ultracheck
  1. قول

"سلاح الابتزاز ": حين يُغطي اتهام "معاداة السامية" على الجريمة والإنكار

9 سبتمبر 2026
جدعون ساعر
جدعون ساعر (getty)
محسن القيشاوي محسن القيشاوي

تختزل تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بشأن منع دخول 12 برلمانيًا ومواطنًا بريطانيًا إلى إسرائيل، باتهامهم بالتورط في أنشطة "معادية للسامية"، جانبًا من المقاربة الدبلوماسية التي تعتمدها تل أبيب، والقائمة على تحويل مفهوم "معاداة السامية" من إطار يهدف إلى مواجهة التمييز والكراهية التاريخية، إلى أداة سياسية يُستعان بها في مواجهة كل انتقاد للسياسات الإسرائيلية أو مساءلة لممارساتها الميدانية.

فعندما تُقدم إسرائيل على تصنيف نواب ومواطنين من دول غربية كـ "متورطين في نشاطات معادية للسامية"، لمجرد اعتراضهم على التوسع الاستيطاني وتحذيرهم من تدمير أفق "حل الدولتين"، يتكشف الانحدار المعياري في توظيف هذا الاتهام؛ إذ يُراد تحويل أي تمسك بالقانون الدولي أو دفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني إلى مرادف مباشر لـ "معاداة السامية".

إن هذه القرارات الإسرائيلية بحق دولة محورية كبريطانيا لا تمثل مجرد أزمة دبلوماسية عابرة، بل هي مدخل لفهم ثلاثية تحكم السلوك السياسي لإسرائيل اليوم: سلاح الابتزاز بالتهم المعلبة، وحالة الإنكار الممنهج للجرائم الميدانية، والتحصن بدرع الإفلات من العقاب أمام عجز المنظومة الدولية.

تسييس المفاهيم وتجريد "معاداة السامية" من مضمونها

لم يعد الابتزاز باتهام "معاداة السامية" مناورة إعلامية عابرة أو تكتيكًا دفاعيًا، بل تحوّل إلى عقيدة هجومية متكاملة هدفها إفراغ النص القانوني والحقوقي الدولي من محتواه، وترهيب كل صوت ينشد المساءلة. فالمعادلة التي تحاول إسرائيل ومناصروها فرضها اليوم تصاغ ببساطة وصرامة: كل من يقف ضد الاحتلال، أو يوثق جرائمه، أو يطالب بوقف حرب الإبادة والتجويع، فهو حكمًا "معادٍ للسامية".

عندما تُقدم إسرائيل على تصنيف نواب ومواطنين غربيين على أنهم "متورطون في أنشطة معادية للسامية" لمجرد اعتراضهم على التوسع الاستيطاني وتحذيرهم من تقويض حل الدولتين، يتكشف الانحدار المعياري في توظيف هذا الاتهام

وتتجسد هذه الاستراتيجية في الملاحقة الشرسة للرموز التي تطلق مواقف ضد ممارسات الاحتلال، ومن أبرز تجلياتها المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي. فبمجرد أدائها لمهامها القانونية وتوصيفها لما يجري في غزة بأنه "تشريح لإبادة جماعية"، ومطالبتها بفرض حظر على توريد الأسلحة وعقوبات اقتصادية، واجهت ألبانيزي حملة شيطنة غير مسبوقة. فلم تكتفِ الدبلوماسية الإسرائيلية بمنعها رسميًا من دخول الأراضي المحتلة ووصمها بـ"العداء للسامية"، بل امتدت الملاحقة لتصل إلى واشنطن؛ حيث أدرجتها إدارة ترامب ضمن قائمة العقوبات، مما أدى إلى تجميد أرصدتها البنكية ومصادرة شقتها في واشنطن، وحظر استخدام بطاقات الائتمان العالمية، وهو ما جعلها تصف الأمر بأنه "موت مدني" وعقوبات تشبه "أساليب المافيا" تهدف إلى ردعها.

وقد تسببت العقوبات والقيود الأميركية في منعها من السفر إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، مما اضطرها لتقديم أحد تقاريرها الأممية من جنوب إفريقيا. ولم تكن ألبانيزي سوى امتداد لتكتيك أقدم طال منظمات دولية وازنة مثل "منظمة العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش"، اللتين وُصفت تقاريرهما الموثقة عن "نظام الفصل العنصري" بأنها محض افتراءات "معادية للسامية".

وعلى الضفة الأخرى من العالم الغربي، تحوّلت الجامعات الكبرى، ولاسيما في الولايات المتحدة مثل كولومبيا وهارفارد وبنسلفانيا، إلى مسرح مكشوف أظهر كيف يُسَلَّح اتهام "معاداة السامية" لتكميم حرية التعبير وهدم التقاليد الأكاديمية. فقد جرى وصم التظاهر السلمي المناهض للإبادة الجماعية في غزة والمطالب بسحب الاستثمارات من الشركات المتورطة في دعم الاحتلال بأنه "تحريض مباشر على معاداة السامية وترهيب للطلاب اليهود"؛ وهي الذريعة التي شرعنت استدعاء شرطة مكافحة الشغب وعسكرة الحرم الجامعي واعتقال الطلاب والأساتذة.

