سخر منها البعض.. 7 أبحاث غيّرت وجه العالم
15 ديسمبر 2025
في وقتٍ تتجه فيه الولايات المتحدة إلى تقليص تمويل البحث العلمي بشكل غير مسبوق، يعيد علماء وخبراء التذكير بحقيقة غالبًا ما تُهمَل في النقاشات السياسية، فكثير من أعظم الابتكارات التي غيّرت حياة البشر انطلقت من أبحاث أساسية بدت، في بداياتها، بلا فائدة عملية واضحة.
فمع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، شهد قطاع البحث العلمي ضربات قاسية، بعدما ألغت المعاهد الوطنية للصحة ما يقارب ملياري دولار من المنح المعتمدة، وأنهت المؤسسة الوطنية للعلوم أكثر من 1400 منحة بحثية. كما يقترح مشروع موازنة عام 2026 خفض الإنفاق على البحث والتطوير غير العسكري بنسبة 36%، وهو ما يثير قلقًا واسعًا داخل الأوساط الأكاديمية.
البحث الأساسي ليس ترفًا علميًا، بل استثمار طويل الأمد في مستقبل البشرية
ويحذّر جون هولدرن، المستشار العلمي السابق للرئيس باراك أوباما، من أن هذه التخفيضات تستهدف خليطًا من الأبحاث التطبيقية والأساسية، لكن الضرر الأكبر سيقع على ما يُعرف بـ"أبحاث الأفق المفتوح" أو البحث الأساسي. ويؤكد هولدرن أن العائد المجتمعي لهذا النوع من البحث مرتفع للغاية، إذ غالبًا ما يحقق عائدًا مضاعفًا مقارنة بحجم الاستثمار فيه، رغم أن نتائجه لا تظهر بسرعة.
مجلة "نيتشر" العلمية، استعرضت أبرز الأبحاث العلمية التي غيرت وجه العالم في العصر الحديث، في محاولة منها لإعادة التذكير بأهمية تمويل البحث العلمي.
من ينابيع حارة إلى ثورة في الطب الجنائي
أحد أبرز الأمثلة على قوة البحث الأساسي يعود إلى ستينيات القرن الماضي، حين كان طالب جامعي يُدعى هدسون فريز يجمع عينات بكتيرية من الينابيع الساخنة في متنزه يلوستون الوطني. ما بدا آنذاك فضولًا علميًا بحتًا، قاد لاحقًا إلى اكتشاف إنزيم قادر على العمل في درجات حرارة مرتفعة جدًا.
هذا الاكتشاف مهّد الطريق لتطوير تقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR)، التي أحدثت ثورة في الطب، وتشخيص السرطان، وزراعة الأعضاء، والطب الشرعي، وأصبحت أداة لا غنى عنها في مختبرات العالم.
التصوير بالرنين المغناطيسي
التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، الذي يُعد اليوم ركيزة أساسية في الطب الحديث، نشأ بدوره من أبحاث فيزيائية "غامضة" تعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين، ركزت على خصائص النوى الذرية ولفّها المغناطيسي.
هذه الأبحاث، التي لم يكن يتصور أحد أن لها أي تطبيق طبي آنذاك، تطورت عبر عقود لتتحول إلى تقنية تصوير غير جراحية، مكّنت الأطباء من رؤية تفاصيل دقيقة داخل جسم الإنسان، وأسهمت أيضًا في فهم أعمق لوظائف الدماغ عبر التصوير الوظيفي.
جذور نباتية تقود إلى الشاشات المسطحة
في أواخر القرن التاسع عشر، لاحظ عالم نباتات سلوكًا غريبًا لمركبات مستخرجة من جذور الجزر. لاحقًا، تبيّن أن هذه المواد تمثل حالة جديدة من المادة، لا هي صلبة بالكامل ولا سائلة بالكامل، وأُطلق عليها اسم "البلورات السائلة".
ورغم أن هذا الاكتشاف قوبل بالرفض والتشكيك لعقود، فإنه أصبح أساسًا لتقنيات الشاشات المسطحة الحديثة، التي غيّرت عالم التلفزيون والهواتف الذكية، وامتدت تطبيقاتها إلى مجالات مثل الروبوتات والمواد الذكية ومكافحة التزوير.
من بكتيريا مغمورة إلى تحرير الجينات
ثورة تعديل الجينات باستخدام تقنية CRISPR لم تبدأ في مختبرات طبية متقدمة، بل في دراسة متواضعة لكائنات دقيقة تعيش في بيئات قاسية. ففي أواخر الثمانينيات، اكتشف الباحث الإسباني فرانسيسكو موخيكا تكرارات غامضة في الحمض النووي لبعض الكائنات المجهرية.
لاحقًا، تبيّن أن هذه التكرارات تمثل نظامًا مناعيًا تكيفيًا يحمي البكتيريا من الفيروسات. هذا الفهم الأساسي قاد، بعد سنوات، إلى تطوير أداة دقيقة لتحرير الجينات، فتحت آفاقًا جديدة لعلاج أمراض وراثية خطيرة، ونالت بفضلها إيمانويل شاربنتييه وجينيفر دودنا جائزة نوبل في الكيمياء عام 2020.
أدوية التخسيس مستوحاة من سحلية سامة
حتى الأدوية التي تُعد اليوم من "معجزات العصر"، مثل أدوية إنقاص الوزن وعلاج السكري من فئة GLP-1، تعود جذورها إلى أبحاث غير متوقعة. فقد أسهمت دراسة سمّ سحلية "وحش جيلا" في اكتشاف جزيء قادر على محاكاة هرمون بشري ينظم الشهية وسكر الدم.
هذا المسار البحثي، الذي لم يكن موجّهًا أصلًا لإنقاص الوزن، أدى إلى تطوير أدوية أحدثت تحولًا في علاج السكري والسمنة، وتُقدّر قيمتها السوقية المستقبلية بعشرات المليارات من الدولارات.
من زهور إلى أدوية جينية
في تسعينيات القرن الماضي، حاول علماء جعل أزهار "البيتونيا" أكثر بنفسجية، لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا. هذا الفشل الظاهري كشف عن آلية "تداخل الحمض النووي الريبي"، التي أصبحت لاحقًا أساسًا لفئة جديدة من الأدوية الجينية.
اليوم، تُستخدم هذه التقنية لعلاج أمراض نادرة وخطيرة، وكان آخرها دواء معتمد حديثًا لعلاج الهيموفيليا، بعد أكثر من ثلاثة عقود من البحث الأساسي المتواصل.
نيازك قديمة وهواء أنقى
حتى القوانين البيئية الحديثة مدينة للبحث الأساسي. فمحاولات عالم الجيوكيمياء كلير باترسون لتحديد عمر الأرض عبر تحليل النيازك قادته إلى اكتشاف مستويات خطيرة من التلوث بالرصاص في الهواء.
هذا الاكتشاف أشعل معركة طويلة مع صناعة الوقود، وانتهى بحظر البنزين المحتوي على الرصاص، وهو قرار يُقدّر أنه أنقذ ملايين الأرواح ووفّر تريليونات الدولارات على الاقتصاد العالمي.
تُظهر هذه الأمثلة أن البحث الأساسي ليس ترفًا علميًا، بل استثمار طويل الأمد في مستقبل البشرية. ويحذّر العلماء من أن تقليص تمويله اليوم قد يعني غياب اكتشافات الغد، تلك التي لا يمكن التنبؤ بها، لكنها غالبًا ما تغيّر العالم بطرق لم تكن تخطر على البال.







