زيجمونت باومان.. نقد صلب لـ

زيجمونت باومان.. نقد صلب لـ"الحب السائل"

تم استبدال الأمان الاجتماعي في زمن الحداثة السائلة حسب باومان بالمغامرة والبحث عن الإثارة (تويتر)

قد يبدو الحب في عالمنا السائل، الذي سقطت فيه السرديات الكبرى وآل الكلي فيه والمطلق أو الأبدي إلى مؤقت ونسبي، وكأنه جنبًا إلى جنب مع مجمل العلاقات والصلات الإنسانية، قد تحرر من كل ما ارتبط عادة به، من حسابات كبرى وآمال ومصائر. فلم يعد مسألة مصيرية، كما أن العلاقات العاطفية والجنسية، انتهت آخر ما انتهت إلى شأن شخصي، أو مغامرة قصيرة متخففة من الأعباء والمسؤوليات، يمكن أن يحدد المرء مصيرها في ساعات.

يعد "الحب السائل" بإثارة ومتعة لا نهائيتين وإشباع مطلق، فتتحول العاطفة من خلاله إلى سلعة محددة بتاريخ انتهاء، والإنسان إلى مستهلك غير قادر على مقاومة الإغواء

غير أن زيجمونت باومان، مسقًطا نموذجه ذائع الصيت "الحداثة السائلة" في محاولة لفهم "الحب السائل" (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017)، لا يتفق مع ذلك بشكل كامل. فعلى الرغم من أن هذا النوع من الروابط الإنسانية المعاصرة، يعد الإنسان بكل ذلك، ويتمم له أشكالًا من التواصل التي لا مسؤوليات فيها، ولا مصائر معلقة حولها، إلا أنه في نفس الوقت، لا يبدو نمطًا خفيفًا أو متخففًا، لأنه ببساطة، مثل كل ما ينبثق عن الحداثة السائلة، يَعِد بما لا يعطي.

اقرأ/ي أيضًا: حتمية الحب التعيس.. العيب ليس فيكم ولا في حبايبكم!

وكما وعد العلم بفهم الكون بكل تفاصيله الدقيقة، وانتهى في آخر الأمر عاجزًا عن الإجابة على أسئلة إنسانية أولية، أو كما وعد المحدثون الأوائل بإنهاء الخوف من هذا العالم، وبرفع السحر بالمطلق عنه، فوجدوه خوفًا سائلًا على حد تعبير باومان، يتدفق من كل سؤال غير مجاب ومن كل رغبة لم تُلبّ، أو كما وعد التنوير بعالم يؤول إلى حرية مطلقة، وديمقراطية ليبرالية ينتهي عندها التاريخ، فتلقى صدمات متتالية لم تتوقف عند الفاشيات والشوفينيات والعنصرية والإبادة، فإن الحب، في صيغته السائلة الحديثة، وعد بإثارة منقطعة النظير، ومتعة لا نهائية وإشباع مطلق، فتحولت العاطفة من خلاله إلى سلعة محددة بتاريخ انتهاء، والإنسان إلى مستهلك غير قادر على مقاومة الإغواء، يتوق إلى الأمان، خائف دائمًا من أن يتم التخلي عنه.

لقد قامت الحداثة كما يرى باومان، بتفكيك العناصر الأساسية للعلاقات التقليدية. حيث إنها لم تقم فقط بسلخ الجنس عن العاطفة فقط، وإنما فصلته عن مفهوم التكاثر أيضًا، وهو ما يوضحه الكتاب باستفاضة، بالإضافة إلى فصله عن الأمن الاجتماعي نفسه. ليس هذا فحسب، ولكنها حولت كل واحدة من هذه العناصر إلى سلع منفردة، قابلة للاستهلاك، كل واحدة على حدة. وكما تشير مقدمة الكتاب، فإن شوارع المدن الأوروبية الكبيرة جميعها، في هذه الأيام، تحفل بإعلانات ضخمة لاستشارات تتعلق بإيجاد حبيب، أو لبيع الحيوانات المنوية والبويضات، ناهيك عن الإعلانات الجنسية، أو تلك التي تقدمها دور رعاية المسنين، لاعبة دورًا بديلًا عن دور الرعاية في العلاقات التقليدية.

عودة إلى الصراع الأول: الأمان أم الحرية؟

ليست مشكلة الكائن الجنسي أو العاطفي في هذا العالم السائل بالنسبة لباومان، عدم توفر أي من هذه العناصر، أو عدم القدرة على "شرائها"، ولكن المعضلة حسبه، أن تجزيئها على هذا النحو، أفقدها الغاية الأولية منها، أي الأمان الاجتماعي والشخصي، مستبدلًا هذا العنصر الرئيسي في العلاقات التقليدية بالمغامرة، وبالسعي الدؤوب والمستمر، وغير المجدي إلى إشباع أكثر.

