سالي روني.. روائية من "العالم الجميل" تدفع ثمن مواقفها
1 ديسمبر 2025
في تموز/يوليو الماضي عندما طوعت الحكومة البريطانية مطاطية قانون الإرهاب لحظر منظمة "فلسطين أكشن"، كانت الكاتبة الأيرلندية الشابة سالي روني أولى الكتاب الغربيين المناهضين للقرار، الذي وصفته بأنه يمثل هجومًا مقلقًا على حُرية التعبير.
روني اعتبرت انحيازها للمؤسسة المُناهِضة للتسليح الغربي لإسرائيل بوصفه ضلوعًا مباشرًا في الإبادة، موقفًا مبدئيًا من حُرية التعبير والعدالة الإنسانية، موضحةً أن تجريم الحركة لا يستهدف فقط الناشطين المدافعين عن القضية الفلسطينية، بل يُضيّق أيضًا الخناق على المجال الثقافي والفكري في بريطانيا، ويحرم المواطنين من حقهم في التعبير عن الآراء المعارضة.
وفي أكثر من مناسبة أكدت المؤلفة أن دعمها للقضية الفلسطينية، باعتبارها قضية إنسانية تمس حرية التعبير وكرامة الشعوب وحقها في مقاومة الاضطهاد، نابع من التزامها الأخلاقي تجاه العدالة، وهو ما تجلّى في موقفها المُبكر من التطبيع الثقافي مع إسرائيل.
ففي عام 2021، رفضت روني طلب دار نشر إسرائيلية لترجمة روايتها "أيها العالم الجميل، أين أنت؟"، بسبب نهجها العدواني تجاه الشعب الفلسطيني، موضحةً أن قرارها جاء تضامنًا مع حركة سحب الاستثمارات وفرض العقوبات بي دي إس(BDS)، التي تدعو إلى مقاطعة إسرائيل بالكامل.
وفيما عُد قرار الكاتبة الشابة التي نشأت في بيئة ثقافية عائلية داعمة، موقفًا إنسانيًا ملهمًا يعيد تبئير الدور العضوي للمثقفين، ويعيد لكلمة القوى الناعمة بريقها المستلب، إلا أنه أيضًا جر عليها هجومًا واسعًا من قبل المؤسسات الصهيونية الرسمية والخاصة، حيث ندد وزير الشتات الإسرائيلي، نحمان شاي، بقرار روني، زاعمًا أن المقاطعة الثقافية لإسرائيل تعد "معاداة للسامية في ثوب جديد".
كما أعلنت اثنتان من كُبريات المؤسسات العاملة بالثقافة في إسرائيل هما مكتبتي (ستيماتزكي وتزوميت سيفاريم) التوقف بيع مؤلفات الكاتبة الأيرلندية، فضلًا عن سحب كتبها من فروعهما التي تزيد عن 200 منفذ بيع في جميع أنحاء إسرائيل، بخلاف مواقعهما على الإنترنت.
كانت الكاتبة أعلنت في آب/أغسطس الماضي استخدام منصتها العامة وعائدات مبيعاتها، بما في ذلك عوائد مسلسلات "بي بي سي" المقتبسة من رواياتها لدعم "حركة فلسطين"، الأمر الذي قد يعرضها لاتهاماتٍ بدعم الإرهاب.
وقبل أيام تجدد الصراع مع الكاتبة داخل المملكة المتحدة، حيث كشفت الأحداث أن صاحبة رواية "حوار مع أصدقاء" كانت على حق عندما تنبأت بوقوع مواجهاتٍ بينها وبين الحكومة البريطانية، إذ صرحت قبل أشهر بوضوح بأن دعمها لـ "فلسطين أكشن" قد يدفع السلطات إلى اعتبارها "داعمة للإرهاب" بموجب القانون، لكنّها اعتبرت ذلك "ثمنًا لا بد من دفعه" دفاعًا عن المبادئ الإنسانية والتزامًا بها.
في أكثر من مناسبة أكدت المؤلفة أن دعمها للقضية الفلسطينية، باعتبارها قضية إنسانية تمس حرية التعبير وكرامة الشعوب وحقها في مقاومة الاضطهاد، نابع من التزامها الأخلاقي تجاه العدالة، وهو ما تجلّى في موقفها المُبكر من التطبيع الثقافي مع إسرائيل
وأعلنت الكاتبة الأيرلندية الخميس أنها قد تواجه صعوبات بالغة في إصدار أعمالها الجديدة، بل وربما تضطر إلى سحب كتبها الحالية من السوق الإنجليزي.
وقالت الكاتبة في شهادتها أمام المحكمة البريطانية العُليا التي تنظر في طعن مقدَّم من المؤسس المشارك للجماعة، هدى العموري، إنها "شبه متأكدة" من أنها لن تكون قادرة على نشر أية كتب جديدة في المملكة المتحدة طالما ظل حظر منظمة "حركة فلسطين ساريًا، مشددةً على أنها لن تتوقف عن الدعم المادي والمعنوي للحركة.
