سقوط نظام الأسد وتحولات الدولة: سوريا في بنية النظام الدولي
7 سبتمبر 2026
تنطلق الواقعية الجديدة التي طورها كينيث والتز من اعتبار الدولة وحدة تتحرك داخل بنية دولية تتجاوز إرادة الحكومات والأفراد، ويقوم النظام الدولي وفق هذا التصور على الفوضى السياسية وغياب سلطة مركزية عليا تمتلك قدرة دائمة على ضمان أمن الدول أو تنظيم علاقاتها، الأمر الذي يدفع الدول إلى الاعتماد على قدراتها الذاتية والسعي إلى تعزيز أمنها وتراكم قدراتها بما يمنحها مساحة أوسع للحركة داخل النظام. هذا المسار على بنية النظام وتوزيع القدرات بين وحداته، إذ تتشابه الدول في وظائفها الأساسية المرتبطة بالبقاء والأمن، بينما تختلف في حجم الموارد والقدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية التي تمتلكها، ويصبح موقع كل دولة داخل النظام مرتبطًا بدرجة كبيرة بمقدار ما تستطيع حشدَه من هذه القدرات مقارنة بالقوى المحيطة بها.
في الحالة السورية، ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024؛ تغيرت القيادة السياسية، وتشكلت مؤسسات جديدة، وأُقر إعلان دستوري في آذار/مارس 2025، وهي تحولات أعادت تشكيل خصائص الدولة السورية من الداخل، بينما استمرت سوريا في التحرك داخل بيئة إقليمية ودولية تحكمها توازنات قوة تراكمت عبر عقود. ويعني ذلك أن تغيير النظام السياسي يعيد تشكيل الوحدة السورية، فيما تستمر بنية النظام في فرض شروطها على موقع هذه الوحدة وخياراتها الخارجية.
تظهر أهمية هذا التمييز في أن الدولة السورية تدخل مرحلتها الجديدة وهي محاطة بقوى تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وسياسية متفاوتة بصورة كبيرة، من إسرائيل وتركيا إلى القوى العربية والدولية المنخرطة في المشهد السوري. ولذلك يرتبط مستقبل السياسة السورية، وفق منطق الواقعية الجديدة، بقدرة الدولة على إعادة بناء مؤسساتها وتوحيد أدوات القوة وتطوير اقتصادها وتوسيع علاقاتها الخارجية، بما يسمح لها بتحسين موقعها داخل توزيع القدرات، وتحويل عملية إعادة بناء الدولة من مشروع داخلي إلى عملية لإعادة تحديد وزن سوريا داخل النظامين الإقليمي والدولي.
تدخل سوريا الجديدة مرحلة سياسية مختلفة داخل بيئة استراتيجية شديدة التعقيد، وتجد نفسها أمام دول وقوى تمتلك قدرات تفوق قدراتها الحالية بدرجات واسعة، وتتحرك داخل شرق أوسط تتقاطع فيه المصالح التركية والإسرائيلية والإيرانية والخليجية والأميركية والروسية؛ بينما تحتاج الدولة السورية إلى إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والاقتصادية والأمنية، وإعادة تنظيم علاقاتها الخارجية، واستعادة قدرتها على إدارة الحدود والأرض والموارد. يكشف هذا الوضع جوهر الواقعية الجديدة حيث تواجه الدول وظائف متشابهة تتمثل في البقاء والأمن، بينما تختلف قدرتها على تنفيذ هذه الوظائف وفق توزيع القدرات داخل النظام.
في الحالة السورية، ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، شهدت البلاد تحولات سياسية ومؤسساتية عميقة مع إعلان دستوري جديد، في سياق إقليمي ودولي ما تزال تحكمه توازنات قوة تراكمت عبر عقود
تفسر هذه المعادلة جانبًا مهمًا من التحول في السياسة الخارجية السورية، لا سيما وأن دمشق تتجه نحو بناء شبكة علاقات أوسع وأشمل بعيدًا عن إرث التهديد الأمني والاستخباراتي الذي أسس له نظام الأسد عبر الاغتيالات العابرة للحدود. فتحت دمشق مسارات للتعامل مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا ودول الخليج، في الوقت الذي بدأت فيه البيئة الاقتصادية الدولية بإعادة إدماج سوريا تدريجيًا، حيث رفعت الولايات المتحدة برنامج العقوبات الاقتصادية على سوريا اعتبارًا من تموز/يوليو 2025، كما رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية القطاعية خلال أيار/مايو 2025، ثم استعاد الحوار السياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي وسوريا زخمه خلال 2026.
