ultracheck
  1. قول

سباق دبلوماسي سوري في سياق التنافس الأميركي والصيني والروسي

18 نوفمبر 2025
الشيباني في بكين
تطمح دمشق إلى تأمين دعم سياسي من بكين في المرحلة المقبلة (منصة إكس)
نادين الكحيلنادين الكحيل

تشهد الساحة الدولية حراكًا دبلوماسيًا سوريًا نشطًا، في ظل التحولات الكبرى التي تمر بها المنطقة، ما يعكس رغبة دمشق في أن تكون ساحة منفتحة على مختلف القوى الدولية (الولايات المتحدة، روسيا، الصين...). ويأتي ذلك في إطار سعيها لإعادة رسم خارطة المصالح بما يخدم أمن واستقرار وسيادة سوريا. 

تندرج زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى الصين كجزء من مسار الزيارات المكوكية التي شملت موسكو وواشنطن، وتطمح دمشق من خلالها إلى جذب الاستثمارات الصينية، وتأمين دعم سياسي في مرحلة ما بعد سقوط الأسد. 

أما بالنسبة للصين، فتُعدّ سوريا نقطة ارتكاز مهمة في مشروع "الحزام والطريق"، حيث تُكمل المسار الآسيوي–المتوسطي، وتوفر ممرًا استراتيجيًا يسهم في تقليص النفوذ الأميركي في المنطقة.

أبعاد التقارب السوري الصيني

تدخل العلاقات الصينية–السورية مرحلة جديدة من "إعادة التصحيح" للمرحلة السابقة، حيث تبدو دمشق اليوم أبعد ما تكون عن مرحلة العزلة الدبلوماسية. الصين، التي تتحرك بثبات نحو إعادة تشكيل النظام الدولي، تنظر إلى سوريا باعتبارها جزءًا من مشاريعها الكبرى في صعودها العالمي، لا سيما في ظل التنافس المتصاعد مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. 

ويبدو أن كلا الطرفين يدخل هذه المرحلة بأهداف واضحة:

على الجانب السوري، تنظر دمشق إلى بكين كفرصة للخروج من ضيق الحصار وكسر طوق العقوبات المفروضة عليها وما دمرته الحرب، عبر مسارات جديدة للتعافي وإعادة الإعمار. وتندرج زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى بكين ضمن هذا التوجه، إذ تسعى دمشق إلى توسيع شبكة علاقاتها الخارجية، وتعزيز شراكاتها الإستراتيجية.

في هذا السياق، تأمل سوريا في تثبيت موقعها كساحة متقدمة في خارطة التوازنات الدولية، مستفيدة من المبادرات الصينية، وعلى رأسها "الحزام والطريق"، التي يمكن أن تساهم في إحياء مشاريع البنية التحتية والاستثمار. كما تطمح إلى تأمين مظلة سياسية واقتصادية من بكين، توازي حجم التحديات التي تواجهها، وترسل في الوقت نفسه رسائل واضحة إلى واشنطن بأن الصين حاضرة بقوة لدعم دمشق في مواجهة الضغوط والعقوبات الغربية.

على الجانب الصيني، لا تقتصر أهمية سوريا بالنسبة للصين على البُعد الاقتصادي فقط، بل تتجاوز ذلك إلى اعتبارات جيوسياسية عميقة، إذ تقع دمشق في نقطة تقاطع بين آسيا والخليج والبحر المتوسط، ما يجعلها جزءًا محوريًا في المعادلة الجيوسياسية لمبادرة "الحزام والطريق". 

على الجانب السوري، تنظر دمشق إلى بكين كفرصة للخروج من ضيق الحصار وكسر طوق العقوبات المفروضة عليها وما دمرته الحرب، عبر مسارات جديدة للتعافي وإعادة الإعمار

فمن خلال سوريا، تسعى بكين إلى الوصول إلى البحر المتوسط عبر موانئ اللاذقية وطرطوس، وربط خطوطها البرية القادمة من إيران والعراق بالأسواق الأوروبية. ومع اشتداد التنافس الأميركي–الصيني، تزداد أهمية سوريا باعتبارها نقطة ربط استراتيجية في مسار "الحزام والطريق"، وهو ما يفسر تصاعد اهتمام الصين بترسيخ حضورها في هذا البلد.

