سحر خليفة.. فلسطين المشتهاة

سحر خليفة.. فلسطين المشتهاة

المواجهة في حيز الممارسة من بين أبرز السمات التي طبعت تجربة سحر خليفة (Wikimedia)

تنطلق الروائية والأكاديمية الفلسطينية سحر خليفة في إصدارها الأخير عن دار الآداب بعنوان "روايتي لروايتي" معلقة أسئلة واستذكارات شاسعة، ليس فلسطينيًا وحسب، بل عربيًا وأدبيًا كما لناحية تلقي الرواية وهضمها نقديًا.

تمحور اشتغال سحر خليفة بفلسطين في باب ما تحتاجه فلسطين الآن وهنا

 لم تقدم خليفة هذه المرة، كما جرت عادتها رواية بجسد ملحمة سوسيولوجية. بل أقدمت على أهم خطوات ردم الهوة بين ذات الكاتب ومواضيعه. إذ أن ما "روايتي لروايتي" إلا سيرة هجينة بين الأدبية والذاتية، ضمن الخاص لكن وفق اشتباكه بالعام وخيباته منه كما تعويلاته عليه.

اقرأ/ي أيضًا: أشباح غيل سكوت - هيرون.. إيقاع مضاد للرحيل

لا تحاكي خليفة في هذا النص التراكمي إلا تجربتها المفتوحة على العام/العمومي والمتلاقحة معه، حتى ضمن أشد خصوصياتها، بما هي فاعل ومفعول به ضمن تلك التجربة. كما لم تتغطرس واضعة "عباد الشمس" أسلوبيًا للتعمية عن المكاشفات التي كثيرًا ما تم التهرب منها في صفحات السير العربية.

المواجهة في حيز الممارسة من بين أبرز السمات التي طبعت تجربة سحر خليفة (Wikimedia)

ربما لم تقدم سحر خليفة جديدًا هذه المرة، ليس بشأن المحطات وتفاصيلها، بل أن لا جديد أسلوبيًا. هذا ليس بغريب عن قلمها للمناسبة. إذ من بين ما ميز سيرتها الروائية، وجود خيط من التراكم الأسلوبي والتاريخي أيضًا، يجعل من أعمالها الروائية حقلًا قابلًا للثقف التحقيبي والحصاد الموسوعي غير المدرسي.

عندما اشتغلت خليفة على كل واحد من نصوصها الروائية، من ضمنها ما تمت مصادرته على يد الاحتلال أيضًا وغير المنشور، لم تفتك من ذاتها وشروط بيئتها الموضوعية، كما أنها لم تكتف بالتوقف عند عتبة سينما المراقب، إنما ذهبت بعيدًا في  مهمات أنثروبولوجيا الاستقصاء والبحث المشارك. بمعنى إمكانية الادعاء، والدفاع عن هذا الادعاء واقعيًا، أن خليفة كتبت المرأة المعنفة، من موقعها شابة معنفة، والروح الفاعلة ضد شرطها الكولونيالي من زاوية الممارسة.

حرمت  أهمية سحر خليفة، روائيًا وسوسيولوجيًا، من المساحة المفترض أن تكون أتيحت لها فلسطينيًا

 قامت صاحبة "الميراث" بما هو أكثر من ذلك، متناولة الهرمية والسلطوية الذكورية الاجتماعية، وهيمنتها وإخضاعها ضمن السياق الكولونيالي المركب في فلسطين، من موقع المجرب غير السلبي، فلم تكن الكتابة ملاذها التعويضي أو الاستعراضي حيال البطريركية المضطربة في فلسطين ما بعد هزيمة حزيران 1967، إنما كثفت استعراض أدوات المواجهة أيضًا.

بالحديث عن أدوات مواجهة خليفة، التي تحدثت هي بنفسها عنها طويلًا وها هي تفيض بالمكاشفة الشفافة براءة في سيرتها الأدبية "روايتي لروايتي"، لم تكن الكلمة أو الفعل أو الموقف من بين هذه الأدوات فقط، ولم تحصر تعويلها بما يمكن اعتباره معارك تراكمية على درب الآلام. بل حضرت من بين أبرز أدوات خليفة بناء شخصياته بحد عينه. ففي عته البطريركية النقوصية وبين الصورة المكبرة للمشهدية الطافحة بإذلال المرأة، لم تحضر خليفة لتقول فعلت كذا، أو قلت التالي، بقدر ما خلقت أكوانًا غير موازية بقدر ما هي متحفزة للمواجهة.