يظهر هنا معنى البنية التي تدفع الوحدات إلى سلوك متقارب؛ لأن الدولة السورية، بصرف النظر عن طبيعة حكومتها الجديدة، تحتاج إلى الأمن، والموارد، والاستثمارات، والدعم الخارجي، وإعادة بناء المؤسسات، وإدارة الحدود، وتخفيف مصادر التهديد، ولذلك تتجه بصورة طبيعية نحو توسيع شبكة علاقاتها الخارجية وتخفيف مصادر الاحتكاك مع القوى الأكثر قدرة حولها. وتتحول السياسة الخارجية في هذه الحالة من مساحة تعبير عن الهوية السياسية وحدها إلى أداة لبناء القدرة التي تحتاجها الدولة من أجل البقاء داخل بيئة إقليمية تنافسية.
ميزان القوى الإقليمي
يكشف مفهوم توزيع القدرات جوهر موقع سوريا الجديدة داخل الشرق الأوسط، على اعتبار أن الدول تبدو متشابهة من حيث الوظيفة الأساسية التي تواجهها داخل النظام الدولي، بينما تختلف جذريًا في الموارد التي تمتلكها وفي قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى قوة سياسية وعسكرية واقتصادية. فمثلًا، تمتلك تركيا قاعدة صناعية وعسكرية كبيرة، وتملك إسرائيل تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واسعًا، وتمتلك دول الخليج موارد مالية ضخمة وشبكات دولية مؤثرة، بينما تدخل سوريا مرحلة إعادة بناء شاملة بعد سنوات طويلة من الحرب والانهيار الاقتصادي والتفكك المؤسسي.
تضع هذه الفجوة سوريا في موقع الدولة ذات القدرات المحدودة داخل نظام إقليمي متعدد القوى، وتجعل قدرتها على فرض إرادتها في الملفات الاستراتيجية مرتبطة بدرجة كبيرة بقدرتها على بناء موارد جديدة داخليًا والاستفادة من علاقاتها الخارجية لتعويض جوانب الضعف القائمة. وهنا تظهر إحدى أهم أفكار الواقعية الجديدة، أي أن الدولة تستطيع امتلاك السيادة القانونية، بينما تحتاج السيادة الفعلية إلى قدرات تحميها وتمنحها أدوات ترجمة القرار السياسي إلى واقع.
تستفيد دمشق في المرحلة الحالية من تغير مهم في البيئة الدولية يتمثل في انتقال سوريا من موقع الدولة المعزولة إلى موقع الدولة التي تستعيد تدريجيًا قنوات التعامل الاقتصادي والدبلوماسي. وقد رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية الرئيسية على سوريا، مع استمرار إجراءات تستهدف أفرادًا وكيانات مرتبطة بنظام الأسد وإجراءات أمنية محددة، كما أنهى القرار الأميركي الصادر في حزيران/يونيو 2025 الأساس القانوني لبرنامج العقوبات الاقتصادية الشامل على سوريا اعتبارًا من يوليو من العام نفسه.
تمنح هذه التحولات دمشق فرصة لزيادة قدراتها، وتمنحها كذلك إمكانية تحويل الانفتاح الخارجي إلى موارد اقتصادية واستثمارية ومؤسسية، بينما يبقى السؤال الواقعي الجديد مرتبطًا بقدرة الدولة على تحويل هذه الفرصة إلى قوة ذاتية مستدامة؛ إذ إن رفع العقوبات يمثل تغيرًا في البيئة الخارجية، والاستثمار يمثل موردًا محتملًا، وإعادة الإعمار تمثل فرصة لتطوير البنية التحتية، بينما تحتاج هذه العناصر كلها إلى دولة قادرة على تنظيمها وتحويلها إلى قدرة وطنية.