تتمثل الجاذبية الجيوسياسية لسوريا بالنسبة لبكين في موقعها الذي يُكمل القوس البري–البحري الصيني، حيث تمنح الموانئ السورية منفذًا مباشرًا على المتوسط، ما يجعل منها بوابة بحرية حيوية في خارطة المبادرة الصينية. كما تتيح سوريا للصين الاستغناء عن الممرات الخاضعة للنفوذ الأميركي، مثل الخليج وقناة السويس، وهو ما يقلل من قدرة واشنطن على ممارسة الضغوط الاقتصادية.

علاوة على ذلك، تؤدي سوريا دورًا محوريًا في الجسر البري–البحري بين آسيا وأوروبا، إذ يمكن للصين عبر هذا الامتداد تأمين خط تجاري مباشر يصلها بالأسواق الأوروبية. وفي خضم التنافس الجيوسياسي المتصاعد، تشكّل سوريا ورقة نفوذ محتملة للصين في منطقة لطالما كانت ساحة نفوذ أميركي–روسي، ما يسمح لبكين بإعادة تموضعها وتعزيز قدرتها على مقاومة الضغوط الغربية.

تدرك الصين أن مرحلة ما بعد الحرب السورية تفتح آفاقًا هائلة في مجالات إعادة الإعمار، من البنى التحتية والموانئ إلى الطاقة والاتصالات، وهي مجالات تتقن إدارتها وتوظيفها سياسيًا واقتصاديًا، في ظل احتدام الصراع على النفوذ داخل الإقليم.

التنافس الأميركي الصيني في سوريا

تطمح بكين إلى إيجاد موطئ قدم إضافي لها في ساحة تتزاحم فيها مع واشنطن وموسكو، بهدف موازنة النفوذ الإقليمي وتوسيع حضورها في الشرق الأوسط. ومع التحسن في العلاقات السورية–الأميركية وتزايد الدعوات لرفع العقوبات (قانون قيصر)، تزداد خشية الصين من أن تتحول سوريا إلى ساحة نفوذ غربي خالصة. وكلما اشتد التنافس الأميركي–الصيني، ازدادت أهمية دمشق في الحسابات الجيوسياسية لبكين.

في هذا السياق، تظهر واشنطن ميلًا لإعادة هندسة الدور السوري ضمن ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، من خلال ضم دمشق إلى تحالفات مكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، وقطع الطريق على أي فراغ يمكن أن تستثمره بكين لصالح تمددها. بينما تسعى موسكو لتثبيت مصالحها العسكرية في الساحل السوري، وسط مراقبة حثيثة للخطوات الصينية. أما الصين، فتركّز على إدماج سوريا ضمن مشروع "الحزام والطريق"، بوصفها بوابة استراتيجية نحو المتوسط وأوروبا.

في المقابل، تدرك دمشق أن أي تقارب واسع مع بكين سيضعها تحت مجهر واشنطن، خاصة في مرحلة تشهد إعادة تشكيل لموازين القوى الإقليمية والدولية، ما يجعل خياراتها الخارجية دقيقة ومحسوبة.

مستقبل العلاقات الصينية السورية

يتحدد مستقبل العلاقات بين بكين ودمشق وفق جملة من العوامل المتداخلة، على رأسها التحول من التعاون المحدود إلى شراكة استراتيجية أوسع. فالصين التي باتت لاعبًا سياسيًا فاعلًا في ملفات الشرق الأوسط (المصالحة السعودية–الإيرانية المبادرات الاقتصادية في الخليج، النفوذ في المتوسط) باتت تنظر إلى سوريا كجزء من شبكة نفوذها الجيوسياسي، لا مجرد دولة صديقة ضمن محور "الجنوب العالمي".

كما تكمن الأهمية الكبرى لسوريا، من وجهة نظر الصين، في موقعها الجيوستراتيجي الذي يوفّر نافذة بحرية على المتوسط عبر موانئ اللاذقية وطرطوس، ويربط خطوط النقل البري القادمة من الصين عبر إيران والعراق بأسواق أوروبا

في صلب هذا التوجّه، تتبلور البوابة الكبرى التي ترى الصين أنّها مدخلها الرئيس إلى سوريا عبر مشاريع إعادة الإعمار، التي تُعدّ أهم فرصة اقتصادية لبكين داخل البلاد. فالصين، من خلال شركاتها العاملة في مجالات البنية التحتية والاتصالات والرقمنة وتطوير الموانئ والطاقة، تمتلك الأدوات والخبرات اللازمة لإعادة بناء قطاعات استراتيجية مدمّرة، بما يجعل من سوريا ساحة واعدة لنفوذ صيني طويل الأمد.

