ساعات

ساعات "كورونا" الأولى في بيروت

انتشر الهلع مع اكتشاف أول حالة إصابة بفيروس كورونا في لبنان (فيسبوك)

الرجل الخمسيني الجالس في الباص الذي يمرّ بالأونيسكو - غرب بيروت، لا يتوقف عن الثرثرة. يقول إنه يعتقد أنهم يكذبون، وأن عدد المصابين بفيروس كورونا أعلى بكثير من الرقم المُعلن. أما الرقم المُعلن، فكما بات معروفًا، فهو حالة واحدة آتية من إيران، تحديدًا من مدينة قم المقدّسة عند الجماعة الشيعية. ورغم أن جميع الجالسين تقريبًا حوله، لم يظهروا أي رغبة جدية بفتح نقاش جدّي في الموضوع، إلا أنه استمر في تذمره.

عدد غير كاف للغرف المخصصة للحجر الصحي في المستشفيات، كمامات تشهد ارتفاعًا في أسعارها وتكاد تنقطع من السوق، نقص حاد في المواد الطبية، والكثير الكثير من النكات التي يتداولها لبنانيون

فجأة عطس بقوة. رفع جزء منهم رؤوسهم الملتصقة بهواتفهم الذكية. الآن فقط استحوذ على اهتمامهم. لم يفوّت الفرصة. بدأ يسرد لهم قصة إغلاق المصنع الذي يعمل فيه، يوم أمس (الخميس 20 شباط/فبراير 2020)، بسبب "شكوك" بوجود مصاب بالفيروس بين العمال، أي قبل يوم واحد من إعلان الإصابة الأولى بالفيروس في لبنان. سرد الرجل الذي نتف الرعب وجهه قصة، بدت للجميع خيالية، لشدة التضخيم والمبالغة. حتى أن بعض ركاب الباص احتاجوا لأن يديروا وجوههم، وأن يضحكوا من دون أن ينتبه. سرعان ما تدخل أحد الجالسين، وسرد قصة أسطورية أخرى عن الطائرة التي كانت المصابة على متنها. سرد تفاصيل دقيقة عن توزيع الكمامات، عن المصابين، عن كيفية وصول الفيروس إلى لبنان، ولم يفهم أحد من أين أتى بهذه المعلومات. وعندما سأله أحد الأشخاص، أجاب واثقًا: "من الواتساب".

اقرأ/ي أيضًا: ماذا تعرف عن فيروس كورونا الجديد؟.. 10 أسئلة تشرح لك

 بعد أخذ ورد، ونقاش غير علمي بالضرورة، وبدون جهد وافر للملاحظة، يمكن الافتراض أن معظم المعترضين باتوا يوافقون على أن لا شيء يدعو إلى الاطمئنان. ولكن المعلومات المتوافرة حتى الآن، تؤكد أن عدد الإصابات المعلنة في بيروت هي واحد فقط. وهي مواطنة لبنانية في منتصف الأربعينيات، تقيم جنوب لبنان قرب الحدود الفلسطينية، وهي زوجة رجل دين يقيم في إيران. في الساعات اللاحقة، تبيّن أن سرعة انتشار الفيروس الخطيرة في المدينة الإيرانية استدعت اهتمام منظمة الصحة العالمية.

حسب المعلومات أيضًا، فإن المرأة تعمل هناك، كقارئة عزاء، والعزاء من الطقوس الشيعية المعروفة. أما حالتها، وفقًا للمصادر الطبية، فليست خطرة، كما لا تبدو عليها أية عوارض حادة. وهذا بالضبط، ما يقلق اللبنانيين، مثل بقية الناس في العالم، أي قدرة الفيروس على الاستيطان لفترة، قبل ظهور عوارضه. وهذه الفكرة المتداولة بين اللبنانيين قد تكون الأصح، من بين مجموعة أفكار أخرى متداولة، عن العوارض نفسها، وعن "تخيّلات" تدور حولها، وتكاد أن تصير حقيقية.

أهم ما جاء في المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الصحة اللبناني، حمد حسن، للتعليق على الحادثة بعد إعلانه عنها، هو أنه لا حالات أخرى حتى الساعة، وأن حالة المصابة حددت في فترة سريعة نسبيًا. وفي سياق دعوته إلى عدم الهلع، أشار إلى أن الإجراءات التي تقوم بها وزارة الصحة كافية. لكن المستشفيات الخاصة، في أجوائها المعلنة وغير المعلنة، ورغم تأكيدها على التعاون مع الوزارة، لفتت إلى نقص المعدات الطبية، أو ذكرت به، بسبب الأزمة التي تسببت بها المصارف اللبنانية، ومن خلفها النظام الاقتصادي اللبناني بأسره.