يفرض هذا السيناريو على سوريا التفكير في قوتها بمعناها الأوسع؛ لأن الجيش يمثل عنصرًا أساسيًا، بينما يمثل الاقتصاد والموارد والطاقة والموانئ والحدود والمؤسسات الدبلوماسية والاستقرار الداخلي عناصر متداخلة في القدرة الوطنية. وكلما ازدادت قدرة سوريا على إنتاج هذه الموارد، ازدادت قدرتها على التفاوض مع القوى الخارجية من موقع أكثر توازنًا.
تظهر أهمية هذا التحول بصورة أكبر عند النظر إلى موقع سوريا الجغرافي، لكونها تمتلك حدودًا مع تركيا والعراق والأردن ولبنان وإسرائيل، وتطل على المتوسط، وتقع عند تقاطع طرق التجارة والطاقة والاتصال بين الخليج وشرق المتوسط وتركيا والعراق، ولذلك تمنح الجغرافيا السورية الدولة موارد استراتيجية محتملة يمكن تحويلها إلى قوة سياسية واقتصادية إذا نجحت مؤسسات الدولة في استثمارها.
معضلة إسرائيل والأمن الإقليمي
تدخل سوريا الجديدة واحدة من أكثر مراحلها حساسية من زاوية المعضلة الأمنية؛ لكون الدولة تحتاج إلى بناء قوتها العسكرية والأمنية من أجل حماية حدودها وتثبيت سيادتها، بينما تنظر القوى المحيطة إلى أي تراكم سريع للقدرات السورية من زاوية تأثيره على مصالحها الأمنية. وتظهر هذه المعادلة بصورة واضحة في العلاقة مع إسرائيل، حيث شهد جنوب سوريا استمرار العمليات العسكرية والقصف والتوغلات الإسرائيلية خلال 2026، فيما تعمل دمشق دبلوماسيًا على الوصول إلى ترتيبات أمنية مع إسرائيل.
تفسر الواقعية الجديدة هذه الحالة من خلال منطق بسيط وعميق في الوقت نفسه إذ إن كل دولة تسعى إلى زيادة أمنها، بينما تستطيع زيادة أمن دولة أن تنتج شعورًا بانخفاض أمن دولة أخرى. وعندما تبدأ سوريا بإعادة بناء جيشها، فإن دمشق تقرأ الخطوة باعتبارها جزءًا من استعادة سيادة الدولة وقدرتها على حماية حدودها، بينما تستطيع إسرائيل قراءة الخطوة ذاتها باعتبارها تغيرًا محتملًا في البيئة الأمنية المحيطة بها، خصوصًا مع التاريخ الطويل للصراع السوري الإسرائيلي، ووجود الجولان المحتل، وتراكم القدرات العسكرية الإسرائيلية على الحدود السورية.
تجعل هذه المعادلة إعادة بناء الجيش السوري قضية تتجاوز الشأن الداخلي، فتدخل مباشرة في حسابات الأمن الإقليمي. ويصبح حجم الجيش، ونوعية التسليح، وشبكة العلاقات العسكرية الخارجية، وانتشار القوات، والسيطرة على الحدود، والقدرات الصاروخية والجوية والدفاعية، كلها عناصر تدخل في حسابات القوى المحيطة.
تفرض تركيا بدورها معادلة مختلفة، حيث تمتلك أنقرة قدرات عسكرية واقتصادية كبيرة، وتملك مصالح مباشرة في أمن الحدود وفي مستقبل المناطق الشمالية وفي الملف الكردي وفي حركة التجارة والطاقة واللاجئين، بينما تحتاج دمشق إلى علاقة مستقرة مع أنقرة خلال مرحلة إعادة بناء الدولة. وتتحول العلاقة التركية السورية بالتالي إلى أحد أهم الاختبارات التي يمكن من خلالها قياس قدرة دمشق على تحويل الجغرافيا من مصدر للضغط إلى مصدر للقوة.