كما تكمن الأهمية الكبرى لسوريا، من وجهة نظر الصين، في موقعها الجيوستراتيجي الذي يوفّر نافذة بحرية على المتوسط عبر موانئ اللاذقية وطرطوس، ويربط خطوط النقل البري القادمة من الصين عبر إيران والعراق بأسواق أوروبا. في هذا الإطار، تصبح سوريا نقطة ارتكاز في مشروع "الحزام والطريق"، وممرًا بديلًا عن المسارات التي تهيمن عليها البحرية الأميركية، ما يعزز طموحات بكين في إعادة رسم خريطة التجارة العالمية.

تمنح بكين دمشق دعمًا سياسيًا في المحافل الدولية، وغطاءً لرفض الضغوط الغربية، في مقابل الحصول على عقود طويلة الأمد، ونفوذ في الموانئ والممرات اللوجستية، وموطئ قدم في منطقة حيوية للتجارة العالمية. وهو ما يجعل من سوريا بيئة مثالية لتوسّع صيني منخفض التكلفة ومرتفع التأثير.

تحالف يعيد رسم موقع سوريا في المنطقة

إن مستقبل العلاقات الصينية–السورية يتجه نحو تعاون استراتيجي طويل الأمد، يقوم على دعم سياسي صيني، ودور اقتصادي تدريجي، وتوظيف سوريا كمحطة مركزية في مبادرة "الحزام والطريق" (2050). وبذلك، لن تكون بكين مجرد شريك اقتصادي لسوريا، بل ستصبح أحد أبرز صُنّاع مستقبلها الجيوسياسي خلال العقد القادم.

باختصار، سوريا ليست مجرد وجهة استثمارية للصين، والصين ليست مجرد قوة اقتصادية تبحث عن سوق جديدة. فالعلاقة بينهما تتجاوز التعاون الثنائي لتتحول إلى تحالف هادئ يعيد تموضع دمشق في الإقليم ويمنح الصين منفذاً مؤثرًا على ضفاف المتوسط. لقد تحولت سوريا، بعد هذه الزيارات، إلى ساحة لتوازنات جديدة بين القوى الكبرى، حيث تستفيد دمشق من المنافسة لفتح هوامش سياسية أوسع، في حين تتعامل هذه القوى مع كل خطوة سورية كجزء من معركة النفوذ في الشرق الأوسط. وبالتالي، قد تتحول سوريا خلال العقد القادم إلى إحدى العقد الجيوسياسية الأهم في مسار الصعود الصيني، ولاعباً لا يمكن تجاوزه في مشهد إعادة هندسة الشرق الأوسط الجديد.

كلمات مفتاحية
ليمان طره

السجن ضد الوطن: في مقاومة محو الانتماء

لم تعد سنوات السجن في مصر مجرد حرمان من الحرية، بل فضاء يعيد تشكيل علاقة الإنسان بوطنه، سياسيًا كان أم جنائيًا

نيكولاس مادورو

التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا: صراع النفوذ والطاقة والسلطة

تعود جذور التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا إلى عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، عندما بدأت واشنطن تراقب تحركات كاراكاس عن كثب

المدرسة الدستورية

قبل أكثر من مئة عام كان لدينا "بستان أطفال"

أشار خليل السكاكيني إلى أن المدرسة ليست تبشيرية، بل وطنية، تقبل الطلاب من مختلف الأديان والمذاهب دون المساس بعقائدهم

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png
مناقشات

"جروان" و"جوافة".. مبادرات فردية تحوّلت إلى مراكز ثقافية فارقة تخدم أطفال الريف

المراكز الثقافية وخدمة أطفال الريف في مصر

الصين
سياق متصل

تصعيد جوي وتوتر عسكري غير مسبوق بين الصين واليابان

تصاعدت حدة التوتر العسكري بين اليابان والصين، بعد اتهام طوكيو لمقاتلات صينية بتوجيه راداراتها نحو طائرات عسكرية يابانية

ماكس فيرشتابن
رياضة

نهاية مرتقبة لنسخة مثيرة من بطولة العالم للفورمولا 1

سيقاتل ماكس فيرشتابن من أجل الظفر ببطولة العالم للمرة الخامسة في تاريخه، والسنة الخامسة على التوالي، لكن حظوظه تبقى ضئيلة للفوز به

ميسي
رياضة

حقبة جديدة عنوانها ميسي.. إنتر ميامي يتوج بلقب الدوري الأميركي للمرة الأولى في تاريخه

لم يكن اللقب ضروريًا لمسيرة ميسي الحافلة بالإنجازات، لكنه كان هدفًا واضحًا منذ اللحظة الأولى.