سباق تركيا وإيران على مياه العراق.. عطش الرافدين على الأبواب!

سباق تركيا وإيران على مياه العراق.. عطش الرافدين على الأبواب!

قد يقبل العراق على جفاف غير مسبوق (أ.ف.ب)

كان العراق من البلدان الأساسية المؤهلة لزراعة الرز وتصديره إلى العالم بكل أنواعه، إضافة إلى تميزه في إنتاج أنواع نادرة منه، وإلى وقت ليس بعيدًا كانت موائد الوطن العربي لا تخلو من الرز العراقي، نظرًا للأراضي الواسعة، والتربة الخصبة ووفرة المياه في نهري دجلة والفرات، لكن وزارة الزراعة العراقية قد أصدرت كتابًا رسميًا قبل أيام منعت فيه زراعة عدد من المحاصيل في البلاد، بينها الأرز، الذي يحتاج إلى مياه كثيرة حسب المعروف.

إذا اكتمل مشروع سد اليسو فإن الأضرار ستكون كارثية على الموارد المائية في العراق

إنها أزمة المياه إذًا، وهناك من يسميها حرب المياه، أو سياسات التجفيف المتعمد من قبل تركيا. في يناير/كانون الثاني 2018 بدت تلوح بوادر الأزمة حين أعلنت تركيا عن إكمال بناء سد اليسو على نهر جدلة، وهو سد اصطناعي يعتبر خامس أضخم سد على مستوى العالم، وثاني أضخم سد في تركيا. يقع اليسو جنوب شرق تركيا وعلى مقربة من الحدود العراقية، وهو بحسب أقوال الأتراك يهدف لتوليد الطاقة الهيدروليكية، والتحكم في الفيضانات وتخزين المياه، وسيوفر السد طاقة مقدارها 1.200 متر مكعب، وسيكون سعته 10.4 بليون 3م، ويبلغ ارتفاع السد 135 مترًا وعرضه 1820م وبمساحة حوض تُقدّر بـ 300 كم2. كما يحتوي على  محطة لإنتاج الكهرباء بطاقة 3.833 كيلو واط في الساعة.

لكن بحجم آثاره الإيجابية التي تتغنى بها السلطات التركية، فإن آثاره على العراق أيضًا هائلة، حيث ستنخفض مياه نهر دجلة في الأراضي العراقية إلى 9.7 مليار متر مكعب بالسنة، فضلًا عن الآثار الأخرى على الزراعة ومياه الشرب والصناعة وإنعاش الأهوار والبيئة، وتوليد الطاقة، وقد تحركت الحكومة العراقية بهذا الشأن، وأعلنت عن نقاط اتفق عليها مجلس النواب العراقي، كان منها وضع استراتيجية للتفاوض مع الجانب التركي، ودعوة المجتمع الدولي للتدخل وتفعيل الاتفاقيات، خصوصًا اتفاقية 1997، التي يطلق عليها قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية للأمم المتحدة، والتي تنص على أنه لم يعد قائمًا أي اسم من قبيل نهر تركي أو غير تركي عابر للحدود، بل يعتمد مفهوم (المجرى المائي الدولي) الذي يقع في عدة دول وتكون السيادة عليه للدول المتشاطئة عليه. ولا يوجد نهر "وطني" إلا إذا كان داخل حدود دولة واحدة منبعًا ومصبًأ. 

أقرأ/ي أيضًا: احتجاجات الكهرباء في كربلاء.. أيادٍ حزبية وراء الفوضى وتشويش الحراك

لم ينتج تحرّك الحكومة إلا مطالبة تركيا بتأجيل عملية ملء سد اليسو حتى حزيران/ يونيو 2018 الجاري، وقد وافق رئيس الوزراء التركي على ذلك بدلا من ملء السد في آذار/مارس الماضي. لكن يبدو أن الطبيعة تحالفت مع السياسة التركية في عملية تجفيف المياه، فلم يشهد العراق موسم أمطار جيّد لملء سدوده، إضافة إلى قلة العائدات المائية من المنابع، ونسبة التبخر العالية خلال فصل الصيف، وأسباب أخرى كثيرة لا تخرج من الفشل السياسي القائم في البلاد بحسب خبراء.