ولم يتوقف القمع عند حدود التدخل الأمني، بل امتد ليتخذ شكلًا مؤسسيًا أعمق عبر الضغوط السياسية والمالية الهائلة التي مارسها اللوبي الداعم لإسرائيل والمانحون الأثرياء؛ حيث جرت المساومة بسحب تبرعات بمليارات الدولارات وتجميد التمويل الحيوي للجامعات لإرغامها على الصمت. وجسّدت جلسات الاستماع في الكونغرس الأميركي ذروة هذه المحاكمة السياسية، بعدما اتُهمت الإدارات الأكاديمية بالتقاعس عن "مكافحة معاداة السامية" وأُجبرت قياداتها على الاستقالة. وفي الوقت نفسه، حُظر نشاط مجموعات طلابية وحقوقية، ووُضعت أسماء آلاف الطلاب على القوائم السوداء ليُحرموا من المنح وعقود العمل؛ بعد تصنيف شعاراتهم المطالبة بحرية فلسطين كـ "خطاب كراهية معادٍ للسامية". هكذا يُحاط النقد السياسي بأسوار من الترهيب، ليصبح الذنب ليس ارتكاب الجريمة، بل رفع الصوت للتنديد بها.

الإنكار الممنهج: تغييب الضحية وتبرير الانتهاك

إن خطورة تصريحات جدعون ساعر لا تقف عند حدود توزيع اتهامات "معاداة السامية"، بل تتعداها إلى تجسيد حالة من "الإنكار الممنهج" لجميع الجرائم المرتكبة على الأرض، والتنصل التام من تبعات حرب الإبادة في غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة. فعندما يعلن الوزير الإسرائيلي بجلاء أن الشارع الإسرائيلي يدعم بغالبيته العظمى الاستيطان ويعارض قيام دولة فلسطينية، فهو لا يكتفي بالتعبير عن توجّه سياسي، بل يمارس محوًا علنيًا وممنهجًا للحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وللأطر القانونية التي تعتمدها الشرعية الدولية.

وتتبدى أبعاد هذا الإنكار في التعامي الكامل عن الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، ونفي استخدام سياسة التجويع والحصار كأدوات حرب، على الرغم من التقارير الصادرة عن المؤسسات الأممية ومنظمات الإغاثة الدولية والأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية.

وفي الضفة الغربية، يتخذ الإنكار صورة أكثر عدوانية من خلال شرعنة الضم الفعلي واختزال الوجود الفلسطيني في كانتونات معزولة تحت شعار الاستيطان في "قلب أرضنا". ويرافق ذلك تعامٍ متعمد عن جرائم العنف اليومي التي ترتكبها ميليشيات المستوطنين بحماية الجيش؛ من إحراق القرى، واقتلاع المزارعين من أراضيهم، والقتل خارج نطاق القانون. هكذا يتكامل الابتزاز السياسي مع التزييف الميداني لإنتاج واقع يطمس حقوق الضحية ويحوّل الانتهاك الصارخ للقانون الدولي إلى أمر واقع، خارج أي مساءلة أو محاسبة.

درع "الإفلات من العقاب": عندما يتعطل القانون الدولي

تصل المفارقة ذروتها حين يتجلى حجم التصلب الإسرائيلي والاستخفاف بالشرعية الدولية، بالتوازي مع تحصن قيادات الاحتلال بعقود من المظلة الاستثنائية التي كفلت لهم الإفلات التام من العقاب. ورغم التحول التاريخي المتمثل في صدور مذكرات الاعتقال عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن السابق يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، ورغم صدور القرارات والتدابير الاحترازية عن محكمة العدل الدولية، إلا أن السلوك السياسي والميداني لتل أبيب يشي وثقة مطلقة بالغطاء الحصين الذي توفره لها القوى الكبرى لتعطيل مفاعيل هذه القرارات.

إن خطورة تصريحات جدعون ساعر لا تقف عند حدود توزيع اتهامات "معاداة السامية"، بل تتعداها إلى تجسيد حالة من "الإنكار الممنهج" لجميع الجرائم المرتكبة على الأرض، والتنصل التام من تبعات حرب الإبادة في غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة

ولم يسلم الهيكل القضائي الدولي ذاته من سلاح الشيطنة الجاهز؛ إذ سارعت القيادات الإسرائيلية واللوبيات الداعمة لها إلى توجيه اتهام "معاداة السامية" مباشرة إلى المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها. فقد هاجم نتنياهو المحكمة علنًا بهذا الاتهام فور فتح التحقيقات الميدانية، واشتدت الحملة مع صدور مذكرات التوقيف، عبر زعم مضلل يدّعي "تحيز المحكمة وتسييسها واستهدافها للدولة اليهودية دون غيرها"، في محاولة للتشكيك في نزاهتها وشرعيتها القضائية. ويهدف هذا الهجوم إلى تحويل أعلى هيئة قضائية في العالم من موقع "الحكم والمساءلة" إلى موقع "المتهم بالانحياز والعنصرية".

