ساق إبراهيم

ساق إبراهيم

ريم يسوف/ سوريا

سألته المعلمة: ماذا تريد أن تكون في المستقبل يا إبراهيم؟ وقف بشموخ وقال: أريد أن أكون أمهر من يقود الدبكة في الأعراس. وقف صديقه وقال: معلمتي إبراهيم أمهر "دبيك" بالعالم.

سأله معلم الرياضة: ماذا تريد أن تكون في المستقبل يا إبراهيم؟ وقف بخفة وابتسامة وقال: أمهر عداء مسافات قصيرة في العالم. وقف صديقه وقال: إبراهيم أسرع ولد بالحارة يا أستاذ.

في الريف ينشأ الصبية ببدنٍ قوي وأحلامٍ لا تنتهي، وكأنها أنهار نشاط ومتانة، بيد أنها بالعموم تقف على باب الصحراء. في الريف ثمة ما يبتلع الأحلام. كان يحتفل مع صحبه ببلوغه الثامنة عشرة من عمره بقليل من النظر للطائرات وحرائق المعارك على المدى القريب المتاخم لقريتهم اليانعة كثمرة كرز، حتى جاء والد إبراهيم وطلب منهم مساعدتهم في جمع ما تبقى من قش في بيدر القمح. هبّ الصبية كنيازكٍ تضيء ولا تؤمن أن ثمة ما سيحرقها في أرضٍ وهبِتْ للنار وهبتْ لأكثر مراحل التاريخ شرًّا وقسوة. وصل الصبية للبيدر يتسابقون في جمع القش، من يصنع أكبر تلة من القش هو الفائز. بدت أصوات القذائف مسموعة في مرحلة إطلاقها، وفي الثانية العاشرة من إطلاقها يسمع بوضوح انفجارها، صرخ الأب بلوعة: احتموا، احتموا وكأن القش غطاء لكل من عايشته الحرب في بلدٍ لم يعد يعرف إلا مخلفات الحرب، ضحك إبراهيم قائلًا القذيفة التي تسمع صوتها مثل الطلقة لن تقتلك، ثم دوى انفجار خفيف اشتعلت النيران في القش، وحده إبراهيم لم يستطع الحراك لم تقتله القذيفة، لكنها أخذت ساقه.

حصل على الكثير من الصور، والمقابلات لكنه لم يحصل على طرف صناعي، ولم يحصل على جواب لسؤال يشغل باله ويسأله كل مرة بنفس الطريقة: هل ثأري هو ثأر شخصي؟ أم ثأر مع الحرب؟

يبكي كلما سمع صوت احتفال أو عرس، كان يبكي كلما احتاج أن يركض، كان يبكي كلما شاهد مسابقة رياضية على التلفاز، غير ذلك كان دائم السؤال عن سبب إحساسه بساقه التي ما زالت تطير، هل تنبت مجددًا؟ ويتحسس مكان البتر.

فرح مرة واحدة حين خسر منتخب بلاده في كرة القدم، بلاده التي كانت قشًّا يشتعل، تحت رحى الجهات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حطام ذاكرة سورية

الرصاصةُ التي لمعتْ كدمعةٍ