ويقول أنور الموسوي، وهو مهندس زراعي في وزارة الموارد المائية، في حديثه لـ "ألترا صوت"، إن "سد اليسو لو تمت المباشرة به بكامل طاقته الخزنية سيؤدي إلى انتشار التصحر بالعراق، ونقص في الطاقة الكهرومائية من سد حديثة"، ويضيف الموسوي: "سيؤدي ذلك إلى الاختفاء التدريجي لبحيرتي الحبانية والرزازة، وتدهور بيئي كبير ومدمر في الثروة السمكية والأهوار والمساحات المزروعة".

وفي مقال لوزير الموارد المائية، حسن الجنابي بعنوان "ملف المياه المشتركة بين العراق وتركيا"، يقول الجنابي إن "سعة خزين سد اليسو تبلغ (11) مليار متر مكعب، وهي أكثر من نصف معدل تصريف دجلة السنوي على الحدود العراقية البالغ (20) مليار متر مكعب، وأكبر من التصريف السنوي في أوقات الشحة، حيث يتدنى إلى (9) مليار متر مكعب سنويًا". لافتًا إلى أنه "من المؤكد أن إيرادات نهر دجلة على الحدود العراقية ستنخفض إلى حوالي النصف في السنوات الاعتيادية، وأن هناك احتمالًا كبيرًا بقطع إيرادات النهر تمامًا عن العراق في السنوات الشحيحة، خاصة عند إكمال سد جزرة الاروائي على دجلة إلى الأسفل من سد اليسو، والذي سيستخدم لإرواء مئات الآلاف من الاراضي المستصلحة".

ويستدرك الجنابي بالقول: "سيقلل سد اليسو من أهمية سد الموصل وفائدته في العراق إلى درجة كبيرة، لأن نصف إيراده السنوي في موسم الربيع حيث الذروة سيستخدم لملء سد اليسو". ويعتبر سد الموصل أكبر سد في العراق ورابع أكبر سد في الشرق الأوسط، والذي يتعرض للتهديد أيضًا. ولم يقتصر الأمر على سد الموصل فقط، حيث تتعرض المناطق الجنوبية التي تتنعم بمياه الأهوار منذ سبعة آلاف سنة، إلى كارثة أيضًا، وقد جفت بعض الأنهار فعليًا هناك.

في حين صرّح سكرتير لجنة إنعاش الأهوار في مجلس محافظة البصرة علاء البدران، أن "العراق من المتوقع أن يواجه خلال هذه الفترة كارثة جفاف وعطش يصعب التكهن بخسائرها المادية وأضرارها البيئية والمعاناة الإنسانية التي سوف تسببها بسبب بناء سد اليسو". ويلفت البدران إلى أن "كميات المياه التي تصل إلى العراق عبر نهر دجلة تبلغ نحو 550 م3 في الثانية، لكن عند تشغيل السد الجديد قد تنخفض حتى إلى مستوى 60 م3 في الثانية"، موضحًا أن "البصرة ستكون الأشد تضررًا بحكم موقعها الجغرافي، ومناطق الأهوار سوف تجف مساحات شاسعة منها مجددًا".

بينما أعلن قائمقام قضاء المجر الكبير بمحافظة ميسان في 10 شباط/فبراير عن توقف جريان نهر دجلة في القضاء. وقال في تصريحات صحفية إن "محطات المياه في قضاء المجر الكبير وقضاء قلعة صالح وناحيتي العدل والخير وعشرات القرى توقفت بشكل بشكل تام". مضيفًا أن "ذلك جاء بسبب توقف نهر دجلة عن الجريان"، محذرًا من "كارثة بيئية تهدد حياة المواطنين".

تتعرض المناطق الجنوبية في العراق  التي تتنعم بمياه الأهوار منذ سبعة آلاف سنة، إلى كارثة مائية تنذر بجفاف حتمي

وشهدت المحافظات العراقية منذ بداية رمضان الجاري، أزمة في الكهرباء وساعات التشغيل، ما جعل المواطنين يتظاهرون في عدة محافظات بسبب الحر الشديد. لكن التصريحات الحكومية أوضحت أن هذا يعتبر من نتائج مشكلة المياه التي يواجهها العراق، حيث بدأت مشاكلها تنعكس بشكل واضح، وقد صرّح وزير الموارد المائية، حسن الجنابي، إن "مشكلة المياه أفرزت عن مشاكل أخرى، أبرزها التيار الكهربائي الذي يعتمد على محطات التوليد المائية، وبالتالي أصبحت المشكلة مزدوجة".