اقرأ/ي أيضًا: طيف حسين البرغوثي.. ضوء الشيخ الأزرق في قلب المريد

المواجهة في حيز الممارسة من بين أبرز السمات التي طبعت خليفة شخصياتها بها، دائمًا هناك دواء للعجز وقلة الحيلة لدى المرأة في شخصيات خليفة. هي ذاتها، يمكن أن يكون هذا ضمن معقولية التبرير، لكن الأجدر التنبه إلى دقة رصدها لإشكالية الواقع وتركيبيته، كما الاشتهاء الذهني المعرفي والشعوري لشخصيات جديرة بكباش إشكالية هذا الواقع، وإن كان في عالم الخيال في الطرح العمومي، لم يكن في عالم الخيال في حياة كاتبة "الصبار"  بقدر ما كان قدرًا مدبرًا مشؤومًا أتاح لمكتبة الرواية العربية نافذة على فلسطين كلها بإشراقة باهرة مستها أصابع سحر خليفة.

لم تفتح خليفة ستارات نوافذها على فلسطين من باب الاشتهاء النوستالجي، أو التنويع العاطفي والنزوح نحو سوق النشر والترجمة ضمن مصفوفة ما يطلبه الناشرون/المترجمون/ والقراء. ما قامت به تحديدًا كان أقرب إلى تفكيك وتعرية لكل الوصفات الجاهزة بشأن فلسطين، والتحرر هجين الأبعاد بقلب "سردية" فلسطين ضد نفسها توخيًا تقويميًا أقرب إلى معالجة الواقع بـ"علم الأدب". لا الحركة الوطنية، منذ السبعينات وصولًا للتسعينات، وأزمة مشروعها متراكمة التفاقم نجت من جمالية سرد خليفة وحدته، ولا الفلسطيني بتنويعاته الجندرية والجهوية والأيدولوجية واصطفافته السياسية عرف النجاة من عين خليفة الروائية، وعين خليفة المرأة المستنيرة التحررية.

يبرز الاشتهاء الذهني المعرفي والشعوري لشخصيات جديرة بكباش إشكالية الواقع في حركية سحر خليفة الأدبية

يمكن القول أن أهمية خليفة، روائيًا وسوسيولوجيًا، حرمت من المكانة والمساحة المفترضة أن تكون أتيحت لها فلسطينيًا. هذا مرده لتأويلات كثيرة. لكن في جانب منه، أنه في حين تهافت المتهافتون على بناء رمزيات واحتلال مساحات كمثقفين ومنتجي أدب من بوابة القرب والتقرب من قيادة منظمة التحرير، حتى في أبشع مراحلها أداء وبالقرب من أفدح سقطاتها، أو كان هؤلاء قد فرضوا أدباء ومثقفين عموميين ملتصقين بالتشكيل السياسي الفلسطيني بحربة هذا النظام أو تلك المخابرات، كانت خليفة تميل ستارة نافذتها الشفافة مستكملًة مشروعها المتماسك والمنتظم في تقديم فلسطين المشتهاة، وليس فلسطين الأوتوبية المستقبلية كأداة التفاف على انغلاق المشهد الآني.

لم تقدم خليفة رؤية "ماتركسية" أو "هوليوودية" عبر شخصياتها، أو ضمن استخلاصاتها وموضوعاتها، بقدر ما عبرت عن اشتهاء أن "رفيف" أو "سعدية" أو "عادل" أو ذلك الأشيب اليبدوفيلي، أو كل الشخصيات التي ترجمت واقعها روائيًا تتمتع بالديناميكية الجدلية الأكثر طبيعية، وأن تغير في ذواتها وفي واقعها أكثر من الجمود وراء متاريس المفعولية السلبية. وعليه تمحور اشتغال خليفة بفلسطين من باب ما تحتاجه فلسطين الآن وهنا، كيف ولماذا نقف هنا كانت من أكثر أسئلة خليفة وزوايا قلقها الفلسطيني. كيف يتم عبور النهر الكولونيالي البطريركي المأدلج بتهويمات ما رشح له بدولارات واصطفافات نشوء "السياسة" في تجربة فلسطين، ومع من يتم العبور وفي أي اتجاه وبأي أدوات كانت. يبدو أنها ما زالت، من انشغالات خليفة الكبرى لتخليق فلسطين المشتهاة كضرورة، تحقيقًا، أو أملًا بتحقيق، فلسطين الشهية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فن الشارع.. سؤال الهيمنة المضادة

تعرّف على 3 من أهم كتب السيرة العربية