سباق واشنطن وبكّين.. العيش في المستقبل

سباق واشنطن وبكّين.. العيش في المستقبل

تدخل التكنولوجيا الرقمية في كافة أشكال الحياة في الصين (Getty)

يبدو أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ما زال مصرًا على التعامل من موقعه الجديد في البيت الأبيض، بنفس الطريقة التي كان ينتهجها كرجل أعمال ثري ومحظوظ. وتستند هذه المنهجية، على دفع أقل ما يمكن دفعه، لتعزيز الأدلة على النجاح الاقتصادي الراهن لإدارته، لكن هذا النجاح كما يشير مراقبون، ينطوي على فشل خطير. حيث إنه بهذه الحسابات البسيطة، وعقلية التوفير والتوقف عن تمويل المؤسسات الأممية يجازف بالدور الاستراتيجي لواشنطن في العالم، مقابل صعود أدوار جديدة لدول أخرى. 

يتنامى دور الصين مثلًا مع الوقت، بينما ما تزال الإدارة الأمريكية مصرة على الطرق البدائية في فهم العالم والهيمنة عليه. في هذا المقال المترجم عن صحيفة الغارديان البريطانية، يشير جون نوتون إلى الفجوة التي تتوسع مع الوقت، بين الاحتمالات المفتوحة أمام مستقبل الصين وتلك التي أمام مستقبل الولايات المتحدة، من ناحية الاقتصاد وطبيعة الحياة اليومية وعلاقة الدولة بالسكان. ويسلط الضوء على التطور التكنولوجي الرقمي الذي تنتهجه وتركز عليه بكين، والذي يدخل في كافة أشكال الحياة في البلاد.


تبدو مشاهدة دونالد ترامب في محاولته للتعامل مع الصين مثل مشاهدة مهرج يرقص أمام فيل. فالنهج الكامل للرئيس الأمريكي يتعلق بالمعاملات والصفقات؛ وهي المنهجية التي استخدمها في حياته المهنية كمطور عقاري، والتي يزعم أنها ناجحة. تقوم هذه المنهجية جميعها على مبدأ الثواب والعقاب (العصا والجزرة)، والخدعة مقابل الخدعة، والتهديد العدواني الذي تليه التراجعات السريعة.

يتعامل ترامب سياسًيا بمنطق المطور العقاري ورجل الأعمال

ينجح هذا النهج في بعض الأحيان على ما يبدو. على سبيل المثال، ضغط الزعيم الصيني شي جين بينغ، بوضوح على كيم جونغ أون لإجباره على الموافقة على اجتماع قمة مع ترامب. ولكن اعتمد شي بعد ذلك على ترامب لإنقاذ شركة التكنولوجيا الصينية "زد تي إي" ، التي انهارت بسبب فرض الحظر الأمريكي عليها لتهربها من العقوبات المفروضة على التجارة مع إيران. استجاب ترامب رسميًا لهذا الطلب وتنفس المديرون التنفيذيون للشركة مرة أخرى.

وهكذا يستمر الوضع. ولكن خلف الكواليس، ثمة لعبة طويلة المدى وأكبر بكثير. وإن كانت لعبة طاولة، سيكون اسمها لعبة "الهيمنة". (وياللعجب! فمُجرد بحث سريع يكشف لنا عن وجود ألعاب بالفعل حول هذا الموضوع). الهيمنة مفهوم قديم، محبوب كثيرًا من قِبل الماركسيين، صيغ لوصف الهيمنة (العسكرية أو الثقافية) لبلد واحدة أو مجموعة على غيرها. من منتصف الأربعينات حتى عام 1990، طغت اثنتان من القوى المهيمنة على العالم - الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أصبحت الولايات المتحدة هي المهيمنة الوحيدة في العالم. ولكن الآن، مع نهوض الصين، يبدو أن قبضة الهيمنة الأمريكية تتراخى.

اقرأ/ي أيضًا: الهاشتاغ.. لغة رقمية باستخدامات عربية مختلفة

لذا فإن القضية الكبرى هي ما إذا كنا نشهد تغيرًا هائلًا في الجغرافيا السياسية. واعتقادي أن الأمر كذلك. قد لا يستطيع ترامب، الذي يملك سعة انتباه شبيهة بتلك التي في السمندل المائي، رؤية ما يحدث، لكن الصينيين يفعلون ذلك - وكذلك الكثير من الأعضاء في بعض المواقع بالحكومة الأمريكية، ولا سيما تلك المعنية بالتنمية الاقتصادية والأمن القومي، وبعض الأعضاء الأكثر حنكة ودهاء في الكونغرس.

ما يفهمه هؤلاء الناس أن سلطة الهيمنة تدور إلى حد كبير حول الصناعة، وبالتالي حول التكنولوجيا. والصناعات المهيمنة في المستقبل هي تكنولوجيا المعلومات بدلاً من الصناعات الثقيلة مثل الصلب والسيارات. ولهذا السبب هناك الآن حالة من الهلع الشديد في الولايات المتحدة حول السرقة الجماعية المزعومة للملكية الفكرية من قبل الوكالات الصينية والتقدم المذهل الذي تحققه البلاد في مجال الحوسبة والذكاء الاصطناعي.

