلم الأسلحة، وآلية التنفيذ، لا تزال غير واضحة، كما أن أكثر من نصف الأنفاق تحت الأرض، وفق مسؤولين إسرائيليين، ما تزال سليمة.
بين الواقع الميداني والخطط الدولية
التباين بين الروايات يعكس خلافًا أعمق حول تعريف "نزع السلاح" نفسه. فإسرائيليًا وأميركيًا، يُنظر إليه كشرط أساسي لأي ترتيب أمني مستدام في غزة. أما حماس، فترى في السلاح ضمانة سياسية وأمنية في ظل استمرار الاحتلال، وترفض أي صيغة تُفضي إلى تفكيكه دون حل جذري.
التصور المرحلي، الذي يُبقي السلاح الخفيف حتى المرحلة الأخيرة، يشير إلى محاولة هندسة انتقال تدريجي يمنع فراغًا أمنيًا داخليًا، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات حول مدى قابلية التنفيذ، خصوصًا في ظل تعقيدات الوضع الميداني.
في المحصلة، لا يبدو أن ملف نزع سلاح حماس دخل بعد مرحلة الحسم، لكنه انتقل بوضوح من خانة الطرح النظري إلى مستوى النقاش العملي، ولو عبر التسريبات. وبين تأكيدات إسرائيلية بوجود موافقة، ونفي فلسطيني لأي التزام، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام بداية مسار فعلي لإعادة تشكيل المشهد الأمني في غزة، أم أمام اختبار جديد لحدود الضغط السياسي والدولي؟