سكاي نيوز عربية.. ما هكذا يُصَدق الكذب

سكاي نيوز عربية.. ما هكذا يُصَدق الكذب

استديوهات القناة في أبوظبي

الرئيس العراقي صدام حسين يظهر على القمر، كانت هذه إحدى أكثر الجمل الدعائية المتداولة على مستوى العجائز ونساء الحي أثناء حرب الخليج/اجتياح الكويت مطلع تسعينيات القرن العشرين، وعادت لتتكرر مرارًا، أي رؤية صدام حسين على القمر، لكن هذه المرة كانت الرؤية متوفرة لجمهور أوسع، عشية الغزو الأمريكي للعراق 2003، وكذلك حين أعلن اعتقال الزعيم العراقي. 

 لم تجد سكاي نيوز عربية ما يشفي الهوى المعادي للديمقراطية في نقل صورة مكتملة لتغلب الديمقراطية التركية على محاولة الانقلاب المُحبطة

استرجاع "إشاعة" بهذا الحجم من السفاهة لم يأت إلا بعد متابعة خلفيات تغطية شاشة قناة سكاي نيوز عربية، المملوكة إماراتيًا، للحدث التركي، أي محاولة الانقلاب الفاشل 15 تموز/يوليو الجاري بحجة حماية الحريات وحقوق الإنسان، المحاولة التي حوصرت شعبيًا ولم تكن صادرة عن مؤسسة الجيش كلها، كما أصرت سكاي نيوز أن تؤكد مرارًا على الرغم من توالي التصريحات والمعلومات من أكثر من مصدر رسمي تركي على رأس عمله بأن محاولة الانقلاب من صنع فصيل مسلح من الجيش وليست من الجيش أو له.

اقرأ/ي أيضًا: الليلة الكاشفة.. تركيا في الإعلام العربي

لكن الشاشة الإماراتية الزرقاء لم تجد ما يشفي الهوى المعادي للديمقراطية في نقل صورة مكتملة، بالحدود الدنيا المتوفرة لتأمين المادة الصحفية، لحدث بهذه الضخامة في بلد متداخل بالمنطقة العربية حد الالتصاق، دونًا عن ملايين العرب اللاجئين إليه، خاصة من عسف الانقلاب العسكري المدعوم إماراتيًا في القاهرة، أو آلة القتل تلك المتمركزة في قصر المهاجرين الدمشقي.

في تركيا، لحسن حظ تركيا، دولة تلقى احترام الشعب لمؤسساته وديمقراطيته

 ما كان أمام مشاهدي موجة سكاي نيوز عربية المفتوحة على النافذة التركية، شأنها في ذلك شأن التلفزة الفضائية العالمية، على امتداد الليلة المنقضية لم يكن وليد صدفة، أو شح وندرة في المعلومات الموثوقة معلومة المصادر، كما لم يكن نتيجة انقطاع شبكات الاتصال والسايبر على غرار حالة مصر مع انقلاب عبد الفتاح السيسي و"رز" الإمارات. ففي تركيا، لحسن حظ تركيا، دولة تلقى احترام الشعب لمؤسساته وديمقراطيته، هذا ما عبر عنه موقف رؤوس أحزاب المعارضة التركية برفضهم القاطع منذ البدء لمحاولة الانقلاب على المسار الديمقراطي الذي هم جزء من تلابيبه، هذه الصورة لا تلائم برمجة البث الإماراتية، لا استعجاب في هذا، بالتالي جاءت الصورة التي سعت القناة لترسيخها لدى متلقي موجتها أن الجيش انقلب، والانقلاب نجح. مهملة كل الأخبار المتناقلة، والمبثوثة عبر ما توفر على عجالة من خدمة سكايب وهاتف للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزرائه الحالي بنعلي يلدرم، وكذلك كل من السابقين عبد الله غول وأحمد داوود أوغلو، كلهم وكل الأخبار كانت تقول بمحاصرة المحاولة وباستعادة السيطرة وببقاء الحكومة والمؤسسات الدستورية والإدارية والأمنية على رأس عملها بكامل شرعيتها، مجددًا هذا كله كان متواريًا عن عدسة التركيز في سكاي نيوز عربية.

جاءت الصورة التي سعت سكاي نيوز عربية لترسيخها لدى متلقي موجتها أن الجيش انقلب، والانقلاب نجح مهملة كل الأخبار المؤكدة عن فشل المحاولة

وصولًا إلى متابعة خلفيات التغطية، والتي لم تأت من باب صدفة أو "من غير ميعاد"، اتضح لنا عبر مصدر داخل استديوهات سكاي نيوز عربية في أبو ظبي، تحفظ في الكشف عن هويته من باب أن "الرزقة صعبة"، أن رسائل إلكترونية بلغت فريق التحرير من إدارة القناة حددت خطوط التغطية وذلك من خلال اعتماد منهجية تكرار مجزوء للمعلومات المتعلقة بنجاح الانقلاب في الساعات الأولى، وتم إهمال بقية عناصر الصورة الناشئة والمتطورة للحدث، والتي كانت سائرة بوضوح نحو إنهاء كل شيء، وتنظيف الفوضى، وفق العرف الأمني الدستوري في حالات مماثلة، والتي لم يتم التطرق لها عبر موجة سكاي نيوز. كل هذا كان بـإيعاز من ملاك شركة أبو ظبي للاسثمار الإعلامي، ثم تواصل مع فريق التحرير بشكل لحظي عبر برنامج سكايب لتوجيه البث بشكل كامل نحو الحديث عن نجاح الانقلاب.

ماذا يعني كل ذلك، سواء بشأن الإشاعة، أو تضليل المعلومة، حتى لو بتأخير نشرها بعد أن تكون قد مرت مرحلة التحقيق والتثبت، أو إعطاء معلومة واحدة من بين عشر أخريات يختصصن بذات الحدث. القاسم المشترك أنها سلوكيات بذيئة إعلاميًا، ولا نقول عن الصحافيين فقط،  بل حتى مساقات 101 الجامعية تقول بذلك لطلاب الصحافة في يومهم الأول، القاعدة الأولى: لا تكذب. السبب الأساسي لأنك قد تصدق الكذبة في إحدى المراحل. هذا ما لا تريد مؤسسة استثمارية بهذا الحجم من الأموال الموجهة ضد  كل مظهر ديمقراطي التوقف عنده، فحتى لو كانت الديمقراطية بين بطاريق انتاركتيكا، لا تريد سكاي نيوز عربية لها أن ترى للنور سبيلًا. 

اقرأ/ي أيضًا: 

هجوم نيس.. صفعة "يوم الباستيل"

مقتلة نيس".. الحاجة إلى خيال مخابراتي جديد"