وأضافت الكاتبة، مستشهدة بمواقفها السابقة: "لقد دافعت شخصيًا عن استخدام العمل المباشر، بما في ذلك تخريب الممتلكات، في قضية العدالة المناخية.. ومن المنطقي أن أدعم نفس نطاق التكتيكات في محاولة لمنع الإبادة الجماعية.
وتواجه روني التي تعد واحدة من أكثر الكُتّاب تأثيرًا ومبيعًا في المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة، مشكلةً مالية قانونية الآن، بسبب ذلك الدعم والذي من شأنه أن يضع ناشريها البريطانيين "فابر آند فابر" و"BBC" أمام اتهامات محتملة بتمويل الإرهاب لمجرد قيامهم بدفع حقوقها المالية، ما قد يدفع المؤسستين إلى وقف التعامل معها بالكامل، ويمحو أعمالها من السوق الثقافي البريطاني.
وتحسبًا لما هو أعنف، ألغت روني مؤخرًا زيارةً إلى لندن خوفًا من التعرض للاعتقال بسبب مواقفها السياسية الداعمة لفلسطين، بعدما حظرت المملكة المتحدة منظمة "حركة فلسطين" واعتبرت التعبير عن دعم الحركة أو الدعوة إلى دعمها، جريمة جنائية في بريطانيا يعاقب عليها بالسجن لمدة تصل إلى 14 عامًا بموجب قانون الإرهاب لعام 2000.
ونظرًا للأهمية الكبيرة التي تحظى بها أعمالها في سوق الكتاب البريطاني، فإن هذا الحظر، بحسبها، لا يمسّ حريتها الشخصية فحسب، بل يشكل تهديدًا لحرية التعبير ولحقوق قطاع النشر بأكمله.
وطوال الوقت تعلن روني دعمها غير المحدود لاحتجاجات "Palestine Action" "حركة فلسطين" التي تعدها امتدادًا لـ "تقليد طويل ومشرّف من العصيان المدني"، مؤكدة أن إسرائيل "ترتكب إبادة جماعية في غزة" وأن مواجهة هذه الجرائم تتطلب عملًا مباشرًا وليس مجرد بيانات إدانة، فيما تؤكد الحكومة البريطانية في المُقابل أن البرلمان هو الجهة المخوّلة بتحديد مفهوم الإرهاب، وإن القانون يشمل الإضرار الجسيم بالممتلكات حتى دون استخدام العنف ضد الأفراد.
وتعد قضية روني فصلًا من معركة أوسع، من الاعتقالات والتضييقات في صفوف المتضامنين بمن فيهم المبدعون وأكاديميون "مع المؤسسة"، إلا أنها تكشف عن وجهٍ أكثر قتامة وإحباطًا فيما يتعلق بحرية التعبير، ومشروعية التضامن مع الفلسطينيين داخل المملكة المتحدة.
ففي آب/أغسطس الماضي اعتقلت الشرطة البريطانية كاتب السيناريو والممثل البريطاني بول لافيرتي ذا الـ 68 عامًا، لارتدائه قميصًا كتب عليه "إبادة جماعية في فلسطين، حان وقت التحرك". وهي التهمة التي أكدها حساب المخرج الشهير كين لوتش وشركة إنتاجه "سيكستين فيلمز" على منصّة إكس، في تدوينة جاء فيها: "بول لافيرتي قرأ أسماء أعضاء مجلس الوزراء البريطاني المتواطئين في الإبادة الجماعية قبل اعتقاله واتهامه بالإرهاب بسبب القميص الذي كان يرتديه".
وقد حذّر مراقبون من أن هذه الأزمة قد تشكل ضربة كبيرة لقطاع النشر بأكمله، لكن موقف الكاتبة الشابة سالي روني سيظل مبادرة رائدة وشجاعة، تكشف عن تشكّل جيل أدبي جديد قادر على مواجهة الصوت العالي لآلة الإعلام الصهيونية العالمية وتفكيك سرديتها وكشف جرائمها، بالتوازي مع فضح الخرس الأوروبي تجاه تلك الجرائم.
تجدر الإشارة إلى أن روني روائية وكاتبة لها العديد من المقالات المنشورة، فضلًا عن أربع روايات حققت نجاحًا كبيرًا، ونالت بفضلها شعبية واسعة تعدّت حدود بلادها أيرلندا وبلغت مختلف بقاع العالم، أولها رواية "محادثات مع الأصدقاء" الصادرة عن دار النشر "فابر آند فابر" في أيار/مايو 2017، وحولت إلى مسلسل تلفزيوني عام 2022، شاركت فيه روني - كمنتجة تنفيذية، ثم رواية "أشخاص عاديون" الصادرة عن نفس دار النشر أواخر آب/أغسطس 2018، واقتبست منها الكاتبة نصّ سيناريو لمسلسل تلفزيوني عُرض عام 2020. ثم رواية "أيها العالم الجميل، أين أنت؟": أصدرتها دار النشر الأميركية "فرار ستراوس آند جيرو" والبريطانية "فابر آند فابر". وأخيرًا رواية "إنترمتسو" التي أصدرتها دار النشر "فابر آند فابر" في أيلول/سبتمبر 2024.







