زيارة شي إلى كوريا الشمالية.. رسائل سياسية وتمسك نووي
8 يونيو 2026
تتجه الأنظار إلى العاصمة الكورية الشمالية بيونغيانغ، مع وصول الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى كوريا الشمالية في زيارة تُعد الأولى منذ نحو سبع سنوات، وتمتد يومي الاثنين والثلاثاء، في خطوة تسعى من خلالها بكين إلى إعادة تثبيت نفوذها لدى حليفها التقليدي.
وتأتي هذه الخطوة بعد أسابيع من استضافة شي جين بينغ عددًا من القادة الدوليين في بكين، بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
تحالف تاريخي ومصالح متبادلة
ووفق ما نقلته وكالة "أسوشيتد برس"، تأتي الزيارة في وقت تشهد فيه العلاقات بين كوريا الشمالية وروسيا تقاربًا عسكريًا واقتصاديًا متزايدًا، بالتزامن مع استمرار الجمود في العلاقات بين بيونغيانغ وواشنطن.
ونقلت "أسوشيتد برس" عن ويليام يانغ، المحلل في "مجموعة الأزمات الدولية"، قوله إن بكين تسعى عبر هذه الزيارة إلى تعزيز موقعها في مواجهة التحولات الإقليمية المتسارعة، لا سيما في ظل تنامي العلاقات بين بيونغيانغ وموسكو.
من جانبها، أكدت وزارة الخارجية الصينية أن الزيارة تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية ودعم "السلام والاستقرار الإقليميين"، مشيرة إلى أن العلاقات التقليدية بين البلدين "استمرت في التطور بشكل مستقر وتعود بالفائدة على الشعبين".
وتشترك الصين وكوريا الشمالية في حدود تمتد لنحو 1400 كيلومتر، ويربطهما اتفاق تعاون ومساعدة متبادلة يعود إلى 65 عامًا، وينص قانونيًا على تقديم الدعم العسكري المتبادل في حال تعرض أي من الطرفين لهجوم.
شددت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي وأحد أبرز صناع القرار في البلاد، على أن البرنامج النووي الكوري الشمالي "غير قابل للتفاوض على الإطلاق
تقارب مع موسكو ورسائل إلى واشنطن
ومن المتوقع أن تشكل القمة محطة مهمة بالنسبة للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الذي بات يشعر بثقة أكبر في ظل امتلاكه ترسانة نووية متنامية، وتقارب متزايد مع روسيا، وتراجع احتمالات الانخراط مجددًا في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة.
وبحسب تقرير لوكالة "رويترز"، فإن الزيارة تمثل بالنسبة لبكين محاولة لإعادة جذب بيونغيانغ إلى فلكها السياسي بعد سنوات من تنامي النفوذ الروسي داخل كوريا الشمالية.
وخلال السنوات الأخيرة، عززت بيونغيانغ علاقاتها العسكرية والتجارية مع موسكو، خاصة بعد إرسال قوات كورية شمالية للمشاركة إلى جانب روسيا في الحرب الأوكرانية، إلى جانب استمرار تطوير قدراتها النووية والصاروخية رغم العقوبات الدولية.
في المقابل، تبدو كوريا الشمالية حريصة على عدم الارتهان الكامل للصين، مستفيدة من الدعم الروسي لتحقيق نوع من التوازن في علاقاتها الخارجية.
الملف النووي في صلب التوتر
وتبقى القضية النووية الكورية الشمالية أبرز مصادر التوتر، إذ تفرض الأمم المتحدة عقوبات اقتصادية على بيونغيانغ بسبب برامجها النووية والصاروخية.
وكانت كوريا الشمالية قد كشفت مؤخرًا عن منشأة جديدة يُعتقد أنها مخصصة لتخصيب اليورانيوم، فيما دعا كيم جونغ أون إلى تسريع وتيرة تطوير الترسانة النووية لبلاده.
ورغم أن الصين كانت من أبرز الداعمين لنزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية، فإن موقفها بدا أقل تشددًا خلال السنوات الأخيرة.
