سجون مصر.. إهمال وتكديس وتقتيل

سجون مصر.. إهمال وتكديس وتقتيل

بين 272 حالة وفاة على يد الشرطة خلال العام الأول لحكم السيسي هناك 97 حالة إهمال طبي (Getty)

"كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته بأى قيد، تجب معاملته بما يحفظ كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا، ولا يكون حجزه، أو حبسه إلا فى أماكن لائقة إنسانيًا وصحيًا، وتلتزم الدولة بتوفيرها، وتخضع للإشراف القضائي"، هكذا نصت المادة 55 من الدستور المصري، ولكن الواقع المرير الذى يعيشه الآلاف من المصرين يشير إلى أن الحقيقة غير ذلك وأن السجون تفتقد أبسط معايير الإنسانية.

ضحايا السرطان

أول ضحايا الإهمال الطبي بعد 30 حزيران/يونيو كان الدكتور صفوت خليل، 57 عامًا، فى سجن المنصورة العمومي حيث توفي فى 27 أيلول/سبتمبر 2013، لعدم تلقيه العلاج اللازم، حيث كان يعاني من مرض السرطان، ويحتاج نقله إلى المستشفى، وهو ما لم تقم إدارة السجن بفعله ما تسبب في وفاته، وتوالت حالات الوفاة بعدها.

كانت الحالة الثانية للمعتقل عبد الوهاب محمد عبد الوهاب، 46 عامًا، الذي توفي بعد ثلاثة أيام من وفاة صفوت خليل، في سجن المنيا العسكري، وكان مصابًا بالسكري والسرطان، وكذلك شهد شهر تشرين الأول/ أكتوبر حالتي وفاة، كان أولهما عبد الرحمن مصطفى، داخل مستشفى قصر العيني، بعد نقله من سجن طرة، نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية، ثم توفي صلاح أبو الليل، 30 عامًا، في سجن المنيا العسكري. 

أول ضحايا الإهمال الطبى بعد 30 حزيران/يونيو  كان  الدكتور صفوت خليل المصاب بالسرطان

 266 ضحية

فى آب/ أغسطس أصدر مركز الكرامة لحقوق الإنسان ، وهو منظمة غير حكومية مقرها سويسرا، تقريرًا أكد فيه وفاة 266 مصريًا، من سياسيين وجنائيين، فقدوا حياتهم بسبب الإهمال والحرمان من العلاج، داخل السجون منذ 30 حزيران/ يونيو 2013.

وأكد تقرير المركز أن مقار الاحتجاز في مصر شهدت خلال أكثر من عامين، وفاة 37 معارضًا للسلطات الحالية، بينهم سياسيون بارزون، نتاج "إهمال طبي"، في 17 سجنًا وقسمي شرطة، خلال الفترة منذ 3 تموز/يوليو 2013، وحتى 13 آب/أغسطس 2015، استنادًا إلى مصادرها، وتقارير حقوقية غير حكومية. وفي تقرير للمرصد المصري للحقوق والحريات بعنوان "المقابر الرسمية"، في كانون الأول/ ديسمبر 2014، كشف عن مقتل 212 معتقلًا ومحتجزًا فى أماكن الاحتجاز بالتعذيب والإهمال الطبي المتعمد، وسوء أوضاع الاحتجاز.

 وكشفت المنظمة العربية لحقوق الإنسان  عن تزايد حالات الوفاة داخل سجون مصر يومًا بعد يوم، بسبب الإهمال الطبي المتعمد داخل السجون، مؤكدة ارتفاع الوفيات لأكثر من 264 حالة منذ أحداث 30 حزيران/ يونيو 2013.

التكدس وانتشار الأوبئة

 عدد المحتجزين الذين توفوا أو قتلوا داخل مقار الاحتجاز المصرية منذ الثالث من تموز/ يوليو 2013 حتى الآن بلغ 264

وثق مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسي لضحايا العنف والتعذيب، خلال تقريره في شهر حزيران/يونيو الماضي أنه فى خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، تنوعت حالات الإهمال الطبي التي أدت إلى الإصابة بأمراض الكبد والطحال ونزيف وارتشاح في الرئة، وأزمات صدرية وأمراض القلب وضمور الأطراف وأمراض الكبد والكلى، وانتشار الجرب والانفصال الشبكي والانهيار العصبي، والتسمم من أكل السجن، والتهاب الزائدة الدودية والتهاب الغدة النكافية والتهاب حاد بالمعدة والرئة والربو الشعبي والتهاب كبدي وصفراء، وتوقف العلاج الطبيعي في حالات الكسور والخلع، وغيرها من الأمراض والمضاعفات.