ولا تتوقف ثغرة الإفلات من العقاب عند كبار المسؤولين، بل تمتد لتشمل الضباط والجنود الميدانيين؛ فرغم اتساع نطاق التحركات الحقوقية المتمثلة في رفع دعاوى جنائية أمام محاكم دول عدة استنادًا إلى مبدأ "الولاية القضائية العالمية" ضد جنود يحملون جنسيات مزدوجة شاركوا في انتهاكات في غزة، إلا أن هذه المسارات تصطدم بالحائط نفسه من الابتزاز السياسي؛ مما يُجرّد التشريعات والمواثيق الدولية من أسبابها التنفيذية، ويُحوّل قواعد العدالة إلى نصوص معطلة كلما اصطدمت بالإرادة السياسية ولغة المصالح لدى الدول النافذة.

تقويض العدالة الدولية لحماية "الاستثناء"

إن القرارات الإسرائيلية ضد البرلمانيين والمسؤولين البريطانيين تؤكد أن تل أبيب لم تعد تخوض سجالًا دبلوماسيًا، بل تعيش حالة إنكار مركبة لمأزقها الأخلاقي؛ حيث بات سلاح "معاداة السامية" مخرجها الوحيد للهروب من طوق العزلة والمساءلة. ومع كل حقيقة ميدانية تُكشف في غزة أو الضفة، تُعيد إسرائيل توظيف هذا المفهوم لا لرد الاتهامات بالحجة، بل لنزع المشروعية عن المنظومة الدولية برمتها، وتحويل كل أداة حقوقية إلى هدف للتشكيك والشيطنة.

إن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في حجب الانتهاكات الميدانية أو حرف حدود النقاش حول حقوق الإنسان، بل في تداعياته الهيكلية على مستقبل العدالة الدولية. فعندما يُسمح لدولة باستغلال مظلة الابتزاز الأخلاقي للالتفاف على قرارات المحاكم الدولية والاستهانة بمؤسسات الأمم المتحدة، فإن المتضرر لن يكون الشعب الفلسطيني وحده، بل مصداقية القانون الدولي بأكمله، والذي يواجه اليوم أزمة وجودية أمام إصرار إسرائيل على إبقاء نفسها فوق كل محاسبة.

كلمات مفتاحية
أم درمان

السودان وأسئلة ما بعد الحرب.. معالجة الآثار أم أسبابها؟

تتقاطع رؤية غراس الساخرة بشكل صارخ مع واقع السودان اليوم، وما ينتظره عند وضع الحرب أوزارها

متصدقش

"متصدقش" .. شعار مرحلة

لا أعتقد أنّه جال بذهن وزير الدّعاية النّازيّ، جوزف غوبلز، أنّه سيكون لقوله "اكذب ثمّ اكذب حتّى يُصدّقك الآخرون" مستقبلٌ زاهر

La Plegaria

بلاد الغيابات

غياب أدب الرسائل والاعترافات من الفضائح الكبرى في الفكر الإبداعي الأدبي العربي

كأس أمم أفريقيا
رياضة

نهائي أمم أفريقيا أمام "كاس".. هل يبقى اللقب في المغرب أم يعود إلى السنغال؟

النتيجة النهائية ستحدد ما إذا كان لقب أمم أفريقيا سيبقى للمغرب استنادًا إلى قرار "كاف"، أم أن "كاس" ستلغي القرار وتعيد الاعتبار إلى النتيجة التي انتهى إليها النهائي على أرض الملعب

النفط
أعمال

هامش الأمان يتقلّص.. العالم يقترب من استنزاف مخزونه النفطي الاحتياطي

أقل من 6 مليارات برميل من المخزونات التجارية النفطية لا تزال موجودة عالميًا، والجزء الأكبر منها غير متاح عمليًا للاستخدام الفوري

نوبل
علوم

جائزة نوبل للكيمياء.. عالمان يحلان لغزًا عمره أكثر من قرن

فاز العالمان الفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواي بجائزة نوبل للكيمياء لعام 2026، تقديرًا لاكتشافاتهما المتعلقة بالتأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتناظر

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

تصاعد مقلق.. الذكاء الاصطناعي يوسّع إنتاج مواد الاعتداء على الأطفال

لا تكمن المشكلة في كمية المحتوى وحدها، بل في سهولة إنتاجه وتعديله باستخدام أدوات أصبحت متاحة على نطاق أوسع