ultracheck
  1. سياسة
  2. حقوق وحريات

سبتة تستعيد هدوءها.. والمهاجرون يواجهون الجوع والبرد في العراء

8 أغسطس 2026
سبتة
مصدر الصورة: الغارديان

تعود الحياة تدريجيًا إلى شوارع سبتة الإسبانية بعد أسبوع من واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي التي شهدتها الحدود الأوروبية في السنوات الأخيرة، لكن الهدوء الذي استعادته المدينة لا يعكس واقع آلاف المهاجرين الذين ما زالوا عالقين فيها، ويكافحون للبقاء في ظروف إنسانية قاسية، من دون مأوى أو بطانيات، وسط برد الليل وحرارة النهار.

في وسط سبتة، الجيب الإسباني الواقع على الساحل الشمالي لأفريقيا، عادت المتاجر والأسواق والمطاعم إلى العمل، واستأنف جزء كبير من سكان المدينة، البالغ عددهم نحو 84 ألف نسمة، حياتهم المعتادة.

لكن على مسافة قصيرة من الشوارع المزدحمة، تبدو صورة مختلفة تمامًا، فعلى شاطئ "إل ترامبولين"، يفترش مهاجرون الأرض وينامون في العراء، بينما يواجهون نقصًا في المرافق الأساسية، بما في ذلك دورات المياه وأماكن الإيواء، وذلك حسب شهادات نقلتها صحيفة "الغارديان".

على شاطئ "إل ترامبولين"، يفترش مهاجرون الأرض وينامون في العراء، بينما يواجهون نقصًا في المرافق الأساسية، بما في ذلك دورات المياه وأماكن الإيواء

وقال عماد، وهو يمني يبلغ من العمر 26 عامًا، إن المهاجرين "ينامون هنا على الشاطئ، في العراء، من دون خيام أو بطانيات". وأضاف: "لا نملك حمامات. بالكاد أنام ساعتين، لأن الجو شديد البرودة قرب البحر ليلًا، بينما تصبح الحرارة خلال النهار لا تُحتمل".

عشرات الآلاف عبروا إلى سبتة

شهدت المدينة الأسبوع الماضي تدفقًا استثنائيًا للمهاجرين، بعدما عبر عشرات الآلاف من المغرب إلى الأراضي الإسبانية، سباحة أو خوضًا في المياه، وسط انتشار واسع لمنشورات على منصات التواصل الاجتماعي، بينها "تيك توك" و"إنستغرام" و"واتساب". وتختلف التقديرات بشأن العدد الحقيقي للواصلين وحجم من بقي منهم في المدينة.

وتقول الحكومة الإسبانية إن نحو 72 ألف شخص دخلوا سبتة، وإن قرابة 2500 منهم ما زالوا هناك. لكن رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، يقدر عدد الذين دخلوا بنحو 80 ألفًا، ويعتقد أن ما بين 3 آلاف و5 آلاف مهاجر لا يزالون في المدينة.

ويزيد الغموض بشأن حصيلة الضحايا من حجم المأساة، إذ تشير تقديرات إلى مقتل ما يصل إلى 141 شخصًا خلال محاولات العبور، فيما لا يزال عشرات آخرون في عداد المفقودين.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الأزمة قد تصبح واحدة من أكثر المآسي الإنسانية دموية على الحدود الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.

مدينة تحت الصدمة

ورغم عودة مظاهر الحياة الطبيعية، لا تزال سبتة تعيش حالة من القلق. وقال فيفاس إن المدينة "على أعصابها"، معتبرًا أن الأمور لم تعد إلى طبيعتها بالكامل، وشبه حجم ما حدث بدخول "50 مليون شخص إلى إسبانيا في يوم واحد".

ويقول سكان ومسؤولون إن الصدمة لا ترتبط فقط بأعداد المهاجرين الذين وصلوا بصورة مفاجئة، وإنما أيضًا بالأسئلة المتعلقة بأمن الحدود واحتمال تكرار ما حدث. وتفاقمت المخاوف بعد ظهور منشورات جديدة على وسائل التواصل الاجتماعي تدعو إلى محاولة عبور جماعي أخرى في منتصف آب/أغسطس. وقال فيفاس إن سكان سبتة يشعرون بالتوتر والقلق، وإن السؤال الذي يطاردهم هو: "هل سيحدث هذا مرة أخرى؟"

اتهامات للمغرب

ألقت الأزمة بظلالها أيضًا على العلاقات بين إسبانيا والمغرب. فقد تحدث مهاجرون عن قيام مسؤولين مغاربة، بحسب رواياتهم، بتشجيع عمليات العبور، بل وتسهيلها في بعض الحالات.