الحرب الإيرانية على المياه في العراق

ليست تركيا المسؤول الوحيد عن الحرب التي تهدد مصادر المياه في العراق، فهناك دور لإيران أيضًا، حيث تدخل 70% من المياة العراقية من خلال تركيا، و10% من خلال إيران، وقد حذرت تقارير سابقة، أن "حرب المياه بين تركيا وإيران" تهدد بغداد بـ"الجفاف والظلام"، خاصة الحرب الإيرانية على المياه في إقليم كردستان، شمال العراق، وباقي المحافظات، حيث توجد أنفاق وسدود إيرانية تهدد الزراعة في الإقليم، فضلًا عن حرمان العراق من حصته المائية الطبيعية، وقد أشارت وسائل إعلام كردية في أكثر من مرة على إقدام السلطات الإيرانية على قطع جريان مياه نهر سيروان باتجاه إقليم كردستان.

تستغل إيران نفوذها في العراق والوضع السياسي في البلاد للسيطرة على موارده المائية

في حزيران/يونيو 2017، انتقد النائب عن كتلة التغيير الكردستانية أمين بكر، الصمت الحكومي على قطع إيران مياه نهر الزاب الصغير عن العراق كليًا، محذرًا من جفاف النهر خلال أيام قليلة، فضلًا عن تقليل كميات الزاب الأسفل، والتي أدت إلى تقليل مناسيب مياه بحيرة سد دوكان، ما سيؤثر على الزراعة وعلى نهر دجلة، بحسب وزير الزراعة في الإقليم، عبد الستار مجيد.

أقرأ/ي أيضًا: العراق..مافيا الوظائف الحكومية تطيح بآمال الشباب

وقد كشف المهندس مهدي رشيد، مدير عام السدود والخزانات المائية، عن قيام "إيران بتغيير مجرى نهر الكارون بالكامل وإقامتها ثلاثة سدود كبيرة على نهر الكرخة"، بعدما كانا يمثلان مصدرين رئيسيين للعراق. ولفت إلى أن "العراق كان يشترك مع إيران من خلال 45 رافدًا مائيًا، لم يبق منها اليوم سوى ثلاثة أو أربعة فقط".

 إذ قطعت إيران مياه نهر الوند في خانقين، وانخفض منسوب مياهه بشكل كبير لأكثر من مرة، بالإضافة إلى تقليل كميات المياه الداخلة إليه، ما جعل القضاء يعيش وضعًا مأساويًا نتيجة شح المياه، بحسب رئيس المجلس البلدي في قضاء خانقين.

أما محافظة البصرة جنوب العراق، فقد تعرضت بعد العام 2007 إلى شح حاد في المياه الصالحة للري بسبب قطع إيران لمياه نهر الكارون الذي ينبع داخل أراضيها، وفي حزيران/يونيو 2017 اتهمت وزارة الموارد المائية العراقية إيران بإغلاق مياه نهر الكارون، ما أدى إلى انخفاض مناسيب مياه شط العرب، وزيادة نسبة الملوحة فيه.

قد ينتظر العراق في هذا الصيف الحار، جفافًا مائيًا، وكهرباءً ستتأثر بهذا الجفاف، إضافة إلى أنها غير مستقرة بالأصل. ويرى مراقبون، أن الدولتين الإقليميتين، تركيا وإيران، تستغلان ضعف العراق وأزماته الداخلية بشكل مستمر في التأثير على مياهه واقتصاده ومصادر ثروته.  ويضاف إلى هذا الاستغلال، عجز الحكومة العراقية عن حل المشاكل المائية التي تهدد البلاد منذ زمن ليس بالقريب، وقد حذّر منها الكثير من المهتمين في الشأن العراقي، منذ التسعينيات من القرن المنصرم.

تقترب الكارثة وتحيط بالعراقيين من كل جانب في هذا الوقت إذًا، سيما بعد انتهاء مدة الأتراك في ملء سد اليسو الذي سيقطع نصف مياه نهر دجلة تقريبًا، واستمرار استغلال إيران لنفوذها في البلاد، مع صمت رسمي كامل.

 

أقرأ/ي أيضًا:

الطغاة سبب الكوليرا

أرامل العراق.. أرقام عالية ومعاناة مضاعفة