سطوة الحكاية

سطوة الحكاية

جزء من لوحة لـ بطرس المعري/ سوريا

تعود هذه الحكاية الى التداول مرة أو مرتين في العام، يتناقلها المدونون، يكتب عنها صحفيون، تسردها إذاعات في برامجها الصباحية لتدهش مستمعيها. وهي في الحقيقة تنجح كل مرّة بإدهاشهم. تحمل كل العناصر التي نحبّها: تلتقطنا بدايةً من نقطة حاضرة في مألوفنا، تخبرنا شيئًا سريًا عنها، تكشف خديعة، تجمع متناقضات قلّما تجتمع، تطعن شخصًا عالي المقام في لبّ سمعته، وفيها أيضًا رشة من تلك المنكّهات الممتعة: نبوغٌ مبّكر، موت مبكّر، انتحال، مبالغ صغيرة جدا لقاء سلع غالية جدا، وهكذا..

هناك حكاية غريبة شائعة عن سرقة الأخوين رحباني لقصائد الشيخ الشاعر على بدر الدين!

غالبًا ما تسير الأمور ضمن تلك الحلقة الدورانية، شخص يقرأ الحكاية مكتوبة برصانة في مكان ما، يرويها لك شفويًا بطريقة أكثر جاذبية: هل تعرف أغنية فيروز "أنا يا عصفورة الشجن"؟ وحين تتلكأ في الإجابة بانتظار معرفة ما يريد الوصول إليه، يتابع بحماس: ما بك؟ مثل عينيك بلا وطن 

بي كما بالطفل تسرقه    

أول الليل يدُ الوسن 

تهزّ رأسك لتقول إنك تعرف، يكمل بأجمل أبيات القصيدة:

راجعُ من صوب أغنية

يا زمانًا ضاع في الزمن

 

أنا لا أرض ولا سكن

أنا عيناك هما وطني

ستقول لتستعجله: طبعًا أعرفها، ما بها؟ يأخذ نفسًا ويجهز عليك بالطريقة نفسها: إذًا فأنت تعرف أيضًا "لململت ذكرى لقاء الأمس بالهدب"؟ تصبح أكثر ثقة بعد أن عرفت طريقته في السرد، فتسرد عليه بإيقاع مستعجل: ورحت أحضرها في الخافق التعب

حيرى أنا يا أنا والعين شاردةٌ   

أبكي وأضحك في سري بلا سبب 

كذا كذا حتى تقول: أهواه؟ من قال إني ما ابتسمت له   دنا فعانقني شوقٌ إلى الهربِ

أعرفها أيضًا ما بها؟ سيسألك لمن تظن تلك الأبيات، قد تعرف وقد تمسك بهاتفك وتبحث على غوغل الذي سيقودك لمئات المواقع التي تقول جميعًا: "كلمات وألحان الأخوين رحباني". 

سيبتسم ابتسامة آلان تورنغ حين نجح بفكّ شيفرة الجيش النازي، ويصفعك بتلك الطعنة المدوية: ليست لهما، لقد سرقاها. 

ثم سيروي لك القصة بعد مقدمات مشوقة ومحفّزة، وهنا لن يختلف الإيقاع بين الشفوي والمكتوب، سيحكي عن الشيخ الشاب علي بدر الدين، الذي ظهر نبوغه الشعري في الخامسة عشر، وكتب قصائد غزلية ساحرة خجل من إلقائها أمام أحد، لأن الغزل الصريح لا يليق بشيخ معمم يدرس في النجف. 

قبل بضع سنوات من العثور على جثة علي بدر الدين قتيلًا في الثلاثين على الطريق بين بلدته حاروف وبين مدينة النبطية القريبة، استهدى عاصي الرحباني إليه عن طريق أحد المعارف المشتركين، والذي عرض على بدر الدين أن يبيع بعضًا من غزلياته ليساعد أهله الذي ضاقت بهم الأحوال ككل عائلات الجنوب في ذلك الوقت من بدايات الحرب الأهلية. وافق الشيخ على بيع كل قصيدة بثلاثين ليرة لبنانية مقابل ألا يذكر اسمه أبدًا ولا تُنسب إليه ولا يعرف أحد أنه كاتبها الحقيقي. 

قال الشاعر عمر أبو ريشة لمنصور الرحباني: هل تعطيني بيتًا من شعرك مقابل ديوان من شعري؟

وكما تُستعاد هذه الحكاية بمعدل زمني ثابت، تنطفئ باستعادة حكاية مناقضة تفنّد مجرياتها وتخلخل سياقها، استنادًا إلى تواريخ الأحداث: علي بدر الدين ولد في عام 1949 وفيروز سجّلت أغنية "لملت ذكرى لقاء الأمس" في محطة الشرق الأدنى في عام 1953 أي حين كان عمر الشاعر المفترض أربع سنوات، وسجّلت "أنا يا عصفورة الشجن" لصالح إذاعة الكويت في عام 1964 أي حين كان الشاعر في الخامسة عشر، والقصيدتان مطبوعتان في ديوان منصور الرحباني، وهو ما لن يفعله لو كانت القصة صحيحة، وكان سيكتفي بالقصيدة مغنّاة، ويستشهد بعض المفندّين بعبارة المجاملة التي قالها عمر أبو ريشة لمنصور الرحباني: هل تعطيني بيتًا من شعرك مقابل ديوان من شعري؟ وكان يقصد:

نسيت من يده أن أسترد يدي    

طال السلام وطالت رفّةُ الهدب

ودائمًا ما تصلح حسابات بهذه الدقّة والموضوعية (والجلافة) لتبرّد القصة المشوّقة لبضعة أشهر، تنهض بعدها من الرماد، وتنبعث على صفحات التواصل الاجتماعي، ثم وسائل الإعلام، ثم جلسات المقاهي، ثم يعود واحد من أولئك الجادين أصحاب الشوارب الكثّة ليصوّب من جديد، وتستمر الدورة. 

اقرأ/ي أيضًا: فيروز ليست صنمًا

تكرار هذه الحكاية بهذه الطريقة، ولهذه السنوات الكثيرة، يؤكد أن للحكاية الجميلة سطوة، وسرًا يجعلها عصية على الفناء.

وإن كان لا بد من إبداء رأي شخصي في الانحياز إلى إحدى الحكايتين، فأنا أنحاز إلى الحكاية الأجمل بغض النظر عن صحتها، والقصيدتان تستحقان بعض الغموض، فلنعده لهما كلما استطعنا ذلك. ومن وجهة نظر قارئ للشعر، فكاتب هاتين القصيدتين هو حتمًا من كتب قصيدة ثالثة غير مختلف عليها، لكنّها تملك الروح ذاتها، وأقصد: 

يا هموم الحب يا قُبل   في بحار الشوق تغتسلُ

كلما قلنا صفا زمنٌ    رجعت كالريح تشتعلُ 

 

اقرأ/ي أيضًا:

زياد الرحباني وكعوب النساء

أغنية "لمين"..جديد السيدة فيروز يثير صخبًا على السوشال ميديا