وقال فيفاس إن الأحداث أثبتت أن الحدود الإسبانية وأمنها "عرضة للخطر"، معتبرًا أن أمن سبتة بات مرتبطًا إلى حد كبير بقرارات دولة أخرى لا تعترف بالسيادة الإسبانية على المدينة. وأضاف أن المغرب "ليس بلدًا موثوقًا".

وتكتسب سبتة أهمية استراتيجية خاصة باعتبارها جيبًا إسبانيًا على الساحل الأفريقي، إلى جانب مليلية، وتشكل معهما جزءًا من الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا.

ولهذا فإن أي اضطراب واسع على حدود سبتة لا يمثل أزمة محلية فحسب، بل يتحول سريعًا إلى قضية سياسية وأمنية بالنسبة إلى إسبانيا والاتحاد الأوروبي.

"كنا على وشك الموت من الجوع والعطش"

وبينما تنشغل السلطات بتداعيات الأزمة السياسية والأمنية، يواجه المهاجرون الذين بقوا في سبتة مشكلات أكثر إلحاحًا، تبدأ بالطعام والمياه ولا تنتهي بالمأوى والإجراءات القانونية.

وقال عماد إن الأيام الأولى بعد وصوله كانت شديدة القسوة. وأوضح أن المتاجر كانت مغلقة ولم تكن هناك مصادر كافية للطعام والمياه، مضيفًا: "كنا على وشك الموت من الجوع والعطش". وقال إن بعض المهاجرين اضطروا إلى أكل أوراق الأشجار وشرب مياه ملوثة.

وتحسنت الأوضاع جزئيًا خلال الأيام التالية، بعدما بدأت منظمات غير حكومية، بينها الصليب الأحمر، في توزيع الطعام. كما أعلنت الحكومة الإسبانية تركيب دورات مياه ومرافق استحمام إضافية على الشاطئ، فيما قالت الشرطة إنها ستفتح نقطة لتقديم المعلومات للمهاجرين.

لكن الإجراءات الجديدة لا تزال بعيدة عن حل مشكلة آلاف الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم فجأة في سبتة من دون مأوى واضح أو معلومات كافية بشأن مصيرهم.

رحلة بدأت عام 2019

بالنسبة إلى عماد، لم يكن الوصول إلى سبتة مجرد محاولة للهجرة، بل نهاية رحلة طويلة بدأت قبل سنوات. ويقول إنه غادر اليمن عام 2019 بعدما واجه محاولات من الحوثيين لتجنيده مقاتلًا، وظل يأمل في أن يكون الوصول إلى إسبانيا بداية لحياة أكثر أمانًا. وبعد رحلة استمرت نحو ثماني ساعات في البحر، استخدم خلالها زعانف للسباحة، وصل إلى سبتة معتقدًا أن بإمكانه طلب اللجوء بسهولة أكبر، باعتباره قادمًا من بلد يعيش حربًا. لكن ما وجده كان مختلفًا. يقول إن مركز استقبال المهاجرين كان مغلقًا عند وصوله، وإن "كل الأبواب كانت مغلقة"، من دون استثناءات.

وبدأ منذ ذلك الوقت رحلة جديدة للبحث عن الطعام والمأوى، بالتزامن مع عدم معرفته بما إذا كان سيتمكن من تقديم طلب لجوء أم سيواجه الترحيل. ويقول عماد إنه يعاني من كوابيس يومية، يحلم فيها بتعرض أفراد عائلته للقصف والقتل، أو بإعادته إلى المغرب. وأضاف: "نفسيًا، أنا محطم".

أطفال في الشوارع

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المهاجرين البالغين. فمن بين الذين بقوا في سبتة نحو 1300 طفل غير مصحوبين بذويهم، وفق تقديرات منظمات غير حكومية، فيما تحذر تلك المنظمات من أن مئات الأطفال الآخرين قد يكونون ما زالوا يتجولون في المدينة من دون حماية. وبين هؤلاء أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم 10 سنوات. وتكشف شهادات الأطفال عن حجم الضغط الذي تعرضت له مراكز الاستقبال، التي لم تكن قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة التي وصلت خلال فترة قصيرة.

