زينب حفني.. شخصيات حسب الكاتالوج

زينب حفني.. شخصيات حسب الكاتالوج

زينب حفني في توقيع الرواية

يطالعنا سؤال ضخم، أمام رواية "عقل سيئ السمعة" للكاتبة السعودية زينب حفني (دار نوفل)، حول قدرة الطرح الإشكالي، وحده، على صناعة أدب. إذ على الرغم من الحبكة المتقنة في الرواية. والحكاية المكتملة إلى حد بعيد، إلا أنّ النص يشكو خللًا فاضحًا في مقولته الأدبية! 

السؤال الذي تطرحه رواية "عقل سيء السمعة": ما هي قدرة الطرح الإشكالي وحده على صناعة الأدب؟

تعمد الكاتبة زينب حفني إلى الإغراق في الوصف، مما جعل النص مترهلًا، لا سيما أنّه مكتوب بلغة متكلفة، تملك سوية واحدة، حتى بدت فاقدة للعلاقة مع الشخصيات التي من المفروض أنّها تنطق بها، لقد بدت كلماتها تطفو بعيدًا عن المعنى، لا تحمل معنىً بذاتها، ولا تشير إليه، واكتفى السياق العام للقصة، المشغولة بإتقان، بإيصال فكرتها المثيرة حول مرض نفسي وراثي تناقلته ثلاث سيدات سعوديات، الجدة فالأم فالحفيدة. 

أخرجت زينب حفني، حياة بطلة واحدة عبر شخصيتين وزعت أدوارهما على الأم والبنت، إذ عانيا من "الهوس الاكتئابي" الذي يتصف بتقلبات في المزاج، والرغبة الشبقة بممارسة الجنس، إذ نجد الأم جميلة تخرج إلى الشارع بشكل مفاجئ، بلباس النوم قبل أن يهرع زوجها إليها ويعتاد، بعد ذلك، على إغلاق الأبواب، ويجدها تقف على الشرفة تهمّ بالانتحار، فيندفع إلى إغلاق النوافذ، محيطًا زوجته بالكثير من الرعاية والحنان، ما شكل لاحقًا عقدة نفسية إضافية لدى البنت، لقد باتت تحلم برجل يتفهم مرضها مثلما كان والدها يفعل مع والدتها. أي لم يقتصر ميراث الأم على المرض الجيني، وتعداه إلى عقد سلوكية ناتجة، بطبيعة الحال، عن المرض ذاته. وها هي وجدان البنت تكابد مشهد والدتها وهي تحاول خنقها. ومشهدها عارية بجمالها الأخاذ في مقابل جمال البنت المتواضع. والأهم، أو العقدة المصيرية والتي جعلت وجدان تخرج من طفولتها، هو مشهد والدتها تمارس الجنس مع قريب العائلة.

بدت الكاتبة زينب حفني أنّها تكتب شخصياتها وفق كاتالوج واحد، وهو أعراض المرض المعروفة، فنجد البنت تندفع إلى السوق لتشتري حاجيات لا مبرر لها، مكررة سلوك والدتها في شراء كلّ ما تقع عليه يداها. وتنتقل من مزاج إلى آخر مختلف كليًا. ومن مكان إلى آخر.

ظهر المرض عند جميلة بعد ولادة ابنتها وجدان، في حين ظهر عند وجدان بعد خسارتها حبّها الأول. وواجهتا صعوبات جمّة في إخفاء مرضهما، كي لا يحول عائقًا عن الزواج! لكن بالنسبة لوجدان، فقد فاقمت خساراتها المتكررة للرجال، حالتها المرضية، إضافة إلى صعوبة الاستمرار بالعلاج الدوائي، بسبب آثاره الجانبية، لذا وجدت مثلها مثل والدتها في محاولات الانتحار حلولًا نهائيًا لمرضها، حياتها!

توجه زينب حفني أسئلة إشكالية في الدين، وفي الوقت نفسه يشهد نصها حضورًا متقدمًا للمقولات الدينية

تكشف الرواية عن تفكير يقود وجدان للقول:" كنت واثقة بأن حلاوة أمي وحسنها، هما اللذان جعلاها مطمعًا لشيطان كافر". كونها تعيش في مجتمع يعاني رهابًا فكريًا، ليس معروفًا فيه هل الجمال نعمة أم نقمة؟ ما يدفع للقول بأنّ وجدان وهي ترثي أزواجها، بدت أنّها ترثي الحب، والذي عجزت عن إيجاده عبر زيجاتها المتكررة، قبل أن تجد العزاء في حياة المبدعين الذين عانوا من مرضها ذاته، إذ قطع فان غوخ أذنه وأعطاها لحبيبته، ووضعت فرجينا وولف أحجارًا في ردائها وقفزت إلى النهر منتحرة، في نهاية، جعلتها الكاتبة، شبيهة بنهاية وجدان نائمة على السرير.
 
تنشغل الكاتبة بتعريفات كثيرة للحب والسعادة والغفران والصداقة، في حين تسبك البطلة عالمها بالوحدة والكآبة والهوس الجنسي. علاوة على ذلك، في الرواية حضور خجول لنزعة التحرر من المسلمات الدينية، وذلك بتوجيه أسئلة إشكالية إلى الله، في الوقت نفسه، يشهد النص حضورًا متقدمًا للتصورات والمقولات الدينية. حتى بدت الكاتبة ضائعة فيما تقول، أو ربما لأنّها جربت الشذوذ عن الكاتالوج الذي كتبت وفقه؟!

اقرأ/ي أيضًا:

مصر.. موسم السرقات الأدبية

جمال الغيطاني.. عين السرد التي أُغمضت