في الأيام الخوالي، أدت العجرفة الغربية إلى إنتاج وجهة نظر راضية عن الذات، تفيد بأن الصينيين لا يمكنهم الإبداع، ولا يسعهم سوى المحاكاة والتقليد فقط. لا يسمع المرء ذلك كثيرًا الآن، مع عودة زوار الصين منبهرين ومتفاجئين من مدى تمكن الصينين من دمج التكنولوجيا الرقمية في الحياة اليومية. عانى أحد زملائي الذين عادوا مؤخرًا من حالة من الغضب والسخط لأنه كان منتظرًا منه أن يدفع مقابل كل شيء هناك بهاتفه. وبما أنه لا يملك سوى هاتف نوكيا قديم، فإنه لم يكن قادرًا على الامتثال وأصبح في وضع المتسول، مضطرًا إلى أن يطلب من مضيفيه الصينيين دفع ثمن كل شيء.

الصناعات المهيمنة في المستقبل هي تكنولوجيا المعلومات بدلاً من الصناعات الثقيلة مثل الصلب والسيارات

إذا كان المستقبل رقميًا، فإن أقلية كبيرة، هم الصينيون البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة قد صاروا بالفعل في هذا المستقبل من الآن. والأهم من ذلك، أن حكام البلاد التكنوقراطيين قد أدركوا أن التكنولوجيا الرقمية ليست جيدة فقط لجعل الصفقات الاقتصادية خالية من الاحتكاك، ولكن أيضًا لتنفيذ أنظمة معقدة من الرقابة الاجتماعية.

وقد أعدوا على وجه التحديد نظام "تصنيف السمعة" في كل مكان والذي تحاول من خلاله منصات الإنترنت الحصول على تعليقات حول موثوقية الموردين والعملاء. بدأت الحكومة في إطلاق نظامها الائتماني الاجتماعي، الذي يهدف إلى "زيادة الوعي بالنزاهة ومستوى الثقة في المجتمع الصيني". وسوف يركز على أربعة جوانب للسلوك: "الأمانة في الشؤون الحكومية"، و "النزاهة التجارية"، و"الاستقامة المجتمعية" و"المصداقية القضائية".

اقرأ/ي أيضًا: مشكلة التعليم.. أكبر المخاطر التي تهدد اقتصاد الصين؟

عندما صُمم هذا النظام لأول مرة في عام 2007، كان الهدف تكرار أنظمة التصنيف الائتماني الشائعة في الغرب لتقييم الجدارة الائتمانية المالية للأشخاص. ولكن لماذا، في رأي الصينيين، علينا التوقف عند التمويل؟ لماذا لا تستخدم هذه التقنية لتقييم مدى "صلاح" المواطن؟ يبدأ الجميع من خط انطلاق من 100 نقطة على سبيل المثال. يمكنك كسب نقاط إضافية عن طريق القيام "بالأعمال الصالحة" مثل فصل وإعادة تدوير القمامة. من ناحية أخرى، يمكن للتصرف الذي يعتبر (من قبل الدولة) سلوكًا ضد المجتمع، أن يفقدك نقاط. يمكن أن تشمل أمثلة السلوك القابل للخصم على ما يبدو: عدم الحضور في مطعم دون إلغاء الحجز، والغش في ألعاب الإنترنت، وترك تقييمات خاطئة على المنتجات، وحتى عبور الطريق بصورة تخالف قواعد السير. وإذا كان مجموع نقاط الائتمان الاجتماعي الخاص بك منخفض للغاية، فقد تجد نفسك ممنوعًا من القيام بالرحلات أو السفر في قطارات معينة.

إذا كان المستقبل رقميًا، فإن أقلية كبيرة، هم الصينيون البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة صاروا هناك من الآن

وكطريقة تستخدم التكنولوجيا الرقمية للسيطرة الاجتماعية، سيتعرض هذا لبعض الضربات. هناك بالفعل أنظمة رائدة قيد التشغيل. ستكتمل الخطة الصينية لوضع النظام بالكامل بحلول عام 2020. وفي أي وقت سيكون جاهزًا للتصدير إلى دول أخرى، ستصطف في طابور لشرائه، لأن إحدى المهام التي تقوم بها الدول هي شراء تكنولوجيا الهيمنة الحالية. على الرغم من ذلك، في عام 2020، سيظل دونالد ترامب يصيح ويصرخ بشأن إغراق السوق بالحديد والتعريفات الجمركية على الواردات، بالإضافة إلى الترشح لفترة رئاسية ثانية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الأندرويد" الذي فاقني ذكاءً

كيف ساعدت واشنطن النظام الإيراني على التحكم بالإنترنت؟