سقوط منظومة العرف القبلي

سقوط منظومة العرف القبلي

شبان من بلدة تسيطر عليها حركة الشباب 2012 (Getty)

يورد الباحثون أن العرف الصومالي الـ"حير" سبق في نشأته ظهور الإسلام بقرن من الزمن، وقد كان الناظم لمناحي الحياة، ووسيلة لحل إشكالات مجتمع أصبح أكثر ميلًا للبداوة جيلًا بعد جيل، نظرًا للتغيرات البيئية المؤدية إلى ظهور العرف، والتي أدّت إلى اضطراد استبدال قطعان البقر وحياة الاستقرار، بقطعان الإبل وما تحتاجه من اعتياد الترحال، ومع اضمحلال دور المدن الساحلية والداخلية الكبرى، أصبح التطوّر الطارئ نحو البدواة وأعرافها هو السائد في معظم أرجاء البلاد.

مع اضمحلال دور المدن الساحلية والداخلية الكبرى، أصبح التطوّر الطارئ نحو البدواة وأعرافها هو السائد في معظم أرجاء الصومال

ومع دخول القوى الغربية والانتقال إلى مرحلة الدولة الحديثة، فقد واجهت القوانين الوضعية ومؤسسات تطبيقها مقاومة شديدة من قبل الجهات المنتفعة من التقاليد القديمة المبنية على الأعراف القبلية وما تحمله من تباينات طبقية مبنية على "الغَلَبة" وحل الخلافات على مبدأ "التسويات" و"التعويض المادي"، إلّا أن فترة الثورة الثقافية التي قادها توجه الطبقة الحاكمة في البلاد نحو الاشتراكية العلمية بعد انقلاب سنة 1969، قاد لتراجع شديد في دور القيادات التقليدية، وتحوّلها إلى هياكل شرفية فاقدة لسلطتها المعنوية على فئات المجتمع، بعد استقرار فكرة وحدة الشعب والمساواة بين الجميع على أساس المواطنة.

ومع لعب نظام الجنرال محمد سياد بري لورقة التمييز العنصري القبلي، والبدء بأعمال عقاب جماعي وتصفية وتدمير في قمع تمردي سنة 1978 و1988، فقد تهيّأت كل الظروف لتصاعد شديد في حدة الشعور بأولوية الانتماء القبلي "الجزئي والاختياري" على حساب الشعور الوطني "الكلّي والمفروض فرضًا"، ما أدى لاسقاط النظام وانهيار الدولة!

أدت سنوات الخضوع للسلطة الغربية والضغط الشديد الذي أوقعته الدولة الحديثة على المنظومة العرفية القبلية، إلى تحوّل مراكز القيادة القبلية الفاعلة من حالة الانتخاب، إلى الوراثة مؤديًا إلى تراجع قدرة المجموعات القبلية على عزل وتحجيم القيادات غير ذات الكفاءة، ومع استمرار الأحوال على تلك الصورة، تدهور بشكل بسريع الإلمام بمفردات الأعراف التقليدية والمبادئ الأساسية التي قامت عليها، خاصة الإنسانية منها وما كانت تصنعه من قدوات ومفاخر، شأنها شأن أي تشريع وضعي، في تجلٍّ لسعي المجتمعات البشرية نحو التوفيق بين العدالة من جهة والتنافس بين فئات المجتمع الواحد من جهة أخرى، ضمن مسلّمة حياتية ثابتة فحواها أن "القوي قد يضعف وأن الضعيف قد يقوى وأن العدالة والتسامح يضمنان استمرار الجميع وعدم السماح لأي طرف بتدمير الآخر".

حالة الضعف تلك التي اعترت المنظومة العرفية، جعلتها تعجز عن قيادة المجتمع، بعد انقطاع النسق التاريخي لنفوذ قادتها خلال أكثر من نصف قرن من التبعية للسلطة الحديثة، وأكد ذلك انضمامها المتأخر، في حال فعلت، للتمردات التي قاتها فئات متعلمة أو شابة، بما حصر دور العرف القبلي وقياداته التقليدية بـ"تشريف" مراسم الزفاف من خطبة وعقد قران تكريمًا لأسرة العروس، والتفاوض في حوادث القتل والإصابة، لتحقيق الصلح بعد رد الاعتبار بالدية "مَغْ" أو التعويض "مَغْ-طَوْ" و ردّ الاعتبار "حال".

في الصومال، تدهورت مفردات الأعراف التقليدية والمبادئ الأساسية التي قامت عليها، خاصة الإنسانية منها

وقد يكون لانهيار الدولة بداية التسعينيات دور كبير في تلوّث القيادات القبلية العليا بتردي الأوضاع السياسية في البلاد، وانخراط فئات منها في الصراعات الدموية التي حدثت، إمّا بالتحريض والتجنيد المباشر، أو تهيّب الانتقاد العلني لقيادات الجبهات أو أمراء الميشليات القبلية، ناهيك عن اعتماد الكيانات البديلة التي قامت على مساحة البلد على فساد القادة التقليديين في إخضاع الجماهير لإرادة القادة السياسيين، المستثمرين في الحزازيات والصراعات القبلية، مستفيدين من موازين القوى العسكرية التي ظهرت على السطح، بخروج أطراف قبلية معيّنة منتصرة بسقوط النظام وأخرى خاسرة لذات النتيجة.

وعلى الرغم من أن الاعتماد على منظور قبلي بحت في الاستفادة من "غلبة" عناصر قبلية معينة على حساب أخرى، فإن اللافت أن ذلك المنظور القبلي انتقل بفعل مستجدات الواقع الميداني من الحالة "العرفية" إلى الحال "السياسي"، مانحًا فئات المجتمع المختلفة "قبليًا" سلطة "عرفية" تفوق الدولة وتعلو على القانون، مما أغرق كل الكيانات التي ظهرت على كامل خريطة البلد، في حالة من الفوضى الحقيقية، يتم ضبطها عبر "تسويات" قبلية آنية، فاتحة المجال لاعتماد تلك السوابق كـ"عرف" سياسي، يتفوّق في أولويته وشرعيته على القانون، ونظم الإدارة والتسيير الحديثة، فاتحًا المجال لنهب المال العام، كثمرة شرعية للمحاباة، ومضاعفًا كُلَفَ الاستثمار تحت أعباء الرشى والترضيات والتعويضات الناتجة عن النزاعات والشغب الذي يتم إثارته من قِبَلِ الساسة حينًا، ومن القيادات التقليدية أحيانًا أخرى!