طفل في عزة(Getty)

أضحى العمل التطوعي في قطاع غزة ثقافة استغلالية بدلًا من أن يكون ثقافة ترابطية تحث على التكافل الاجتماعي، في ظل الأزمات والمصاعب التي تعصف بالقطاع منذ أكثر من عشر سنوات! منذ اليوم الأول للحصار، وما تبعه من انقسام سياسي، أهملت السلطة الفلسطينية بكل مؤسساتها شباب قطاع غزة وكأنهم أصبحوا عبئًا عليها، كذلك غيبت كل مصادر التشريع، وأحلت محل ذلك غوغائية الانقسام ولغة الخطابة الانقسامية، ليُظلم من ليس له ناقة ولا جمل في الخلاف.

من مطلع الساعة الأولى للانقسام، لم يسجل للسلطة الفلسطينية أن عينت أحد الشباب في مؤسساتها بطريقة مهنية

من مطلع الساعة الأولى للانقسام، لم يسجل للسلطة أن عينت أحد الشباب في مؤسساتها بطريقة صحيحة، وذلك الحال بنسبة لحكومة غزة لم تعين بطريقة صحيحة أحدًا إلا بعد الدخول بالبوابات الخاصة، عانى الشباب من الهزات الارتدادية بعد زلزال الانقسام الذي حل علينا عام 2007؛ حروب متتالية، بطالة، فقر، موظفين، مرضى، شهداء، جرحى، كهرباء، ماء، أزمة سياسية، مصالحة، تعبئة فكرية.. وهلم جرًا من الهموم والمشكلات، لا مكان لقضايا الشباب على سلم أولويات المؤسسة الرسمية، فالجميع يسعى في دائرة حزبية ضيقة لا نعلم حقيقة ما هي أولوياتهم، كل ذلك جعل الشباب، خاصة الخريجين منهم، الذين تجاوز عددهم ما يقارب 200 ألف خريج/ة، مدعاة للاستغلال عند بعض المؤسسات الخاصة، صاحبة الدخل بحجة إكساب الخريج خبرة!! وأي خبرة تلك التي تحرم المتطوع من الشهادة عن الانتهاء من التدريب؟ وأي خبرة في ظل غياب تام لرقابة ومتابعة المتدرب في المؤسسة؟ وأي تطوع هذا الذي يكون في مؤسسات تقدم خدمات للمجتمع بمقابل مالي؟

اقرأ/ي أيضًا: التونسيات.. لا جدران مع الفضاء العام

سألني أحد الخريجين: "بتشتغل؟؟"، فكانت الإجابة بتفاهة السؤال في واقعنا: "لا"، وأضفت جملة عبثية: "أنا متطوع الآن ولا أعلم متى ستنتهي هذا الفترة وأتوظف". فقال لي: "أنا مستعد للتطوع عشر سنوات، طوال فترة عزوبيتي، لكنني في المقابل أريد أُفقًا للأمل والحلم، أن أتوظف بعد العشر سنوات، ولا أكون مُستغلًا وأسقط في وحل استغلال المؤسسات لنا نحن الشباب". 

وقال لي أيضًا: "نريد قانونًا ينظم تطوعنا في المؤسسات ويحفظ حقوقنا. تطوعت في مؤسسة إعلامية سنة كاملة، بعدها قال لي مدير المؤسسة إننا نمر بضائقة مالية وأنت عبء علينا، وذلك بعدما طلبت منه أجرة المواصلات اليومية". 

ظلمتنا السياسة وحطم آمالنا الانقسام وأصبحنا عرضة للاستغلال اليومي. هذا مثال مما نسمعه يوميًا ممن استُغلوا من قبل المؤسسات، فمع إهمال الحكومات والهيئات التشريعية لكل ما يتعلق بأمور الشباب، وأصبح الهم الأساسي هو النظر إلى المناصب والمكتسبات والمصالح الشخصية لتأمين مستقبل عوائهم، في الوقت الذي ينشغل الساسة بالمناكفة والنكاية ولوم الآخرين، تنهش بعض المؤسسات طاقات الشباب بدلًا من استثمارها في مكانها الصحيح للنهوض بالعملية التنموية، وأخص بالذكر المؤسسات الإعلامية ودكاكينها، لعدم وجود قانون ينظم العمل الإعلامي في فلسطين، ولكثرة خريجي الإعلام.

اقرأ/ي أيضًا: البلاليع".. مهد الطاعون ومقبرة الطغاة"

لم تفكر أيٌّ من مؤسسات المجتمع المدني، المهتمة بجيل الغد، بالحديث أو المطالبة بقانون ينظم العمل التطوعي، ولم نسمع منها ولو ندوة واحدة تطالب بهكذا قانون، أو بوثيقة تحفظ كرامة وحقوق المتطوعين، على ما يبدو أننا نعيش في كنف شركة قابضة فلسطينية. نحن كمتطوعين نريد قانونًا يحمي وينظم العمل التطوعي في فلسطين، خصوصًا في قطاع غزة، نريد من يراقب المؤسسات، نريد عقدًا إلزاميًا بالعمل بعد التطوع، فحتى قانون العمل الفلسطيني لم يتطرق لحال المتطوعين في المؤسسات الخاصة الاستثمارية، فقد تحدث القانون بوضوح عن فترة الاختبار المحددة لمن سيعمل في المؤسسة، وهي 3 شهور قابلة للتجديد لمرة واحدة، وليس هناك أي التزام على المؤسسة إذا أنهت العقد، إلا أنه لم يأت على ذكر حقوق المتطوعين ومدة تطوعهم!!

نريد قانونًا ينظم عملنا كمتطوعين، نعم نريد ذلك حتى نتخلص من جشع مدراء المؤسسات

نريد قانونًا ينظم عملنا كمتطوعين، نعم نريد ذلك حتى نتخلص من جشع مدراء المؤسسات، حتى يرسم الشاب الخريج طريقه. نريد أفقًا للحياة، نريد من يحمي حقوقنا، نريد من يرعى مصالحنا حتى لا يصبح العمل التطوعي سخرة للشباب، وحتى لا تستغل بعض المؤسسات الخاصة طاقاتهم في بعض الأعمال الربحية بذريعة العمل التطوعي. 

لا بد من العمل على ضرورة إيجاد آلية واضحة، ومفهوم شامل للأعمال التي يجري تقديمها دون الحصول على مقابل مادي، كما ونريد إنشاء قاعدة بيانات وخارطة طريق شاملة للمتطوعين على مستوى فلسطين، خصوصًا قطاع غزة. ونريد الحصول على شهادة رسمية بعدد الساعات التي قدمها المتطوع، ومقابل مادي على بعض الأعمال التي يقوم بها، إضافة إلى أهمية نشر ثقافة التطوع بشكل صحيح، وإعادة النظر في سياسات التعليم ونظام القبول في الجامعات والكليات والتركيز على المهارات الأساسية، وفق متطلبات سوق العمل الفلسطيني. هذا ما نريده من قانون التطوع الفلسطيني إن نظر إلينا، أو سمعنا، أحد.

اقرأ/ي أيضًا:
 
اعتذارفلسطيني عاجل إلى الشعب السوري

العلويون.. أبناء الخوف أم رعاته؟!