تبحث سوريا في هذه البيئة عن صيغة تسمح لها بإعادة بناء مؤسساتها العسكرية والسياسية مع الحفاظ على شبكة علاقات خارجية تمنحها هامشًا أوسع للحركة. وتظهر هنا أهمية التنويع؛ فاعتماد الدولة على قوة خارجية واحدة يجعل قدرتها على المناورة محدودة، بينما يمنحها توزيع العلاقات بين تركيا ودول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا وقوى أخرى قدرة أكبر على تحقيق التوازن.
تظهر التطورات الأخيرة في الشمال والشرق السوري انتقال عملية إعادة تشكيل القوة العسكرية من مرحلة التفاوض حول مستقبل القوات الكردية إلى مرحلة إدماجها التدريجي ضمن مؤسسات الدولة؛ إذ أعلنت قوات سوريا الديمقراطية في آب/أغسطس 2026 حلها كقوة عسكرية مستقلة، ضمن اتفاق دمج مقاتليها في مؤسسات الدفاع السورية، مع انتقال عدد من قياداتها إلى مواقع داخل مؤسسات الدولة. ويعكس هذا المسار محاولة دمشق استعادة احتكار الدولة للقوة المسلحة وتوحيد مراكز القرار العسكري والأمني، فيما يرتبط نجاح العملية بقدرة الحكومة على إدارة العلاقة مع المكونات الكردية وتركيا والقوى الدولية التي ارتبطت بهذه القوات خلال سنوات الحرب.
وتتحول عملية بناء الجيش السوري بذلك إلى جزء أساسي من إعادة بناء الدولة وموقعها داخل النظام الإقليمي؛ لأن امتلاك مؤسسة عسكرية موحدة يرفع قدرة دمشق على حماية الحدود، وإدارة التهديدات الداخلية، والتفاوض مع القوى الإقليمية من موقع أكثر تماسكًا، فيما يمنح استمرار الترتيبات العسكرية المتعددة القوى الخارجية مساحة أوسع للتأثير في القرار الأمني السوري. لهذه العملية أهمية إضافية في ظل استمرار الحضور العسكري التركي في الشمال، وحساسية أنقرة تجاه البنية السابقة لقوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب الحسابات الإسرائيلية المتعلقة بأي تراكم مستقبلي للقدرات العسكرية السورية.
بين الإيديولوجيا وخالقوة
عمومًا، تدفع الواقعية الجديدة الدول إلى التعامل مع القوة باعتبارها عنصرًا مركزيًا في بناء الأمن، ولذلك يمكن قراءة السياسة الخارجية السورية الجديدة من زاوية مختلفة عن القراءة التي تجعل التحولات مجرد انتقال أيديولوجي من محور إلى محور. سابقًا، ارتبط نظام الأسد بعلاقات استراتيجية عميقة مع إيران وروسيا، بينما تتحرك سوريا الجديدة نحو شبكة أكثر تنوعًا تضم تركيا ودول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا، وتسعى إلى استعادة موقعها داخل البيئة العربية والدولية.
تعكس هذه السياسة مفهوم الموازنة أكثر مما تعكس مجرد تغيير في الخطاب السياسي، لأن الدولة التي تمتلك قدرات محدودة تحتاج إلى بناء علاقات تسمح لها بالحصول على الموارد والخبرات والاستثمارات والغطاء السياسي، وتحتاج في الوقت نفسه إلى توزيع علاقاتها الخارجية بصورة تمنع تشكل اعتماد مفرط على قوة واحدة.
تستفيد دمشق من تنويع علاقاتها الخارجية في توسيع مساحة المناورة وتقليل الاعتماد على طرف واحد، عبر جذب الاستثمار وإعادة الإعمار والتكنولوجيا والخبرات العسكرية والمؤسساتية، مقابل حاجة القوى الخارجية إلى سوريا مستقرة وقادرة على ضبط أراضيها وحدودها
تتحول الدبلوماسية السورية في هذه الحالة إلى أداة من أدوات بناء القوة، ويصبح التقارب مع الخليج جزءًا من إعادة بناء الاقتصاد، ويصبح التعاون مع تركيا جزءًا من ترتيبات الأمن والحدود والتجارة (خصوصًا بعد دخول تركيا في اتفاق مكة الدفاعي 2026) ويصبح الانفتاح الأوروبي والأميركي جزءًا من إعادة الاندماج الاقتصادي والسياسي، بينما يمكن أن تستمر العلاقات مع روسيا وفق المصالح التي تتشكل حول القواعد والوجود العسكري والاقتصاد والطاقة وغيرها من الملفات.