وإذا كان فرويد قد أقر أننا كبشر ممزقون بين رغبتين وحاجتين، هما أن نكون أحرارًا أو أن نحظى بالأمان، حيث يعتبر أن الكبت الجنسي المنظم محرك أساسي في عملية بناء المجتمع وتعزيز شبكات الأمن الاجتماعي، فإن باومان يشير بذكاء وبإيجاز، أن الحداثة السائلة قد وعدت الإنسان بالأمرين المتناقضين في آن، أي تحقيق الحرية والانفلات من جميع أشكال الكبت، والوصول إلى الأمان في نفس الوقت. لقد كان ذلك، أحد وعودها المستحيلة، والعصية على التحقيق، بدلًا من البحث عن توازن ناجح أكثر، بين هذين التطلعين.

في نفس السياق، الذي يتم فيه التخلي عن السعي وراء الأمان من أجل البحث عن الإثارة، فإن مفاهيم مثل "ِشريك الحياة"، تختفي، ويحل محلها كل ما يتعلق بالمؤقت واللحظي، أما "العلاقات" فتصبح روابط أو صلات، أو عمليات تواصل لا أكثر.

وبالحديث عن مفهوم العائلة، القائم على التاريخ والمستقبل المشترك، فلا مكان له في سياق الميل إلى العلاقات التي بلا تاريخ، وبلا مستقبل مؤكد. هنا تسطع صورة العلاقات الافتراضية وتطبيقات المواعدة بالنسبة لباومان؛ إنها تلك العلاقات التي توفر "خيارًا" سحريًا، وغير مسبوق، مقابل العلاقات الجامدة والأبدية والمملة. إنه ببساطة خيار الحذف؛ حذف الماضي، أو حتى حذف مستقبل العلاقة بدون أي عناء.

نقد أبوي للحب؟

في كتاب مليئ بالإشارات والملاحظات النظرية والفلسفية المبهرة، يبدو أن باومان قد حاول في بعض المواضع، ابتكار نوع من البيئة التي يسهل تحليلها. ولعل القارئ المتنبه، سيلاحظ أن حديث صاحب "الخوف السائل"، عن انتهاء عصر الحب الرومانتيكي الذي يتطلع إلى الديمومة وإلى الأبد، سيواجه عددًا غير قليل من الأدلة المضادة. يبدو هذا واضحًا على الأقل في السينما وفي الأدب، حيث تتصدرعبارات من قبيل "الرجل المأمول به/المرأة المأمول بها" (The one)، وتوأم الروح، والمصير أو القدر المشترك، مجمل ما يقال عن الحب وعن قصصه. ولعله من المُلاحظ، أن هذا التداخل بين الغيبي والمادي في الحب، لا يزال موضع اهتمام فلسفي واسع.

يؤخذ على الكتاب أيضًا، استفقاده الدائم لنمط العلاقات التقليدية، فيما بدا وكأنه نقد أبوي صلب للحب، بمعنى مليء بالتوق إلى أنماط ما قبل حداثية كليّة للعاطفة والرعاية والجنس. وهو ما يفسر رواج الكتاب عند بعض أوساط المحافظين، في نفس الوقت الذي استقطب فيه المنتمين إلى أوساط اليسار، بسبب التحليل الماركسي جزئيًا، الذي يستند إليه.

اقرأ/ي أيضًا: "وصفوا لي الحب".. أيديولوجية العاطفة في القرن الـ21

ومن جهة أخرى، فإنه لا بد من الإشارة إلى أن الأمان الذي كانت تحظى به العائلة كوحدة اجتماعية، لم يكن قائمًا فقط على نوع من الكبت المنظم للحرية الجنسية فقط، ولكن على التقسيم الصارم للأدوار داخل الأسرة أيضًا (من يقوم بالرعاية ولماذا؟ ومن يستحق المتعة ومن المسؤول عن الإنجاب، إلخ)، بمعنى أن هذا الأمان كان مرتبطًا بتعزيز النفوذ الأبوي بالضرورة. ومن المُلاحظ مثلًا أن جل العناصر التي تم إقحامها في السوق، بعد أن كانت من وظائف الأسرة، كانت منوطة بالنساء، مثل الرعاية بالآباء والأطفال وكل ما يتصل بالإنجاب وما بعده، ومما يبين ذلك، أن التحرر من أشكال العلاقات التقليدية ساهم في تعزيز دور المرأة، ومشاركتها سياسيًا واجتماعيًا من خارج أسوار الأسرة.

يؤخذ على كتاب "الحب السائل" استفقاده الدائم لنمط العلاقات التقليدية، فيما بدا وكأنه نقد أبوي صلب للحب

مع ذلك، فإن كتاب "الحب السائل" يعطي صورة عميقة، وإن بشكل لا منهجي كما يعترف المؤلف نفسه، على التفكك المتطرف الذي آلت إليه الحياة الاجتماعية، في زمن سائل، انهارت فيه كل الوحدات الكبيرة، وحتى تلك الأصغر مثل "الفضاء الخاص"، الذي أصبح فضاءً شخصيًا، ثم انتهى أخيرًا إلى "فضاء جنسي"، كما تلاحظ هبة رؤوف عزت في تقديمها للنسخة العربية من الكتاب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل فسّر الحب التاريخ ودوافع البشر؟

هل الإنسان متوحش؟.. قطار "الحداثة" في محطة الإبادة الجماعية