هذا النظام الذي، للمناسبة، سمح لهذه المستشفيات أن تجني أرباحًا هائلة على حساب الناس. حسب الوزير، هناك حالتان مُشتبه في حملهما للفيروس، تم نقلهما إلى غرفة الحجر في مستشفى رفيق الحريري الجامعي، وهو متفائل بعدم ارتفاع عدد المصابين، وحسب معطياته الإجراءات في مطار رفيق الحريري الدولي جادة. ولم يذكر الوزير شيئًا مفصلًا بشأن الحدود البرية مع سوريا، حيث يذهب كثير من اللبنانيين عن طريق البر، ويعودون بالطريقة نفسها.

بعد المؤتمر الصحافي للوزير، تراجع الهلع نسبيًا في أوساط اللبنانيين. ولكن بموازاة هذا التراجع، سرت شائعة عن انقطاع الكمامات من الصيدليات والأسواق. أما السبب، حسب أحد الصيادلة، فهو جشع البعض، الذين رفعوا أسعار علب الكمامات، إلى ثلاثة أضعاف ما كان عليه ثمنها قبل الإعلان عن وجود فيروس كورونا في بيروت. وهذا لا يبّشر بروح "التضامن" التي يتحدث عنها دعاة "التضامن" والآمال الكبيرة من "المجتمع المدنجيين" دائمًا، بل يفضح مجددًا تفشي "فردانية" مقلقة. وقد شاهد اللبنانيون هذا التفشي خلال الانتفاضة، وإن كان من نوع مختلف تمامًا. كذلك، بالمعنى القانوني للكلمة، أو المؤسساتي، لا يبّشر بقدرة الهيئات الرقابية على ممارسة أي عمل جدي، بضبط الأسعار. طبعًا هناك في لبنان من يستغرب الحديث عن وجود مؤسسات رقابية في الأساس. لكن هذا النقاش ليس جديدًا، إذ استنزفت الأزمة الاقتصادية اللبنانيين استنزافًا تمامًا.

اقرأ/ي أيضًا: آثار الهلع: ما هو فيروس كورونا الجديد؟ وما هي أعراضه وسبل الوقاية منه؟

في الباص، الذي تجاوز الأونيسكو، وصار على مقربة من طريق المطار، غادر الرجل الذي كان يتذمر. لكن الرسائل القصيرة التي تصل إلى الهواتف، لم تتوقف. "الواتساب" يخبر القصص والناس تسردها على بعضها. تحذيرات وإرشادات ومجموعة كبيرة من النكات. يجب على اللبنانيين أن يغسلوا أيديهم جيدًا بالصابون والمعقمات. مبدئيًا هذا كل ما يمكنهم فعله حتى اللحظة. في إشارة إلى أن الوضع ليس مقلقًا، استثنت الإجراءات التي دعت وزارة الصحة إليها وضع الكمامات، ولم تطلب تعليق حركة السفر إلى الصين وإيران ذهابًا وإيابًا. الوقاية ضرورية طبعًا، وهذه إرشادات "منظمة الصحة العالمية"، الجهة التي يتفق العالم حاليًا على أنها الجهة المخولة لتقييم المخاطر وتحديد طرق معالجتها. لكن بالنسبة لكثيرين، وهم ليسوا من دعاة الهلع - وليسوا "نباتيين" - تبدو هذه الإجراءات متساهلة قليلًا.

سرت شائعة عن انقطاع الكمامات من الصيدليات والأسواق. أما السبب، حسب أحد الصيادلة، فهو جشع البعض، الذين رفعوا أسعار علب الكمامات، إلى ثلاثة أضعاف ما كان عليه ثمنها

ما يمكن الحديث عنه الآن هو الآتي: عدد غير كاف للغرف المخصصة للحجر الصحي في المستشفيات، كمامات تشهد ارتفاعًا في أسعارها وتكاد تنقطع من السوق، نقص حاد في المواد الطبية، والكثير الكثير من النكات التي يتداولها لبنانيون عبر "واتساب" ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، عن سوء الأحوال، والتعب الشديد. ما يمكن الحديث عنه هو رغبة حقيقية من اللبنانيين، بالتخلي عن الخوف، لكنها تبدو رغبة صعبة المنال... مثل وديعة في مصرف!