تستفيد دمشق من تنويع علاقاتها الخارجية في توسيع مساحة المناورة وتقليل الاعتماد على طرف واحد، عبر جذب الاستثمار وإعادة الإعمار والتكنولوجيا والخبرات العسكرية والمؤسساتية، مقابل حاجة القوى الخارجية إلى سوريا مستقرة وقادرة على ضبط أراضيها وحدودها؛ ليعكس هذا المسار تحولًا في وظيفة السياسة الخارجية السورية، من تثبيت النظام السياسي والمحاور الإقليمية إلى إعادة بناء الدولة وزيادة مواردها وقدراتها، ومن القرب الأيديولوجي إلى شبكة علاقات تحكمها المصالح والحسابات الاستراتيجية؛ لكون البيئة الدولية تفرض على الدول قيودًا وحوافز متشابهة، فتدفع سوريا إلى تعزيز أمنها، وتوسيع خياراتها، وتنويع شراكاتها، وبناء قدرتها الذاتية بما يحسن موقعها داخل توزيع القوى الإقليمي.
من التكيف إلى التأثير
تصل المسألة السورية إلى جوهر الواقعية الجديدة عند قياس قدرة دمشق على الانتقال من دولة تتكيف مع توزيع القدرات المحيط بها إلى دولة تمتلك أدوات تسمح لها بالتأثير فيه؛ وتمتلك سوريا مقومات جغرافية وسياسية واستراتيجية مهمة، تشمل الموقع والحدود والساحل والموارد البشرية والطبيعية، وتحتاج هذه المقومات إلى مؤسسات قادرة على تحويلها إلى قوة وطنية فعلية.
تبدأ عملية التحول بتثبيت الدولة وإعادة بناء الاقتصاد وتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية وتنويع الشراكات الخارجية، بما ينقل سوريا تدريجيًا من موقع الدولة الباحثة عن الموارد والحماية إلى دولة تمتلك موارد وقدرات تمنحها مساحة أوسع للمساومة. ويكتسب الاقتصاد هنا أهمية استراتيجية؛ لكون رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية منذ 2025 قد أتاح مساحة أكبر أمام التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، وهي عناصر ترتبط مباشرة بقدرة الدولة على تمويل الدفاع والمؤسسات والتنمية.
تفرض العلاقة مع إسرائيل وتركيا والقوى الإقليمية إدارة دقيقة لاختلالات القوة، خصوصًا في الجنوب السوري، حيث اتجهت دمشق إلى الدبلوماسية والترتيبات الأمنية مع إسرائيل كأداة لإدارة ميزان قوة مختل، بالتوازي مع إعادة تنظيم المجال العسكري الداخلي ودمج القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة. وتضيف ملفات الأسلحة الكيميائية والأنشطة النووية السابقة والحالية بعد تقرير الأمم المتحدة حول وجود أكثر من 37 طنًا من اليورانيوم الطبيعي بعدًا آخر لإدارة القوة السورية، حيث يمنح التعاون مع المؤسسات الدولية دمشق فرصة لتعزيز الثقة وإعادة الاندماج في النظام الدولي.
وتتحدد قدرة سوريا على تغيير موقعها داخل توزيع القوى بقدرتها على تحويل عناصرها الكامنة إلى قدرات فعلية؛ لأن الموقع يتحول إلى قوة عبر التجارة والطاقة والاتصال، والموارد البشرية عبر اقتصاد منتج، والجيش عبر مؤسسة موحدة، والعلاقات الخارجية عبر خيارات متعددة؛ وبالمحصلة فإن تغير النظام السياسي يعيد تشكيل هوية الدولة السورية، بينما تحدد قدرتها على بناء القوة موقعها داخل بنية النظام الإقليمي.