وخلال لقاء جمع ترامب وشي جين بينغ الشهر الماضي، أكد الجانبان "الهدف المشترك المتمثل في نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية"، بحسب بيان صادر عن البيت الأبيض.
لكن متحدثًا باسم وزارة الخارجية الصينية تجنب تأكيد هذا التوافق بشكل مباشر، مكتفيًا بالقول إن موقف بكين من القضية "يتسم بالاستمرارية والثبات".
كيم يو جونغ: برنامجنا النووي غير قابل للتفاوض
وفي موازاة التحضيرات للزيارة، شددت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي وأحد أبرز صناع القرار في البلاد، على أن البرنامج النووي الكوري الشمالي "غير قابل للتفاوض على الإطلاق".
وقالت كيم يو جونغ، التي تشغل منصب مديرة إدارة الشؤون العامة في حزب العمال الكوري الحاكم، إن "وضع كوريا الشمالية كدولة نووية ليس موضوعًا للنقاش أو التفاوض"، مضيفة أن بيونغيانغ "لن تتسامح مع أي تهديد".
وجاءت تصريحاتها في مقال رأي نشرته صحيفة "رودونغ سينمون" الرسمية، شددت فيه على أن سياسة تعزيز القدرات النووية الدفاعية تمثل "مسارًا لا رجعة فيه" تقوده القيادة العليا في البلاد.
كما وصفت التصريحات الأميركية والصينية المتعلقة بنزع السلاح النووي بأنها "أوهام غير واقعية"، مؤكدة أن كوريا الشمالية "تمتلك الحقائق الأكثر دقة بشأن وضعها النووي".
لماذا تدعم الصين نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية؟
رغم التحالف الوثيق بين الصين وكوريا الشمالية، فإن بكين لا تنظر إلى السلاح النووي الكوري الشمالي باعتباره مكسبًا استراتيجيًا خالصًا، بل مصدر تهديد معقد لمصالحها الإقليمية.
ووفق تقديرات صادرة عن "مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي، تخشى الصين أن يؤدي التوسع النووي لبيونغيانغ إلى سباق تسلح في شرق آسيا، يدفع كوريا الجنوبية واليابان إلى تعزيز قدراتهما العسكرية وربما التفكير مستقبلًا بامتلاك أسلحة نووية، ما يمنح الولايات المتحدة مبررًا لتوسيع وجودها العسكري قرب الحدود الصينية عبر أنظمة دفاع صاروخي وتحالفات أمنية أكبر.
كما ترى بكين أن أي انهيار مفاجئ للنظام الكوري الشمالي أو اندلاع حرب في شبه الجزيرة قد يؤدي إلى فوضى أمنية وتدفق لاجئين إلى الأراضي الصينية، فضلًا عن احتمال قيام دولة كورية موحدة موالية لواشنطن على حدودها المباشرة، وهو ما تعتبره الصين تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا.
لذلك تتبع بكين سياسة تقوم على الحفاظ على كوريا الشمالية كدولة عازلة في مواجهة النفوذ الأميركي، مع محاولة منعها في الوقت نفسه من التصعيد النووي الذي قد يزعزع الاستقرار الإقليمي.
اقتصاد وسياحة وتعاون محتمل
وقبل جائحة كورونا، كان السياح الصينيون يشكلون العمود الفقري لقطاع السياحة الكوري الشمالي، إذ كانوا يمثلون نحو 90% من إجمالي الزوار الأجانب.
وكانت بيونغيانغ قد أغلقت حدودها بشكل شبه كامل منذ عام 2020 ضمن إجراءات مكافحة كورونا، ما أدى إلى خسارة مصدر مهم للعملات الأجنبية.
ويعتبر تعزيز التعاون الاقتصادي مع الصين قد يمنح كوريا الشمالية متنفسًا إضافيًا في ظل العقوبات الغربية المستمرة، خاصة مع تراجع اهتمام بيونغيانغ بالحوار مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.
تقرؤون المزيد في: كيم جونغ أون يجمع كبار قادته العسكريين لتحصين الحدود الجنوبية.. ما الذي يقلق كوريا الشمالية؟