كما أكد المجلس القومي لحقوق الإنسان، فى تقريره السنوي في شهر أيار/مايو الماضي، والذي يغطي الفترة من 30 حزيران/يونيو 2013 إلى آخر كانون الأول/ ديسمبر 2014، أن نسبة التكدس داخل أقسام الشرطة بلغت 400٪ وفي السجون وصلت إلى 150٪. وأفاد التقرير بأن ظاهرة الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، كانت قد اختفت لفترة إلا أنها تعود مرة ثانية، وطالب التقرير بإيجاد حل سريع لأزمة التكدس داخل السجون، وأرجع معظم حالات الوفيات إلى الشروط الصحية والمعيشية السيئة في أماكن الاحتجاز، غير أنه لم يستبعد شبهة التعذيب، مشيرًا إلى أنه "لا يوجد ما يثبت أن من هؤلاء من مات نتيجة التعذيب، إلا أنه أيضًا لا يوجد ما يثبت عكس ذلك".

مقبرة السجناء

عقب وفاة الدكتور فريد إسماعيل بسجن العقرب، تم الإعلان عن نقل 11 مسجونًا سياسيًا من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين إلى مستشفى السجون فى حالة صحية متدهورة. جاء هذا بعدما تم منع دخول الأكل والأدوية وأشياء خاصة بالنظافة الشخصية، ما تسبب فى تدهور حالتهم الصحية وانتشار الأمراض بحسب شهادات أهالي المعتقلين.

إلى ذلك، تقدمت أسرة هاني عبد الحليم الذي تم إلقاء القبض عليه منذ نيسان/أبريل الماضي بطلب لمصلحة السجون لعلاجه على نفقتهم الخاصة، بإشراف من مصلحة السجون، حيث أنه يعاني من نوبات صرع ناتجة عن كهرباء زائدة في المخ، كما طلب المحامي إثبات حالته الصحية في جلسة التجديد، وقدم طلب للنيابة لعلاج موكله. ولكن رفضت النيابة اثبات ذلك في الجلسة. وقالت والدته للمفوضية المصرية للحقوق والحريات إن حالته ساءت بصورة شديدة بسبب منع دخول الأدوية له، وتتخوف أسرته من حدوث اضطرابات صحية له داخل السجن، نظرًا لتزايد أعداد المرضى وارتفاع معدل الوفيات داخل السجون.

من ناحية أخرى كانت رنوة يوسف، زوجة الصحفي يوسف شعبان، الذي يقضي عقوبة الحبس 15 شهرًا في قضية "قسم الرمل" بسجن برج العرب، قد نشرت على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ما يُفيد بأن زوجها يواجه تعنتًا في استئناف علاجه من الالتهاب الكبدي "فيروس سي". فقالت إنها خلال زيارتها الأخيرة لـ"يوسف" سألت عن إجراءات "عمل تحاليل" للمسجون؟ فأخبرها الضباط بأن "الدكتور متوفر، ولكن الأدوات لا"، وطلبوا منها إحضار الأدوات في الزيارة المقبلة لسحب عينة خلال الزيارة عن طريق طبيب السجن.

أكدت إسراء الطويل أن الزنزانة المحتجزة داخلها في سجن القناطر مليئة بالدود والصراصير

وأوضحت رنوة، أنها خلال زيارتها الأخيرة ليوسف، أخذت معها كل الأدوات اللازمة لسحب العينة، لافتة إلى أنهم فوجئوا بأن "إدارة السجن غيرت كلامها وقالت طبعًا ممنوع نسحب له عينة من هنا في السجن". وأضافت "لمدة 4 أو 5 ساعات متواصلة بنتمطوح من الضابط ده للأمين ده، وكل واحد فيهم بيقول رأي وانتهى اليوم بفشلنا في إننا نسحب العينة من يوسف".

كذلك، أكدت إسراء الطويل، المُعتقلة منذ نحو 70 يومًا على ذمة التحقيقات، في رسالة نشرتها صحيفة "الشروق"، إن الزنزانة المحتجزة داخلها في سجن القناطر مساحتها لا تتجاوز ثلاثة أمتار في خمسة أمتار، ومليئة بالدود والصراصير. كما أضافت أن طبيب السجن أصرّ على عدم استكمالها العلاج الطبيعي داخل محبسها، بدعوى أنها مُصابة بعاهة مستديمة لا تستدعي العلاج. وكانت إسراء قد أُصيبت بطلق ناري ما أدى إلى إعاقتها عن المشي لفترة وذلك في إحدى التظاهرات، غير أنها كانت تتلقى علاجًا طبيعيًا قبل حبسها، ما أدى إلى تحسن حالتها. ومنذ توقف العلاج الطبيعي بسبب إلقاء القبض عليها وحالتها في تدهور مستمر بحسب رواية ذويها. وإسراء واحدة من عشرات، إذ وثقت المفوضية المصرية للحقوق والحريات في الفترة الممتدة فقط بين 30 حزيران/يونيو 2013 وحتى 1 حزيران/يونيو 2015 ما يبلغ عدده 143 حالة وفاة بسبب سوء الرعاية الطبية داخل أماكن الاحتجاز.