وقالت فتاة تبلغ من العمر 16 عامًا إنها توجهت إلى مركز استقبال القاصرين فور وصولها إلى سبتة، لكنها أُبلغت بأن المركز ممتلئ. وبدلاً من الحصول على مكان للإقامة، وجدت نفسها مضطرة إلى النوم في شوارع المدينة. وقالت إنها أمضت أيامًا من دون طعام، وإن المساعدات التي كانت تصل إلى المهاجرين لم تكن تكفي الجميع. وأوضحت أن الرجال كانوا يصلون أولًا إلى أماكن توزيع الطعام، وعندما يأتي دورها لا تجد شيئًا، كما تكرر الأمر نفسه عند توزيع الملابس.

أزمة تتجاوز الحدود

ومع عودة المقاهي والمتاجر إلى العمل، تبدو سبتة وكأنها تطوي صفحة الأزمة، لكن آلاف المهاجرين ما زالوا يعيشون تداعياتها يومًا بيوم.

وتواجه السلطات الإسبانية تحديات متشابكة، من تأمين الحدود والتعامل مع أعداد ضخمة من الوافدين، إلى توفير الطعام والمأوى وحماية الأطفال غير المصحوبين، وتحديد مصير من يحق لهم طلب اللجوء ومن ستتم إعادتهم.

وفي الوقت نفسه، لا تزال الأسئلة بشأن كيفية حدوث عملية العبور الجماعي بهذا الحجم، والدور الذي لعبته السلطات المغربية، وحصيلة القتلى والمفقودين، من دون إجابات نهائية. ويزيد احتمال تنظيم محاولة عبور جديدة في منتصف آب/أغسطس من حالة القلق في المدينة.

وبذلك، فإن الهدوء الذي عاد إلى شوارع سبتة لا يعني انتهاء الأزمة؛ فخلف واجهة الحياة الطبيعية، ما زال مهاجرون يفترشون الشواطئ والشوارع، ويواجهون الجوع والبرد والحرارة، بينما ينتظرون معرفة ما إذا كانت رحلتهم إلى أوروبا ستنتهي بالحصول على الحماية، أم بالعودة من حيث أتوا.

كلمات مفتاحية
سجن المرناقية

حرّ خانق ونقص في المياه داخل السجون التونسية.. شهادة لـ"الترا صوت": "كنا ننتظر الإفراج عن قريبنا، لا خبر وفاته"

في زنزانة لا تتجاوز مساحتها أمتارًا قليلة، يتكدّس النزلاء فوق بعضهم البعض، بينما تجاوزت درجات الحرارة في الخارج 45 درجة مئوية

محكمة العدل الدولية

ألمانيا في لاهاي.. اختبار القانون لحليف إسرائيل

تبدأ محكمة العدل الدولية في لاهاي، اليوم الإثنين، جولة جديدة من المرافعات في الدعوى التي رفعتها نيكاراغوا ضد ألمانيا

الولايات المتحدة

ترامب يضيّق الخناق على "حق المواطنة بالولادة"

تقول الإدارة الأميركية إن هذه الخطوة تستهدف خصوصًا ما تسميه "سياحة الولادة"، حيث تسافر نساء أجنبيات إلى الولايات المتحدة بهدف إنجاب أطفال يحصلون تلقائيًا على الجنسية

الليالي البيضاء.. من دوستويفسكي إلى BookTok
أدب

الليالي البيضاء لدوستويفسكي: كيف أعاد "تيك توك" الرواية إلى الواجهة؟

في ليلة هادئة من ليالي سان بطرسبورغ، كان رجل وحيد يمشي بلا وجهة، كأنه يبحث في شوارع المدينة عن شيء لا يعرف له اسمًا

فيلم "عطلة منتصف الشتاء"
أفلام

فيلم "عطلة منتصف الشتاء".. الماضي يسافر معنا

الفيلم جيد جدًا، بالنسبة لي على الأقل، لأنه لا يتحدث عن الحرب تقريبًا. لا يعيد سردها ولا يحولها إلى درس في السياسة أو التاريخ

صورة تعبيرية
مجتمع

إن كنت تريد تعزيز سعادتك وحماية دماغك.. لا تأكل بمفردك

قد لا يحتاج تحسين الصحة النفسية والرفاهية دائمًا إلى حمية غذائية جديدة أو ممارسة رياضية شاقة، فبعض الفوائد قد تبدأ من عادة يومية قديمة وبسيطة، هي تناول الطعام برفقة الآخرين

تلوث
علوم

الحرائق وموجات الحر تهددان جودة الهواء عالميًا.. تحذير أممي من أزمة صحية متفاقمة

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن الدخان الناتج عن الحرائق أصبح مصدرًا متزايدًا للتلوث، حتى في مناطق نجحت في خفض انبعاثات الصناعة والنقل