سفارات مصر..

سفارات مصر.. "في كل حتة مُخبر"

"بانكسي/2015"

استوقفت سلطات الأمن المصرية الطبيب عاطف بطرس العطار المحاضر بقسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة ماربورغ الألمانية بمطار القاهرة حال عودته للبلاد، الجمعة 29 كانون الثاني/يناير. بطرس هو أحد الأعضاء المؤسسين لمؤسسة ميادين التحرير للتنمية المستدامة. احتجز الباحث طيلة سبع ساعات بمقر الأمن الوطني بالمطار كان بها قيد التحقيق. قبل أن يتم اتخاذ قرار بترحيله مرة أخرى وإبلاغ أهله وأصدقائه بأنه ممنوع من دخول مصر مدى الحياة، الباحث من جهته رفض القرار وقرر الاعتصام في المطار متمسكًا بحقه في دخول بلده. لكنها لم تكن صدفة أن تتم كل هذه الإجراءات فور وصول الباحث للأراضي المصرية، ولم تكن صدفة أيضًا أن ترتبط الواقعة بالسفارة المصرية ببرلين.

عقلية "الأمنجية" نجح نظام السيسي في بثها داخليًا وخارجيًا على السواء، فالجميع يلاحظ انتشار ظاهرة المخبرين في الشارع في العامين الأخيرين

فالسفارة التي يترأسها السفير المصري بدر عبد العاطي -السفير ذاته كان المتحدث الرسمي السابق لوزارة الخارجية واشتهر حينها عندما طرد أهالي الشباب المختطفين في ليبيا من مكتبه- كانت قد تعرضت للانتقادات الكبيرة بعدما أوشت بالصحفي المصري إسماعيل الإسكندراني والذي تم استيقافه واعتقاله هو الآخر بمطار الغردقة منذ نهاية نوفمبر الماضي، وقيل وقتها أن احتجازه كان بناءً على مذكرة دونت السفارة فيها قيامه بالمشاركة بعدة ندوات هاجم فيها نظام السيسي.

وفي واقعة عاطف العطار لن تسلم السفارة أيضا من أصابع الاتهام التي تفيد بدورها في كتابة التقارير الأمنية التي تفيد بمشاغبة الطبيب لمشاركته في أكثر من تظاهرة للمصريين أمام مقر السفارة ببرلين مواكبة لزيارة السيسي الماضية لألمانيا.

في الوقت الذي فشلت الخارجية المصرية في حل أي ملف حيوي يخص أمن البلاد بحق -مثل سد النهضة مثلا- هي المخوّلة بالنظر والبت فيه منذ قدوم السيسي، ارتضت لنفسها أن تكون إحدى الفروع الرئيسية للأمن الوطني خارجيا.

عقلية "الأمنجية" التي نجح نظام السيسي في بثها داخليًا وخارجيًا على السواء. فالجميع يلاحظ انتشار ظاهرة المخبرين في الشارع المصري بشكل غير مسبوق في العامين الأخيرين. فطالما كان المخبر المصري قبيل عصر السيسي هو الشخص الذي يتلصص على بعض المواطنين بأمر ما من رؤسائه مقابل أجر. وكان التعاون بين بعض الإعلاميين ورؤساء الجامعات بينهم وبين الأمن أقل صراحة من الوضع الحالي. إلا أن المخبرين في عصر السيسي زادت مساحتهم في المجتمع بدرجة كبيرة للغاية فستجد بائعي الأكشاك والبوابين والسماسرة وشيوخ الجوامع وأغلب الإعلاميين وكل من يملك معلومة للأمن، لا يهم مدى أهمية المعلومة، لا يهم أهمية الشخص الذي تم التلصص عليه، ولا يهم حتى لو لم يكن مُكلف أحدهم بالتلصص عليه.

نجح نظام الانقلاب في نشر الهلع في المجتمع بالقدر الذي خلق بداخل كل واحد منا عقلية مخبر تجاوره في إحدى خلفيات المشهد المصري

الكثيرون جدًا في مصر مستعدون للعمل لدى الأجهزة الأمنية كمخبرين دون أجر، لأن "مصر تحارب الإرهاب"، ولذلك لن تستغرب ما يحدث مؤخرًا في المجتمع من تكرار واقعة أن يقوم أحد المواطنين بإبلاغ الأمن على ابنه لمشاركته بنشاطات سياسية. ولن تستغرب من بث تسجيلات خاصة على الهواء مباشرة من إعلامي محسوب على الدولة لمعارضين سياسيين أمام الجميع. ولن تستغرب التشهير بصور خاصة لأحد المخرجين من قبل الإعلاميين أيضًا.

نجح النظام، الذي لا يهمه كفاءتك وأهليتك للمنصب ولكن مدى إخلاصك للأمن، في نشر الهلع في المجتمع بالقدر الذي خلق بداخل كل منهم عقلية مخبر قد تضطره للإبلاغ عن أحدهم لمجرد الشك به "حماية لمصر". مهما دفعك ذلك لانتهاك أي قوانين دستورية فلا معنى للدستور في مصر وهي قيد الحرب على الإرهاب.

اقرأ/ي أيضًا: 

مصر..اختبارات منتصف العام خلف القضبان

سيناء..الأسئلة المحرمة!